لَيْسَ هذا وَحَسْب، وَحَتّى إِذا افْتَرَضْنا أَنَّ بَعْضَ صُنّاعِ القَرارِ في الوَطَنِ العَرَبيِّ شَرَعوا في التَّصَدّي لِآثارِ هذا التَّزْييف، بَعْدَما أَخَذوا عِلْمًا بِأَنَّهُمْ تَأَخَّروا كَثيرًا في التَّصَدّي لَه، فَإِنَّ عَمَلِيَّةَ مَحْوِ آثارِهِ السَّلْبِيَّةِ سَوْفَ تَسْتَغْرِقُ وَقْتًا كَبيرًا، على فَرْضِ أَنَّهُمْ شَرَعوا فِعْلًا في التَّصَدّي لِتِلْكَ الآثار.
رموز فكرية ودينية تورّطت في الإدلاء بمواقف سياسية اختزالية كانت لها أصداء على الأتباع
بِتَعْبيرٍ آخَر، إِنَّ التَّقْليلَ مِنْ آثارِ ما جَرى في حِقْبَةِ تَصْديرِ تَزْييفِ الوَعْيِ بِاسْمِ الدّينِ إلى المِنْطِقَةِ العَرَبِيَّة، لِاعْتِباراتٍ سِياسِيَّةٍ وَجِيوسِياسِيَّةٍ وَحَتّى اسْتْراتيجِيَّة، قَدْ يَتَطَلَّبُ صَرْفَ المَبْلَغِ نَفْسِهِ الذي صُرِفَ بِغَرَضِ تَزْييفِ الوَعْيِ بِاسْمِ الدِّين في تِلْكَ الحِقْبَة، وَانْتِظارَ حِقْبَةٍ زَمَنِيَّةٍ لَيْسَتْ هَيِّنَةً حَتّى نُعايِنَ التَّخْفيفَ مِنْ آثارِ ما جَرى طيلَةَ عُقودٍ مَضَت، وَخاصَّةً مُنْذَ مُنْعَطَفِ 1978 ــ 1979، أَيِ المُنْعَطَفِ الجِيوسِياسيِّ الذي كانَ سَبَبًا مُباشِرًا وَراءَ إِطْلاقِ مَشاريعَ عِدَّةٍ في السِّياقِ أَعْلاه، وَالمَقْصودُ تَبِعاتُ ثَلاثَةِ أَحْداثٍ جِسام: الثَّوْرَةُ الإيرانِيَّة، الغَزْوُ السّوفْياتِيُّ لِأَفْغانِسْتان، وَاقْتِحامُ مَجْموعَةِ جُهَيْمانَ بْنِ سَيْفٍ العُتَيْبيِّ لِلْحَرَمِ المَكِّيّ.
في الشِّقِّ التَّطْبيقيِّ الذي يَهُمُّنا هُنا، أَيّ آثارِ تَزْييفِ الوَعْيِ بِاسْمِ الدّينِ في التَّحْليلِ السِّياسِيّ، يَصْعُبُ إِنْ لَمْ نَقُلْ يَسْتَحيلُ حَصْرُ الأَمْثِلَةِ في هذا المُضْمار، لَكِنْ مِنَ الهَيِّنِ مُعايَنَةُ بَعْضِ آثارِها، خاصَّةً إِذا تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِما يَصْدُرُ عَنْ رُموزٍ فِكْرِيَّةٍ وَدينِيَّةٍ تَوَرَّطَتْ في الإِدْلاءِ بِمَواقِفَ سِياسِيَّةٍ اخْتِزالِيَّة، كانَتْ لَها أَصْداءٌ على الأَتْباعِ وَالقَواعِدِ التَّنْظيمِيَّةِ المُوالِيَةِ لِلْجَماعاتِ وَالتَّيّاراتِ الإيدْيولوجِيَّةِ التي تَنْهَلُ وَتُرَوِّجُ خِطابَها السِّياسِيَّ المُغَلَّفَ بِقُشورِ الوَعْظِ وَالفِكْر.
جَرى المِثالُ الأَوَّلُ في عِزِّ انْدِلاعِ أَحْداثِ 2011، التي يُصْطَلَحُ عَلَيْها عِنْدَ البَعْضِ "الرَّبيعُ العَرَبِيُّ" أَوْ "الفَوْضى الخَلّاقَةُ" عِنْدَ البَعْضِ الآخَر، وَالحَديثُ عَنْ قَوْلٍ سِياسِيّ، تَمَّ تَمْريرُهُ في صيغَةِ قَوْلٍ دينِيٍّ، ضِمْنَ بَرْنامَجٍ مُخَصَّصٍ لِلدَّعْوَةِ وَالإِرْشادِ مِنْ حَيْثُ الظّاهِر. يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِما صَدَرَ عَنْ مَرْجِعٍ دينِيٍّ مِصْرِيٍّ ضِدَّ العَقيدِ اللّيبيِّ مُعَمَّر القَذّافي، حَيْثُ أَدْلى بِمَواقِفَ دينِيَّةٍ وَصَفَتْها المَواقِعُ الإِسْلامِيَّةُ الحَرَكِيَّةُ حينَها بِأَنَّها "فَتْوى"، مَعَ أَنَّ الرَّأْيَ يَهُمُّ الشَّيْخَ المَعْنِيَّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ حَرَكاتٍ سِياسِيَّةٍ دِينِيَّة، وَهذا شَأْنُهُمْ الخاصُّ في نِهايَةِ المَطاف، لٰكِنَّ تَبِعاتِ رَأْيِهِ حينَها، تَجاوَزَتْ سَقْفَ الفَضاءِ أَوِ المَجالِ الإِسْلاميِّ الحَرَكِيّ.
لقب "العلّامة" يُطلق على علماء يُدافعون عن الوحدة الوطنية وضدّ تقسيم دول المنطقة إلى دُوَيْلات
كَما اتَّضَحَ أَنَّ الصِّفَةَ التي رُوِّجَ لَها كُلَّما ذُكِرَ المَرْجِعُ الدّينِيُّ في حَمَلاتِ الدِّعايَةِ الإِسْلامِيَّةِ الحَرَكِيَّة، كانَتْ تُفيدُ بِأَنَّهُ "عَلّامَة" وَرَئيسُ "الاتِّحادِ العالَميِّ لِعُلَماءِ المُسْلِمين"، وَالحالُ أَنَّهُ ما تَعَوَّدَ عَلَيْهِ المواطِن، قَبْلَ بُزوغِ ظاهِرَةِ "الصَّحْوَةِ" أَوِ "الإِحْيائِيَّةِ الدّينِيَّة" بِتَعْبيرِ رِضْوان السَّيِّد، أَنَّ لَقَبَ "العَلّامَة" يُطْلَقُ على عُلَماءَ يُدافِعونَ عَنِ الوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ وَضِدَّ تَقْسيمِ دُوَلِ المِنْطَقَةِ إلى دُوَيْلات، وَبِالأَحْرى ضِدَّ إِسْقاطِ أَنْظِمَةٍ وَالإِفْتاءِ بِإِهْدارِ دِماءِ المَسْؤولِينَ وَالحُكّام.
أَمّا النَّموذَجُ الثّاني فَيَهُمُّ مُفَكِّرًا تونِسِيًّا، يَشْتَغِلُ في حَقْلِ الفَلْسَفَة، وَحَرَّرَ أَعْمالًا عِدَّةً حَوْلَ الثُّنائيِّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ خَلْدون، وَمِمّا عُرِفَ عَنْهُ أَيْضًا، التَّأْليفُ في بابِ "فَلْسَفَةِ الدّين" في الفِكْرِ الإِسْلاميِّ المُعاصِر، كَما تَرْجَمَ بَعْضَ الأَدَبِيّاتِ الفَلْسَفِيَّةِ المِثالِيَّةِ الأَلْمانِيَّة، وَأَيًّا كانَتِ المُؤاخَذاتُ النَّقْدِيَّةُ على بَعْضِ هذِهِ الأَعْمال، فَهذا أَمْرٌ طَبيعِيٌّ، لِأَنَّنا نَتَحَدَّثُ تَحْتَ سَقْفِ نِسْبِيَّةِ التَّنْظير، وَلا يوجَدُ مُفَكِّرٌ مِنْ مُفَكِّري المِنْطِقَةِ العَرَبِيَّةِ أَوِ المَجالِ الغَرْبيِّ بِرُمَّتِهِ، مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْد. المَسْأَلَةُ تَحْصيلُ حاصِلٍ بِتَعْبيرِ المَناطِقَة.
تزييف الوعي قصف العقل الجمعي العربي
لكِنَّ الأَمْرَ مُخْتَلِفٌ كُلِّيًّا عِنْدَما نَتَحَدَّثُ عَنِ المَواقِفِ السِّياسِيَّةِ لِلْمُفَكِّرِ نَفْسِه، حَيْثُ يَظْهَرُ لَنا فَجْأَةً وَجْهٌ مُغايِرٌ، كَأَنَّنا نَقْرَأُ لِشَخْصٍ آخَر، وَلَيْسَتِ الصّورَةُ الأولى التي يَشْتَغِلُ فيها على ابْنِ خَلْدونَ وَالفَلْسَفَةِ المِثالِيَّةِ عِنْدَ الأَلْمان، وَما أَكْثَرَ الأَمْثِلَةَ في هذا السِّياق، مِنْ قَبيلِ ما صَدَرَ عَنْهُ بِخُصوصِ التَّعامُلِ مَعَ "الجِهادِيّينَ" الذينَ شَدّوا الرِّحالَ نَحْوَ سورْيا بُعَيْدَ أَحْداثِ 2011، مُعْرِبًا عَنْ أُمْنِيَّتِهِ في أَنَّهُ لَوْ كانَ لا يَزالُ شابًا مُؤَهَّلًا لِكَيْ يَكونَ مَعَهُمْ، أَوْ في تَعامُلِهِ مَعَ الوَضْعِ الاِعْتِباريِّ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَقَوْلِهِ الشَّهيرِ وَالاخْتِزاليِّ في آن، الذي جاءَ فيهِ أَنَّ "كُلَّ الأَنْظِمَةِ العَرَبِيَّةِ لا تَسْتَحِقُّ لَفْظَ دُوَلٍ، وَلٰكِنَّها مَحْمِيّاتٌ لِحِمايَةِ الحُكّامِ ضِدَّ شُعوبِهِم"، ضِمْنَ آراءٍ سِياسِيَّةٍ غَيْرِ سَوِيَّة، لَكِنَّها تَحْظى بِتَأْييدٍ وَتَرْويجِ أَتْباعِ تَزْييفِ الوَعْيِ بِاسْمِ الدّين.
أَسْلَمَةُ التَّحْليلِ السِّياسيِّ مَعَ هذِهِ النَّماذِجِ وَغَيْرِها، سَبَبٌ وَجيهٌ مِنْ أَسْبابِ تَزْييفِ الوَعْيِ الذي قَصَفَ عُقولَ العَقْلِ الجَمْعيِّ العَرَبِيّ، وَمِنْ سوءِ حَظِّنا أَنَّهُ لا يوجَدُ إِجْماعٌ إِقْليمِيٌّ صَريحٌ يَرومُ التَّصَدّي لِهذِهِ القَلاقِلِ النَّظَرِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ في آنٍ.
(خاص "عروبة 22")

