نـَتـَحَدَّث، مـَثـَلًا، عـَنِ العـَقْلَانـِيّـَةِ وَعـَنِ النّـَزْعـَةِ التّـَجْريـبـِيّـَةِ في الفـِكـْر، وَنـَشـْدِّدُ عَلى أَنّـَهـُمـا السِّـمـَتـانِ الرَّئيـسَتانِ لِلـفـِكْرِ الّذي يَحْـمـَلُ نـَعـْتَ الحـَداثـَة. هـَذَا صَحـيـحٌ مـِن غـَيـْرِ شـَكّ؛ إِذْ لـَولا تـِلْكَ السّـُلْطـَةُ الّتي تـَعـودُ إلى العـَقـْلِ وَالتّـَجْرِبـَةِ فِي التّـَفـْكـيـر، لَـمـا كـان لِلـفـِكْرِ الحـَديـثِ أَنْ يَشـْهـَدَ عَلى ثـَوْرَتـِهِ المـَعـْرِفـِيّـَةِ الشّـامِلـَةِ وَالعَميقـَةِ عَلى أَنـْظِمـَةِ التّـَفـْكيـرِ وَإِنـْتـاجِ المـَعـْرِفـَةِ الّتي سـادَتْ في العـَهـْدِ الوَسيـط، وَلَا أَنْ يَكـونَ فـي قـَلـْبِ تِلْكَ التّـَحـُوّلاتِ الهـائِلـَةِ الّتي طـَرَأَتْ عَلى عـَلَاقـَةِ الإِنْسـانِ بِالطّـَبـيـعـَة، مـِنْ جـِهـَة، وَبِالمـُحيـطِ الِاجـْتـِماعِيّ، مـِنْ جـِهـَةٍ ثـانـِيّـَة؛ بـَلْ مـَا كـانَ لـَهُ أَنْ يَكـونَ فـي أَساسِ العـَوامـِل الّتي أَنـْجـَبـَتْ ظـَواهـِرَ المـَدَنـِيّـَةِ الحـَديثـَةِ وَمـَعـْطـَياتـِها.
مـَعَ ذَلِك، يَـكـْفـي التّـَدقيـقُ في التّـَعـْريف، وَلَوْ قـَليلًا، لِكـَيْ يُـطْـلـِعَنـا عَلى حـَقيـقـَتـَيـْنِ فـِكـْرِيّـَتـَيـْنِ مُتـَلازِمـَتـَيـْن:
تـَقـْرِّرُ أولاهـُمـا أَنَّ اخـْتـِلافًـا بـَيّـِنًـا يَـقـومُ بـَيْـنَ العـَقْلانـِيّـَةِ وَالنّـَزْعـَةِ التّجْريـبـِيّـَة، فـي نـَظـامِ المـَعـْرِفـَة، بِحَيْثُ تـَتـَمايـَزانِ بـِهِ مـِن حَيْـثُ الأَسـُسُ الإيـبـيـسـتيـمولوجِيّـَةُ الّتي تـَقـومُ عَلَيْـها كـُلُّ واحـِدَةٍ مـِنـْهـُمـا، وَمـِنْ حَيْـثُ النّـَظـامُ الفَـرْضِيُّ وَالأَكـْسـِيومـِيُّ وَكـَيْـفـِيّـاتُ إِنـْتاجِ المـَعـْرِفـَةِ وَنِظـامِ المـَفاهيمِ المـُسْتـَخـْدَمِ في ذَلِكَ الإِنـْتـاج. مـَعَ هـَذا، لا يَـمـْنـَعُ الاخْتـِلافُ ذاكَ مـِن التَّسْلـيـمِ بـِما بـَيْـنَ العـَقْلانـِيّـَةِ وَالنّـَزْعـَةِ التّـَجْريـبـِيّـَةِ مـِن اشـْتـِراكٍ في الـدَّوْرِ وَالْـقـيـمَة؛ حَـيـْث تُـنـْتـِجـانِ مـَعًـا - بـِمـَقـاديـرَ مُتـَفـاوِتـَة - مـَعـارِفَ ذاتَ مـَفـْعـولِيّـَةٍ مـَلْحـوظـَةٍ في مَسـيـرَةِ تـَقـَدُّمِ الفـِكـْرِ وَالمـَعـْرِفـَةِ الإِنسانـِيّـَيـْن.
العقلانيات مـختلفة باختلاف الزمان والمكان والنزعة التجريبية نزعات تجريبية عدّة
أَمّـا الثّـَانـِيَة، فـَتـَكـْمُنُ فـِي أَنَّ مَا دَرَجـْنـا عَلى أَنْ نـُطْلـِقَ عَلَيـْهِ اسـْمَ عـَقْلانـِيّـَةٍ هـُوَ، فـي حـَقيـقـَةِ أَمـْرِه، عـَقْلانـِيّـَاتٌ مـُخـْتـَلِفـَةٌ بـِاخـْتـِلافِ الزَّمـانِ وَالمـَكـان؛ حَيْثُ عـَقْلَانـِيّـاتُ القـَرْنِ السّـابـِعِ عَشـَرَ في فـَرَنْسا (ديـكارت) وَهـولَنْـدا (سـْبـيـنـوزا)، مـَثـَلًا، غـَيـْرُ عـَقْلَانـِيّـاتِ القـَرْنِ التّـَاسـِعِ عَشـَرَ في أَلـْمـانـِيـا (إيـمانـُويل كـَنـْت، هيـغـل...). بـِالمَعـْنـى نـَفـْسِهِ فـَإِنَّ النّـَزْعـَةَ التّـَجْريـبـِيّـَةَ نـَزْعـاتٌ تـَجـْريـبـِيّـَةٌ عـِدَّة؛ حـَيـْثُ مـَا كـانَ مـِنـْها سـائـِدًا لـَدى الفـَلاسـِفـَة قـَبـْلَ فيزْيـاءِ إِسْحـَق نِيـوتُـن (فـَرَنْسـيس بـيـكـون مـَثـَلًا) غـَيـْرُ مـا صـار عَلَيـْهِ تـَفـْكـيـرُهـُمْ بـَعـْدَ نـِيـوتُـن (ديـڤـيـد هـِيـوم)؛ وَحَيْث فـَلْسَفـَةُ دُعـاةِ المـَذْهـَبِ الحـِسّـِيِّ (جـون لـوك، جـورْج بـيـركـْلي...) جـُزْءٌ مـِن الفـَلْسـَفـَةِ التّـَجـْريـبـِيّـَةِ وَإِنْ هـُوَ حـَصـَرَ التّـَجْرَبـَةَ في الحـِسّ...
الحـَقِيـقـَتـَان تَـيْـناكَ لَا تـُلـْغـِيـانِ أُخْرى ثـالِثـَة، بـَلْ تـَتـَضـافـَرانِ مـَعَها؛ وَهـِي تـَتـَمـَثّـَلُ في نـُشـوءِ مَسـاحـاتِ التِقـاءٍ وَاشـْتـِراكٍ بـَيْـنَ العـَقْلانـِيّـاتِ وَالتّـَجْريـبـِيّـات - إِنْ كـانَ فـي العـِلـْمِ أَو فـي الفـَلْسـَفـَة - عَلى ما بـَيْـنـَهـُمـا مـِن تـَمـايُـزٍ فِي المـَنـاهـِجِ وَأَنـْظِمـَةِ المَعـْرِفـَة. أَمّـا فِي العـِلـْم، فـَالمِثـالُ عَلى ذَلِكَ مـا يَـقـومُ عـَلَيـْه عـِلـْمُ الرِّيـاضِيّـاتِ وَالعـُلومُ التّـَجْريـبـِيّـَةُ مـِن بـِنـاءٍ أَكـْسـِيومـِيٍّ مـُنـْذ نـَشـْأَةِ الهـَنـْدَسـاتِ اللّاأقـْليديّـَةِ (لـوبـاتـشـيـفسـكـي، بـولـْيـاي)، فـي النّـِصْفِ الأَوَّلِ مـِنَ القـَرْنِ التّـَاسِـعِ عَشـَر، إلى قـِيـامِ نـَظـَرِيّـَةِ النّـِسـْبـِيّـَةِ لـَدى أَيْـنـْشـتـايـْن في مـَطالِـعِ القـَرْنِ العـِشـْريـن؛ وَأَمّـا في الفـَلـْسـَفـَةِ فـَالمِثـالُ الأَجـْلى عَلى ذَلِكَ نـَجـِدُهُ في الوَضـْعِيّـَةِ المـَنـْطـِقِيّـَة، مـَع كـارنـاب وَمـَنْ تـَلاه، حَتّى لا نـَقـولَ في العـُلومِ الاجـْتـِماعِيّـَةِ وَالإِنسـانـِيّـَةِ السّـاعِيـَةِ نـَحـْوَ إِخـْضاعِ ظـَواهـِرِهـا لِلـدَّرْسِ العـِلـْمِيّ وَمـَنـاهِجـِه. هـَكـَذا يَـتـَبـَيّـَنُ إلى أَيِّ حـَدٍّ لَا تـَقـِلُّ مَسـاحـَةُ التّـَعـدُّدِ فـي فـِكـْرِ الحـَداثـَةِ شـَسـاعـَةً عـَمّـا هـِيَ عـَلَيـْهِ فـي مِيـاديـنِ السّـِيَاسـَةِ وَالاجـْتـِمـاعِ الأُخْرى.
يجب التفكير في الحداثة بما هي تعدُّد واختلاف ومُحصّلة خبرات إنسانية
فـي وُسـْعـِنـا أَنْ نـَأْتِيَ المـَزيـدَ مـِنَ التّـَنـْفـيلِ وَالإِفـاضـَةِ فـي بـَيـانِ ذَلِكَ التّـَعـدُّدِ فـي الحـَداثـَةِ (= الحـَداثـَات) فـي النّـَظـامِ الِاقـْتـِصادِيّ الحـَديـث، مـَثـَلًا، المُتـَمـَيِّـزِ مـِن غـَيـْرِهِ بـِسـِمـَةِ العـَقـْلَنـَةِ - حَسَبَ عـِبـارَةِ مـاكـْس فـيـبـر - أَي: النّـَظـامُ الرَّأْسـْمـالِيّ؛ وَتـَمْـيـيـزِ أَشـْكالِ الرَّأْسـْمـالِيّـَاتِ المُخـْتـَلـِفـَةِ فـيه وَأَنـْمـاطِ صـِلاتـِها بِالـدَّولـَةِ وَصـِلَاتِ الطّـَبـَقـَاتِ الاجـْتـِماعِيّـَةِ بـِإِدارَتـِهـا...؛ لـَكـِنَّ ذَلِكَ لـَنْ يَكـون، في المـَطـافِ الأَخـير، أَكـْثـَر مـِن اسْتـِطْرادَةٍ فـِي السّـِيـاقِ أَو تـَحـْصـيلَ حـاصـِلٍ لـِهـَذِهِ الحـَقـيـقـَةِ الّتي حـاوَلـْنـا تـَسـْليـطَ الضَّـوءِ عـَلَيـْهـا: أَعـْنـي وُجـوبَ التّـَفـْكـيرِ فـي الحـَداثـَةِ بـِمـا هِي تـَعـدُّدٌ وَاخـْتـِلَافٌ وَمـُحَصَّـلـَةُ خِـبـْراتٍ إِنـْسـَانـِيّـَةٍ عـَديدَة، أَيْ بـَعـيدًا مـِنْ كـُلِّ تـَحـْنيـطٍ وَتـَنـْمـيط.
(خاص "عروبة 22")

