إِثْيوبْيا اسْتَنْكَرَتِ الخِطابَ الرِّئاسِيَّ الأَميركِيَّ وَقالَت: لِماذا يَتِمُّ فَتْحُ مَوْضوعٍ مُنْتَهٍ وَتَمَّ دَفْنُهُ في القَبْرِ بَعْدَ أَنْ اسْتُكْمِلَ بِناءُ السَّدِّ وانْتَهى مَلْءُ بُحَيْرَةِ التَّخْزينِ وافْتِتاحُهُ رَسْمِيًّا؟! وَأَضافَتْ أَنَّ إِثْيوبْيا تُشارِكُ بِأَكْثَرَ مِنْ 85% مِنْ مِياهِ نَهْرِ النّيل، وَأَنَّها لَنْ تَرْضى بِحِصَّةٍ مائِيَّةٍ أَقَلَّ مِنْ 40% مِنْ مِياهِ أَنْهارِ النّيلِ الثَّلاثَةِ التي تَخْرُجُ مِنْ أَراضيها، وَأَهَمُّها النّيلُ الأَزْرَقُ الذي يُشارِكُ وَحْدَهُ بِنَحْوِ 60% مِنْ مِياهِ نَهْرِ النّيل.
فَفي أولى عِباراتِ خِطابِ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ أَنَّهُ لا يَنْبَغي لِدَوْلَةٍ واحِدَةٍ أَنْ تُسَيْطِرَ على مُقَدَّراتِ النَّهْرِ بِبِناءِ سَدٍّ عِمْلاقٍ يُصَنَّفُ بِأَنَّهُ واحِدٌ مِنْ أَكْبَرِ عَشَرَةِ سُدودٍ في العالَم، فَهَذا يَتَماشى مع المَوْقِفِ المِصْرِيِّ الذي يُطالِبُ إِثْيوبْيا بِضَمانِ حَدٍّ أَدْنَى مِنَ المِياهِ يَخْرجُ مِنَ السَّدِّ يُماثِلُ أَوْ يُقارِبُ مَثيلَهُ قَبْلَ بِناءِ السَّدّ، وَهُوَ ما يُقَدَّرُ بِنَحْوِ 50 مِلْيارَ م3 سَنَوِيًّا. هَذا الأَمْرُ تَرْفُضُهُ إِثْيوبْيا، وَتَرْفُضُ الاعْتِرافَ بِأَيِّ حِصَصٍ سابِقَةٍ لِمِصْرَ والسّودان، وَتَصِفُها بِأَنَّها حِصَصٌ اسْتِعْمارِيَّة، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ إِثْيوبْيا لَمْ تُسْتَعْمَرْ في تاريخِها إِلّا لِثَلاثِ سَنَواتٍ قَبْلَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأولى، وَلَمْ يَفْرِضْ عَلَيْها أَيُّ مُسْتَعْمِرٍ حِصَصًا مائِيَّة، بَلْ إِنَّها اسْتَفادَتْ مِنَ الِاسْتِعْمارِ الفَرَنْسيِّ لِلصّومالِ بِضَمِّها إِقْليمَ "أوغادين" (Ogadeen) الصّومالِيّ، وَمِنَ الِاسْتِعْمارِ البَريطانيِّ بِضَمِّ إِقْليمِ "بَني شَنْقول" (Benishangul).
من الممكن أن تشتري مصر كهرباء السد لكن بعد توقيع اتفاقية جديدة تضمن حدًّا أدنى من المياه للاحتياجات المصرية
وَفي السِّياقِ نَفْسِه، تُطالِبُ مِصْرُ بِالتَّشارُكِ في إِدارَةِ السَّدِّ وَتَبادُلِ المَعْلومات، بِحَيْثُ تَعْمَلُ جَميعُ تورْبيناتِ تَوْليدِ الكَهْرَباءِ لِضَمانِ وُصولِ المِياهِ إلى مِصْر، وَأَلّا يَتَوَقَّفَ الأَمْرُ على تَعاقُداتِ إِثْيوبْيا على تَصْديرِ الكَهْرَباءِ مِنْ عَدَمِه. وَفي هَذا الصَّدَد، فَقَدِ اقْتَرَحَ الرَّئيسُ الأَميركِيُّ أَنْ تَشْتَرِيَ مِصْرُ كَهْرَباءَ السَّدِّ مِنْ إِثْيوبْيا لِتَبادُلِ المَنافِع، وَبِما يَضْمَنُ تَشْغيلَ جَميعِ التّورْبينات، وَبِالتّالي وُصولَ أَكْبَرِ قَدْرٍ مِنَ المِياه. مِصْرُ مِنْ جانِبِها، كانَتْ تَرى أَنَّ شِراءَ كَهْرَباءِ السَّدِّ مِنْ إِثْيوبْيا يُمْكِنُ أَنْ يُشَجِّعَها على بِناءِ المَزيدِ مِنَ السُّدودِ مُسْتَقْبَلًا، وَمِصْرُ حالِيًّا مُكْتَفيةٌ ذاتِيًّا مِنَ الكَهْرَباء، وَلَيْسَتْ بِحاجَةٍ لِشِرائِها مِنَ الخارِجِ. وَمع ذَلِكَ، وَنَظَرًا لِارْتِباطِ مِصْرَ بِشَبَكَةِ كَهْرَباءٍ مُوَحَّدَةٍ مع السُّعودِيَّة، وَشَبَكَةِ رَبْطٍ كَهْرَبائِيٍّ مع أوروبّا، فَمِنَ المُمْكِنِ لِمِصْرَ أَنْ تَشْتَرِيَ كَهْرَباءَ السَّدِّ الإِثْيوبيِّ لِتَسْويقِها إلى هَذِهِ المَناطِق، التي تُرَحِّبُ بِهَذِهِ النَّوْعِيَّةِ مِنَ الكَهْرَباءِ النَّظيفَةِ المُوَلَّدَةِ مائِيًّا مِنْ دونِ اسْتِخْدامِ الوَقودِ الأَحْفوريِّ الذي يَزيدُ مِنْ أَحْوالِ التَّغَيُّرِ المُناخِيّ، وَلَكِنْ بعدَ أَنْ يَتِمَّ تَوْقيعُ اتِّفاقِيَّةٍ جَديدَةٍ مع إِثْيوبْيا بِضَمانِ حَدٍّ أَدْنَى مِنَ المِياهِ يَخرجُ مِنَ السَّدِّ نَفْسِهِ إلى مِصْرَ لِتَبْنِيَ عَلَيْهِا احْتِياجاتِها المُسْتَقْبَلِيَّة، وَبِذَلِكَ يَعودُ النَّفْعُ على الطَّرَفَيْن.
أَمّا بِالنِّسْبَةِ إلى عِبارَةِ اقْتِسامِ المِياهِ "Share Water" التي جاءَتْ في خِطابِ ترامب، فَقَدْ أَوْضَحَها قانونُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ لِلْأَنْهارِ بِأَنَّ التَّقاسُمَ يَتِمُّ في مَوارِدِ النَّهْر، والتي تَشْمَلُ الأَمْطارَ والبُحَيْراتِ العَذْبَةَ والمِياهَ الجَوْفِيَّةَ وَمَناطِقَ تَجَمُّعِ مِياهِ الأَمْطارِ "Water Catchment" وَمِياهَ النَّهْرِ التي تَسْري بَيْنَ ضِفَّتَيْه. وَتُشيرُ التَّقاريرُ الأُمَمِيَّةُ إلى أَنَّ حَجْمَ الأَمْطارِ التي تَسْقُطُ على إِثْيوبْيا يَبْلُغُ 936 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ، جَعَلَها أَكْبَرَ دُوَلِ أَفْريقْيا في الثَّرْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ بِحَجْمِ 100 مِلْيونِ رَأْس، وَأَنَّ المَسَاحَةَ المَنْزُرِعَةَ فِعْلِيًّا فيها على الأَمْطارِ تَبْلُغُ 35 مِلْيونَ هِكْتارٍ، جَعَلَها مِنْ أَكْبَرِ مُصَدِّري القارَّةِ لِلْحاصِلاتِ العُضْوِيَّةِ والبُنِّ العُضْوِيّ. يُضافُ إلى ذَلِكَ مَخْزونُ بُحَيْرَةِ "تانا"، التي يَنْبَعُ مِنْها النّيلُ الأَزْرَقُ بِمَخْزونِ 30 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ، ثُمَّ خَزّانُ سَدِّ "تيكيزي" (Tekeze) على نيلِ عَطْبَرَةَ بِسِعَةِ 9 مِلْياراتِ م3، بَيْنَما لا يَصِلُ إلى مِصْرَ والسّودانِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ المِياهِ إِلّا 50 مِلْيارَ م3 فَقَط، هِيَ مُشَارَكَةُ النّيلِ الأَزْرَقِ في مِياهِ النّيلِ المُوَحَّد، وَبِذَلِكَ تَكونُ إِثْيوبْيا تَحْصُلُ فِعْلِيًّا على نَحْوِ 90% مِنْ مَوارِدِ النَّهْر، وَلَيْسَ 40% كَما تَطْلُب. أَشارَ أَيْضًا قانونُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ لِلْأَنْهارِ إلى التَّوْزيعِ العادِلِ لِمِياهِ النَّهْرِ وَلَيْسَ التَّوْزيعَ المُتَسَاوي، فَإِثْيوبْيا لَدَيْها تِسْعَةُ أَحْواضِ أَنْهارٍ تَضُمُّ عَشَراتِ الرَّوافِدِ بِتَدَفُّقاتٍ تَبْلُغُ 122 مِلْيارَ م3 سَنَوِيًّا، وَبِالتّالي فَلَنْ يُضيرَها أَنْ تَتْرُكَ إِحْداها إلى مِصْرَ والسّودان، وَهَذا لَنْ يُؤَثِّرَ على احْتِياجاتِها المائِيَّة وَلا يَمْنَعُ حَقَّها في اسْتِخْدامِ مِياهِ النّيلِ الأَزْرَقِ في تَوْليدِ الكَهْرَباءِ وَبَعْضِ الاسْتِخْداماتِ الأُخْرى غَيْرِ المُسْتَنْزِفَةِ لِلْمِياه.
نَعْتَقِدُ أَنَّ الرَّئيسَ ترامب في دَوْرَتِهِ الرِّئاسِيَّةِ الحالِيَّةِ غَيْرُ الرَّئيسِ تْرامْب في دَوْرَتِهِ السّابِقَة، فَترامب الحالِيُّ يَنْتَهِجُ سِياسَةَ مَنْ لَيْسَ مَعي فَهُوَ ضِدّي، وَيَفْرِضُ عُقوباتٍ على كُلِّ مَنْ لا يُؤَيِّدُ مَواقِفَه. هَذا الأَمْرُ يَعْني أَنَّ إِثْيوبْيا قَدْ لا تَسْتَطيعُ الانْسِحابَ مِنَ المُفاوَضاتِ التي تَرْعاها أَميرْكا كَما حَدَثَ في فِبْرايِر/شُباط 2020، لِأَنَّ العُقوباتِ سَتَكونُ أَشَدّ، وَأَنَّ المِنَحَ الدَّوْلِيَّةَ مِنْ بَرْنامَجِ الغِذاءِ العالَميِّ وَمُخْتَلَفِ المُنَظَّماتِ الأُمَمِيَّةِ التي تَخْرُجُ بِأَمْرِ أَميرْكا، والتي تَحَوَّلَتْ في السّابِقِ إلى ميزانِيَّةِ بِناءِ السَّدِّ عِنْدَما أَشارَ ترامب إلى أَنَّ أَميرْكا ساهَمَتْ في تَكَاليفِ بِناءِ السَّدِّ في عَهْدِ الدّيموقْراطِيّين، وَكانَ يَقْصِدُ غِطاءَ التَّمْويلِ تَحْتَ مِظَلَّةِ بَرامِجِ المُساعَداتِ الأُمَمِيَّة.
يجب أن تكون هناك إدارة مشتركة للسد وتبادل للمعلومات
الأَمْرُ بَسيطٌ إِذا خَلَصَتِ النَّوايا، وَهُوَ: أَوَّلًا أَنْ تَتَعَهَّدَ إِثْيوبْيا بِضَمانِ حَدٍّ أَدْنى مِنَ المِياهِ يَخرجُ مِنْ سَدِّ النَّهْضَةِ لِصَالِحِ مِصْرَ والسّودانِ يُماثِلُ أَوْ يُقارِبُ مَثيلَهُ قَبْلَ بِناءِ السَّدّ، مُقابِلَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِصْرُ والسّودانُ الكَهْرَباءَ المُوَلَّدَةَ مِنَ السَّدِّ سَواءً لِلِاسْتِهْلاكِ المَحَلّيِّ أَوْ لِلتَّسْويقِ إلى دُوَلِ أوروبّا والخَليجِ العَرَبِيّ.
ثانِيًا، أَلّا تَتَحَمَّلَ مِصْرُ وَحْدَها أَضْرارَ السَّنَواتِ العِجافِ التي تَضْرِبُ النَّهْرَ مِنْ آنٍ لِآخَر، وَأَنْ تَتَشارَكَ الدُّوَلُ الثَّلاثُ في تَحَمُّلِ هَذِهِ الأَضْرارِ بِسَبَبِ إِصْرارِ إِثْيوبْيا على تَخْزينِ مِياهِ النَّهْرِ أَوَّلًا وَتَوْليدِ الكَهْرَباءِ حَتَّى في السَّنَواتِ العِجافِ.
وَأَخيرًا، أَنْ تَكونَ هُناكَ إِدارَةٌ مُشْتَرَكَةٌ لِلسَّدِّ وَتَبادُلٌ لِلْمَعْلومات، وَأَلّا يَكونَ بِيَدِ إِثْيوبْيا وَحْدَها إِغْراقُ السّودانِ وَمِصْرَ بِالفَيَضاناتِ الاصْطِناعِيَّة، أَوْ يكونُ بِيَدِها مَنْعُ المِياهِ وَفَرْضُ القَحْطِ على دَوْلَتَيِ المَصَبّ، وَأَنْ تَلْتَزِمَ بِالحِفاظِ على السُّدودِ القائِمَةِ حالِيًّا على النَّهْرِ كَما يَنْصُّ القانونُ الأُمَمِيّ.
(خاص "عروبة 22")

