تعيش ايران هاجس عودة الحرب وتوجيه ضربة عسكرية لها، دون تحديد ما إذا كانت محدودة أو موسعة، خصوصًا أن التهديدات الأميركية لا تتوقف وقد تحولت إلى "زاد يومي" مع استمرار الرئيس دونالد ترامب في "رفع اصبعه" متوعدًا طهران في حال لم توافق على الشروط المطروحة من أجل إبرام تسوية، وأبرزها ما يتعلق بالملف النووي و"تصفير" تخصيب اليورانيوم كما الحدّ من دعم "أذرعها" في منطقة الشرق الأوسط. وهذا "التطويق" يرفضه النظام الإيراني حتى الساعة منتظرًا ما ستؤول اليه الوساطات الجارية على أكثر من صعيد، ومن بينها الوساطة التركية، حيث تلعب أنقرة دورًا مهمًا نتيجة العلاقة المتقاربة التي تجمع ترامب بنظيره رجب طيب أردوغان كما سبق أن لعبت دور الوسيط قبل أن تتعطل تلك الجهود في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
وقد لا تثمر هذه الجهود بوقف توجيه عملية عسكرية بقدر ما يمكن أن تؤدي إلى دفع المباحثات بين الجانبين قدمًا خصوصًا بعد توقفها إثر حرب الـ12 يومًا. وفي هذا السياق، يزور وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، أنقرة، اليوم الجمعة، فيما قالت صحيفة "حرييت" التركية إن ترامب وافق على عقد اجتماع ثلاثي بحضور ممثلين عن إيران والولايات المتحدة وتركيا في أنقرة، مشيرة إلى أن الرئيس أردوغان اقترح عقد اجتماع بحضور خبراء عسكريين وأمنيين من الأطراف الثلاثة، معلنًا استعداده لاستضافة ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان. وتتمسك ايران بشروطها التي تعتبرها بمثابة "خط أحمر" ولكنها مع ذلك تدرك خطورة المرحلة الحالية بظل الهيمنة الأميركية ودعمها لمخططات اسرائيل، ومن هنا يأتي انفتاحها على الوساطات الجارية ودفعها نحو الدبلوماسية ولكن دون تقديم تنازلات كبيرة. ومع الدور التركي الذي يُعتبر غاية في الأهمية، تبرز المملكة العربية السعودية التي سبق ورفضت استخدام أراضيها وأجوائها في ضرب طهران وأعلنت عن دعمها لإعتماد سُبل الحوار لنزع فتيل الأزمة التي قد تجرّ المنطقة نحو مواجهة مفتوحة. ومن هنا أفاد موقع "أكسيوس" بأن الإدارة الأميركية ستستضيف هذا الأسبوع كبار المسؤولين الأمنيين والدفاعيين من إسرائيل والسعودية مع ارتفاع مستويات التوتر.
هذا وحط وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في العاصمة الأميركية واشنطن حيث أجرى لقاءات رفيعة المستوى شملت وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف. وتسعى الرياض من خلال الاتصالات والزيارات الى احتواء التصعيد بدلًا من تزكيته وإلى تغليب منطق الدبلوماسية على الحرب واقناع إدارة ترامب بذلك. وترفع الولايات المتحدة جاهزيتها العسكرية وتبقي القرار النهائي بيد ترامب، مقابل تلويح إيران برّد شامل قد يغيّر قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. ولا تبدو تل ابيب بعيدة عن هذه الأجواء حيث وفق وسائل إعلام إسرائيلية، فإن رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) اللواء شلومي بيندر قام بزيارة "غير معلنة" لواشنطن خلال اليومين الماضيين لبحث "قضايا حساسة" تتعلق بأي هجوم أميركي على طهران، وانه قدم خلال اللقاءات التي عقدها معلومات استخباراتية محدّثة حول أهداف محتملة داخل الأراضي الإيرانية. وتسعى اسرائيل لأن تكون "شريكة" في القرار وأن لا يتم اتخاذ أي خطوات دون معرفتها أو التنسيق معها خصوصًا أنها "تهاب" من رّد ايراني قد يستهدف أراضيها وهو ما يكرّره المسؤولين ليل نهار متوعدين بضرب قلب تل أبيب.
ويتوعد النظام الإيراني برّد "شامل وغير مسبوق" على أي هجوم يستهدفه – ولو كان محدودًا، في وقت أعرب النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف عن انفتاح بلاده على التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنه استدرك أن بدء أي مباحثات مرهون بالحصول على ضمانات تؤكد أن واشنطن تسعى إلى حل دبلوماسي حقيقي، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا). أما وكالة "تسنيم" الإيرانية فقد لفتت إلى أن مختلف أفرع الجيش الإيراني تسلمت دفعة تضم ألف طائرة مسيّرة إستراتيجية، موضحة أن المسيّرات الجديدة تتناسب مع التهديدات الحديثة، وتتضمن فئات التدمير والهجوم والحرب الإلكترونية. وأكدت الوكالة نفسها أن هذه المسيّرات مصممة لمهاجمة أهداف خاصة ثابتة ومتحركة في البحر والجو والبر. في سياق متصل، أجرى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس بزشكيان بحثا فيه الأوضاع الراهنة وجهود خفض التصعيد. ويتزامن ذلك مع ما نقلته "وكالة الأنباء الفرنسية" عن وثيقة أشارت فيها إلى أن "إيران أرسلت تحذيرًا أعلنت فيه نيتها إجراء مناورة بحرية بذخيرة حية بمضيق هرمز الأحد والاثنين". يُشار إلى أن صحيفة "كيهان" أثارت احتمال إغلاق المضيق الاستراتيجي، معتبرة الخطوة "حقًا قانونيًا".
في غضون ذلك، شدّد الاتحاد الاوروبي من ضغوطه على طهران مع الإعلان عن تصنيف "الحرس الثوري الإيراني" كـ"منظمة إرهابية" بإجماع سياسي، إلى جانب فرض عقوبات على وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني والمدعي العام محمد موحدي آزاد، بالإضافة إلى القاضي إيمان أفشاري بسبب دورهم في قمع التظاهرات الأخيرة التي عمّت البلاد. كما أقرت عقوبات مماثلة على 6 منظمات إيرانية، من بينها جهات متورطة في مراقبة المحتوى عبر الإنترنت، فيما لا تزال فيه البلاد تعاني من انقطاع الإنترنت منذ 3 أسابيع بقرار من السلطات التي تحاول التعتيم الشامل على ما جرى من حملات اعتقال واعداد الضحايا التي تفوق بكثير الحصيلة التي أعلنت عنها. في المقابل، انتقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا القرار وقال "إن أوروبا ترتكب خطأ إستراتيجيًا فادحًا بتصنيفها قواتنا الوطنية منظمة إرهابية"، مضيفًا أن "موقف الاتحاد الأوروبي الحالي يضرّ بمصالحه ضررًا بالغًا". ومع هذه التطورات التي تضع المنطقة "قاب قوسين" من تهدئة أو حرب، برزت الزيارة التي سيقوم بها الرئيس التركي إلى مصر والسعودية الأسبوع المقبل، خاصة أن هذه الدول الثلاث تقوم بدور لافت ليس فقط من أجل تهدئة الأوضاع مع ايران بل أيضًا من خلال الدفع نحو المرحلة الثانية من اتفاق غزّة وسط العراقيل التي تضعها تل أبيب.
ويُرّكز رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على بند سلاح "حماس" دون غيره من بنود المرحلة الثانية، التي تشمل انسحابًا اسرائيليًا كما إعادة الإعمار وزيادة تدفق المساعدات، ما يعني خلق "توترًا" جديدًا يجعل سكان القطاع أسرى أهواء تل أبيب وتقلباتها. وكان الرئيس ترامب اكد على الدور الكبير الذي لعبته "حماس" في استعادة جثث الرهائن ولكنه أيضًا جدد مطالبته بنزع سلاحها. ومن المتوقع أن يكون هذا الموضوع مدار بحث بين الحركة الفلسطينية والوسطاء في محاولة لتذليل العقبات وإيجاد آلية مناسبة خاصة أن "التنازلات" تأتي فقط من جانب الفلسطينيين فيما اسرائيل تواصل خرق الهدنة الهشة وقتل المزيد من سكان القطاع المنكوب. ويتحايل الاحتلال في فتح معبر رفح وسط انتظار مضني يعيشه الأهالي من أجل توفير مخرج للمرضى كما العالقين في مصر منذ أكثر من عامين. وبحسب تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن القيادات العسكرية تنافس اليمين المتطرف في الحكومة، بقيادة الوزيرَين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، في عرقلة خطة إنهاء الحرب وفتح آفاق سياسية. وقال مسؤولون في جيش الإحتلال إن إدخال نحو 4200 شاحنة إمدادات أسبوعيًا إلى غزة "ينبغي أن يتوقف فورًا"، بزعم أنها تُشكِّل جزءًا من "التنازلات" المرتبطة بالمرحلة الأولى من الاتفاق، محذرين من أن استمرار هذا الواقع سيقود إلى "استئناف القتال". والمضحك المبكي أن هذه المساعدات هي أقل بكثير من المتفق عليه كما أنها لا تكفي حاجة مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف كارثية.
وسبق للعديد من الدول والمنظمات الدولية أن ناشدت بوقف العوائق والسماح بتدفق المساعدات على أنواعها ولكن الاحتلال يستمر في خنق القطاع والتحكم بالمعابر ضمن إطار خطة لاستكمال تهجير الفلسطينيين وهو ما يتوافق مع ما تقوم به في الضفة الغربية من "جريمة موصوفة" عبر السطو على الأراضي والممتلكات وهدم البيوت والعمليات الوحشية التي يتشارك بها المستوطنون مع القوات الاسرائيلية. والأخطر أن كل ذلك يدور في حين تستعد فيه إسرائيل لبدء مفاوضات مع واشنطن بشأن مذكرة تفاهم تتعلق بحزمة مساعدات عسكرية متعددة السنوات، بعد الحزمة السابقة التي تم توقيعها عام 2016 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، وكانت الأكبر من نوعها بقيمة بلغت 38 مليار دولار ومن المقرر أن تنتهي صلاحيتها في عام 2028. وفي هذا السياق، اشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن المفاوضات الجديدة تبدأ في وقت يشهد تراجعًا في دعم الأميركيين لإسرائيل، وفقًا لبعض استطلاعات الرأي، حيث تعارض الأغلبية إرسال مساعدات إضافية بسبب سلوك تل أبيب في حرب غزة وارتفاع عدد الضحايا.
في موازاة ذلك، لا تزال صدى زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو تتردّد في الاوساط السياسية خاصة أنها اكدت أن العلاقة بين الجانبين تأخذ منحى جديد، لاسيما ان دمشق لا يمكن لها ان تتغاضى عن دور موسكو وأهميته في عدد من القضايا الجوهرية التي كانت على طاولة البحث بين الطرفين وأهمها القواعد العسكرية والتفاوض مع اسرائيل إلى جانب ملف إعادة الإعمار الذي توليه الإدارة السورية الجديدة أهمية قصوى. أما في يتعلق بتسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد وأبرز قياداته التي هربت إلى موسكو مع سقوط النظام فالموضوع لا يزال عالقًا خاصة أن تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بدا واضحًا حين أكد أن مسألة محاكمة بشار الأسد "طُويت منذ زمن، وأن شركاء روسيا على دراية تامة بظروف وصوله إلى موسكو". وهذا الموقف الحازم يؤكد ان موسكو لن تتخلى بسهولة عن "ورقة" الأسد، فيما لا تزال الأوضاع في سوريا غير واضحة خاصة مع استمرار الهدنة بين القوات الحكومية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). وفي إطار المتابعة المستمرة للتطورات، عقد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، اجتماعًا مع المبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، أمس تم خلاله بحث ملف "قسد" كما مسألة إندماجها في الدولة.
على الصعيد السوداني، قدمت الأمم المتحدة، الخميس، أرقامًا جديدة عن النازحين في السودان، إذ كشفت أن 9.5 ملايين نزحوا في 18 ولاية سودانية، جراء 3 سنوات من الصراع المسلح، موضحة أن الأطفال يعانون من كارثة إنسانية بسبب الحرب والنزوح والمرض والجوع. وهذه "الفاجعة" لا تلقى الاهتمام المطلوب على مختلف المستويات خاصة أن الصراع الدامي لا يبدو قابلًا للتوقف وسط تعثر المفاوضات. في السياق، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إقرار عقوبات جديدة تستهدف عناصر بـ"قوات الدعم السريع" والقوات المسلحة.
أما دوليًا، فقد أعلن الرئيس ترامب أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين وافق على الامتناع عن قصف كييف ومدن أوكرانية أخرى لمدة أسبوع، بعدما تسببت الغارات الروسية في انقطاع التدفئة عن كثير من السكان وسط برد شديد. "وهدنة البرد" تترافق مع محاولات فنزويلا "الصمود" بعد اعتقال رئيسها واقتياده مع زوجته للمحاكمة في حدث أثار ضجة عالمية. وأعلن ترامب، أمس، أن المجال الجوي لفنزويلا سيُفتَح مجددًا أمام الرحلات التجارية فيما تواصل واشنطن قيودها مع فرض رسوم جمركية على أي سلع قادمة من دول تبيع أو توفر النفط لكوبا، في خطوة تشكل المزيد من الضغط على المكسيك.
وهنا أبرز ما تناولته الصحف العربية الصادرة اليوم، الجمعة، من عناوين وتحليلات:
رأت صحيفة "الثورة" السورية أن مناطق شرق سوريا، ولا سيما محافظتا دير الزور والرقة، إضافة إلى أجزاء من الحسكة، شهدت انتفاضات وتحركات طوال السنوات الماضية من قبل العشائر العربية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقالت "إن انتفاضة العشائر في شرق سوريا ضد قسد ليست مجرد رد فعل آني، بل هي نتيجة تراكم طويل من التهميش والظلم وفقدان الثقة. ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بالقوة وحدها، بل عبر مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لدور العشائر، وتضمن العدالة في إدارة الموارد، وتحافظ على وحدة المجتمع السوري. فبدون ذلك، ستبقى المنطقة عرضة لانفجارات متكررة تهدد الاستقرار والسلم الأهلي".
أما صحيفة "الوطن" القطرية، فكتبت "علّمنا التاريخ أن كل الحروب تنتهي على طاولة المفاوضات، فمهما طال أمد الصراع، فإن السياسة هي التي تصوغ النهاية التي تعجز المدافع عن صياغتها، وهذا ينطبق على الحروب التي انتهت بانتصارات ساحقة، والمفارقة دائماً هي أن الأطراف المتقاتلة تذهب لطاولة التفاوض بعد أن يكون "ثمن السلم" قد ارتفع كثيراً بضياع الأرواح والموارد، التي لا تقدر بثمن"، مشيرة إلى أن "مفاوضات جديدة وجادة من شأنها تحقيق مصالح الجميع دون الدخول في مواجهة ليس من مصلحة أحد على الإطلاق اندلاعها، وهو كلام معقول يمكن البناء عليه من أجل الدفع باتجاه سلام حقيقي يتوق إليه الجميع، في منطقة دفعت أثمانا باهظة بسبب حروب ومواجهات كان يمكن تجنبها".
وعن غزة، لفتت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أنه "من الضروري أن نؤكد على أهمية تحلي الطرف الإسرائيلي بحسن النية والبدء الفوري في تنفيذ بنود الاتفاق التي تم التوصل إليه دون تسويف أو مماطلة، فالتلاعب في التنفيذ ما يزيد من التوترات الكامنة تحت السطح ويعرقل جهود البناء"، مشيدة بدور "مجلس السلام" وانضمام السعودية يعتبر "تأكيداً لدور المملكة في حفظ السلام في كافة ربوع العالم، وعلى الأخص فيما يخص قضية بحجم وأهمية فلسطين، وهو ما يعيد للأذهان الدور الذي تلعبه المملكة في الساحة الدولية كلاعب أساسي في قضية إرساء السلام ودعم الاستقرار في المنطقة، ويوضح بجلاء الوزن السياسي والثقل الاقتصادي والمكانة التي تحتلها بين كافة دول العالم"، وفق وصفها.
(رصد "عروبة 22")

