من مبادرة لا تخلو من إثارة للجدل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في إحداث "مجلس السلام" كإطار دولي يعمل على حلّ الأزمات والنزاعات، انطلاقاً من قطاع غزة. وقد تم التوقيع على الميثاق التأسيسي للمجلس ضمن منتدى "دافوس" الاقتصادي العالمي في سويسرا، بحضور ممثلين عن 21 دولة من أصل 35 وافقت على الانضمام إلى هذا الإطار الذي يترأسه ترامب.
وتتركز أهداف هذا المجلس في العمل على إرساء "إدارة انتقالية" لقطاع غزة، وإطلاق مبادرات لإعادة إعمارها تبعاً لخطة ترامب المتضمنة عشرين نقطة. إضافة إلى تعزيز الاستقرار العالمي وفق مقاربة شمولية، ونزع السلاح من مناطق التوتر، ودعم الحكم الرشيد، وترسيخ السلام انسجاماً مع مقتضيات القانون الدولي.
ويمنح الميثاق صلاحيات وازنة لرئيس المجلس على مستوى إحداث أو حل أو تعديل الأجهزة التابعة للمجلس، وكذا اختيار أعضاء هيئته التنفيذية، والاستمرارية في ترؤس المجلس إلا في حال العجز أو الاستقالة، بينما تمتد عضوية المجلس لثلاث سنوات للدول التي تؤدي أقساطها المالية المحددة بمليار دولار أمريكي. أثارت المبادرة نقاشات سياسية وأكاديمية دولية مكثفة بين من اعتبرها إضافة وإغناء للمنظومة الدولية لتدبير الأزمات التي تعاني أصلاً مجموعة من الاختلالات، وبين من رأى فيها إجراء يعكس إصرار الولايات المتحدة على تكريس منطقها ورؤيتها في التعامل مع النزاعات والأزمات الدولية بما يضمن ريادتها ومصالحها المختلفة.
وفي الوقت الذي رحبت فيه بعض الدول بهذه المبادرة كإطار لإنهاء الحرب في غزة، ورغبة في تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، أبدت دول أخرى، مثل فرنسا والنرويج والسويد وبريطانيا وسلوفينيا اعتراضها على هذه الخطوة لانعكاساتها السلبية المحتملة على مستقبل الأمم المتحدة، ومخاوفها من تهميش القانون الدولي وتكريس الهيمنة الأمريكية.
إن المواقف المتضاربة حول مبادرة ترامب تجد أساسها في الظرفية الدولية التي طرحت خلالها هذه الأخيرة، والتي يشهد فيها العالم تبدلات وتحالفات جديدة تحيل إلى رغبة عدد من القوى الدولية الكبرى كالصين وروسيا في بناء نظام دولي تعددي. إضافة إلى عودة القوة الخشنة بشكل مثير إلى الواجهة الدولية مع تصاعد حدة النزاعات العسكرية، وتنامي مخاطر الأزمات العابرة للحدود، في مقابل عجز الأمم المتحدة وعدد من الهيئات الدولية عن كسب رهانات السلام العالمي.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، هناك من يرى في المجلس مجرد أداة لتكريس رؤية ترامب في التعامل مع الأزمات وبؤر التوتر، بما يدعم المكانة الدولية للولايات المتحدة في عالم متغير بالنظر إلى السلطات التقديرية التي يحظى بها رئيسه والتي تجسد الانفرادية في اتخاذ القرار، وهيئة ستعمق أزمة الأمم المتحدة التي لم تستطع مواكبة التحولات الدولية المتسارعة بمخاطرها ونزاعاتها المعقدة وتزيد من عزلتها. كما أن اشتراط دفع "مليار دولار" للدول المنضمة هو عامل مجحف في حق بعض الدول النامية.
أما المؤيدون للمبادرة، فيعتقدون أنها ستشكل إضافة نوعية لأساليب تدبير الأزمات بشكل أكثر مرونة وسرعة ونجاعة وواقعية، مقارنة مع هيئة الأمم المتحدة وعدد من المؤسسات الدولية ذات الصلة، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية. وبغض النظر عن هذه المواقف المتضاربة، يمكن القول: إن المبادرة تنسجم إلى حد كبير مع مضامين المادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة التي تفتح المجال أمام الدول لاعتماد آليات سلمية مختلفة لتسوية المنازعات والأزمات.
كما أنه وفي الوقت الذي حدث فيه تحول كبير حول مفهوم القوة، وتعقّدت معه المخاطر الدولية بشكل ملحوظ، من حيث أسبابها وحدودها والعوامل التي تغذيها، بدت الأمم المتحدة باعتبارها المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين عاجزة عن مواكبة هذه التغيرات، وعن إدارة مختلف الأزمات بشكل فعال. وفي هذا السياق، يمكن لهذه المبادرة أن تشكل عاملاً محفزاً لإعمال إصلاحات جذرية لهيكل الأمم المتحدة التي مر على تأسيسها أكثر من ثمانين عاماً، بما يدعم دمقرطتها ويعزز كفاءتها في كسب رهانات السلم والأمن في عالم يرزح تحت وطأة التحديات والمخاطر.
(الخليج الإماراتية)

