صحافة

إما نهاية الهيمنة الأمريكية أو انهيار إيران

مصطفى السعيد

المشاركة
إما نهاية الهيمنة الأمريكية أو انهيار إيران

كل من الولايات المتحدة وإيران أمام خيارات صعبة ومصيرية، فالهدف الأمريكي من الحرب إسقاط النظام الإيراني أو على الأقل إضعافه حتى الاستسلام للشروط الأمريكية، وإذا عجزت عن تحقيق الهدف فستفقد ما تبقى من هيبتها، بعد خسارة حربها التجارية والتكنولوجية مع الصين، وتعرضها لأزمة اقتصادية عميقة، وانقسام داخلي غير مسبوق .. البلدان أمام حرب فاصلة، وهذا أخطر ما في الأمر.

الإدارة الأمريكية ترغب في حرب خاطفة وساحقة، تحقق فيها أهدافها، فهل هذا أمر ممكن؟ الحشود العسكرية الكبيرة لا تتجاوز ما حشدته في حرب الـ12 يوما، ولم تتمكن خلالها من تحقيق الأهداف، رغم أنها تمتعت بميزة المفاجأة، وفي المقابل عززت إيران من قدراتها العسكرية، وعوضت ما خسرته من صواريخ، بل تخطته بكثير، وعالجت بعض ثغرات دفاعها الجوي بالحصول على منظومات روسية وصينية أكثر تطورا، وحصلت على طائرات حديثة، وشوهدت طائرات سو 35 في سماء طهران، وحطت 16 طائرة شحن صينية في مطاراتها، بما تحمله من أجهزة وأسلحة متطورة، أهمها رادارات كمومية، قادرة على كشف الطائرات الشبحية، وأجهزة تشويش إلكترونية، وصواريخ مضادة للسفن والدفاع الجوي، وهذا فقط ما تم رصده، ويمكن أن تكون قد حصلت على ما هو أكثر من خلال خطوط جوية غير مباشرة عن طريق باكستان ودول أخرى، أو عن طريق السكك البرية والموانىء، خاصة من روسيا التي تشاطئها عن طريق بحر قزوين.

أما أهم ما تجهزت به إيران أنها أنشأت 54 منطقة عسكرية، لكل منها قيادة مكتفية ذاتيا، وعشرات المدن العسكرية تحت سلاسل الجبال الشاهقة، الممتدة من الشرق والشمال والغرب، لهذا يصعب أن تنجح ضربات جوية سريعة ومكثفة من تحقيق الهدف المنشود، خاصة أنها أعلنت عن الرد الفوري على أي عملية عسكرية، مهما كانت محدودة، ويمكنها رصد الاستعدادات للضربة قبل وقوعها عبر أقمارها الصناعية وطائراتها المسيرة، والدعم اللوجيستي من الصين وروسيا، أي أن الأمر لن يستغرق سوى دقائق، لتنطلق صواريخها الباليستية ومئات وربما آلاف طائراتها المسيرة، التي طورتها بالتعاون مع روسيا والصين، لتضرب سفن وقواعد أمريكا في المنطقة. لهذه الأسباب من الصعب أن تحقق الولايات المتحدة أهدافها في عملية خاطفة ومكثفة، حتى لو استخدمت كل قواتها المحتشدة. أما احتمال أن تتمكن من قتل الصف الأول من القيادة، وعلى رأسهم المرشد الإيرانى خامنئي، فلا يبدو ممكنا، فقد جرى نقل وتوزيع القيادات على المدن العسكرية تحت الجبال.

أما الممكن أمام القوات الأمريكية، فهو تدمير منشآت ومرافق عسكرية واقتصادية وشرطية، من شأنها أن تسبب أزمة معيشية، تساعد في حدوث أزمة داخلية، وأن تنطلق مجموعات مناوئة ومدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها من دول مجاورة مثل أذربيجان وكردستان العراق وباكستان لإحداث اضطرابات تربك القيادة الإيرانية، فهل تكفي هذه العمليات في تحقيق الأهداف؟ يصعب الرهان على مجموعات متسللة بعد أن شنّت إيران حملات اعتقال وتصفية لهذه الجماعات في الاضطرابات الأخيرة، ولهذا لن تكون بنفس الزخم، ومن الصعب حدوث تحرك شعبي بسبب الضربات لقطاعات اقتصادية وخدمية، فالشعوب تتوحد في الحروب، وتتحمل أكثر من أي وقت. أما ضرب المنشآت العسكرية والشرطية المكشوفة، فالمرجح أنها استعدت لها، ومعظم قدراتها العسكرية موجودة في مواقع محصنة أو في المدن العسكرية التي يصعب تدميرها.

الاحتمال المرجح أن تكون الحرب طويلة، وهو ما لا تريده إدارة ترامب، وأحد الأسباب أنها تحتاج إلى موافقة الكونغرس على هذه الحرب، لتنتقل المعركة إلى الداخل الأمريكي. أما إذا تمكنت إيران من تدمير أو إعطاب سفن حربية أو حاملة طائرات أو إسقاط طائرات من خلال صواريخها فرط الصوتية ودفاعاتها الجوية، أو بهجمات مكثفة للطائرات المسيرة أو بالغواصات الرابضة تحت المياه أو الزوارق السريعة، فإن الأمر سيزداد تعقيدا أمام الولايات المتحدة، فلن تكون قد فشلت فقط في تحقيق أهدافها، بل ربما تنسحب وتتلقى الهزيمة تحت ضغط الغضب الشعبي الأمريكي من فقدان أرواح ورموز القوة الأمريكية.

إن طرفي الحرب في موقف حرج للغاية، فليس بمقدور إيران تقديم تنازلات في برنامجيها النووي والصاروخي، وليس بمقدور أمريكا أن تعود حشودها بدون حرب أو مكسب ملموس، وهناك بصيص أمل ضعيف في مفاوضات تحفظ ماء وجه الطرفين معا، وأن تقبل إيران بخفض مستوى التخصيب إلى الحد الذي لا يسمح بإنتاج سلاح نووي، وأن تعتبر إدارة ترامب ذلك انتصارا. أما خيار الحرب الطويلة فلن تجني إيران إلا خسائر كبيرة، مقابل فقدان أمريكا الكثير مما تبقى من هيبتها، إلا إذا حدثت مفاجآت لا يمكن توقعها، سواء بنجاح أمريكي في تحقيق الأهداف، أو تمكن إيران من إلحاق خسائر كبيرة للقوات الأمريكية.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن