صحافة

مفاوضات أبوظبي.. والتسوية العصية للحرب الأوكرانية

صلاح الغول

المشاركة
مفاوضات أبوظبي.. والتسوية العصية للحرب الأوكرانية

شهد أواخر شهر يناير انطلاق المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في أبوظبي، وهي أول مفاوضات علنية مباشرة بين موسكو وكييف بغرض إيجاد تسوية سياسية للحرب. وحتى الآن، عقدت جولتان من المفاوضات، بدأت الأولى في 26 يناير الجاري، فيما التأمت الجولة الثانية في الرابع من فبراير الجاري.

إنّ اختيار أبوظبي لاستضافة المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في يناير 2026 جاء نتيجة لسمعة دولة الإمارات بوصفها وسيطاً محايداً وموثوقاً، يتمتع بعلاقات قوية ومتوازنة ومستقرة مع جميع الأطراف المعنية. وباعتبارها منصة استراتيجية وهادئة وسهلة الوصول جغرافياً، وفّرت أبوظبي بيئة تتيح انخراطاً دبلوماسياً مباشراً وعلى أعلى المستويات، بعيداً عن القيود السياسية أو التدقيق الإعلامي المصاحب عادةً للعواصم الغربية أو الروسية. وقد نجحت دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها كمركز لحل النزاعات، من خلال توفير بيئة آمنة لإجراء مفاوضات حساسة تهدف إلى إنهاء الحرب، حيث وصفت تقارير أولية هذه المحادثات بأنها "مثمرة".

كما أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأبوظبي يجعلها نقطة التقاء عملية بين الشرق والغرب. ويعكس اختيارها أيضاً سجلها السابق في استضافة وساطة ناجحة في قضايا دولية معقّدة، وقدرتها على تسهيل لقاءات مباشرة، وجهاً لوجه، وعلى مستوى عالٍ، بين الأطراف الرئيسية، فضلاً عن قيامها ب17 وساطة بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا لتبادل الأسرى، كان آخرها في أغسطس 2025، أسفرت عن إطلاق نحو 4641 أسيراً.

تُعقد المفاوضات في أبوظبي بأقصى درجات السرية نظراً لحساسيتها العالية وطبيعتها المصيرية، إذ تُعد السرية عنصراً أساسياً لإنجاح مثل هذه المفاوضات المعقّدة، ولمنح الأطراف المعنية مساحة كافية للمناورة وبناء الثقة بعيداً عن الضغوط الإعلامية والسياسية، بما يزيد من فرص التوصل إلى نتائج ملموسة. وتنسجم استضافة مفاوضات الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا بشكل مباشر مع أولويات السياسة الخارجية لدولة الإمارات، ولا سيما المبدأ السادس من مبادئ السياسة الخارجية التي أرسى دعائمها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في عام 2022، والذي ينص على سعي الدولة إلى خفض التصعيد وحل النزاعات، إقليمياً ودولياً، من خلال دعم الحلول السياسية والدبلوماسية.

وبعد الجولة الأولى من المفاوضات الأسبوع الماضي، قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بزيارة مفاجئة إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. وخلال لقائهما، جدّد سموه دعم دولة الإمارات للجهود الرامية إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأكد أهمية التوصل إلى حل دبلوماسي للصراع الدامي الذي اندلع في فبراير 2022، مشيراً إلى اعتزازه بالتعاون مع الرئيس بوتين في "الملف الإنساني" للحرب، ولا سيما فيما يتعلق بوساطات دولة الإمارات لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا. وقال سموه عقب مراسم الاستقبال في الكرملين: "أود أن أؤكد مجدداً أن دولة الإمارات تدعم بشكل كامل جميع الجهود الرامية إلى التوصل إلى حلول سياسية ودبلوماسية للنزاعات بما يسهم في تحقيق السلام والوئام والاستقرار الدولي".

وقد أشار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مراراً إلى وجود فرصٍ لتحقيق اختراق في محادثات السلام الجارية، وإلى قرب توصل فريقي التفاوض في أبوظبي إلى اتفاق لوقف الحرب والتسوية السياسية. وأشارت عدة مصادر إلى أن الوفود العسكرية الروسية والأوكرانية تناقش التفاصيل التقنية لتنفيذ اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار، لكن تسوية القضايا الإقليمية، لا سيما المتعلقة بتنازل أوكرانيا عن كامل مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك (إقليم الدونباس) لروسيا، ستتطلب قرارات على مستوى القيادات العليا.

وفي هذا الصدد، يبدو أنّ الولايات المتحدة وأوروبا بصدد الانتهاء من وضع ضمانات أمنية واقتصادية مع أوكرانيا، تهدف إلى ردع أي هجوم روسي مستقبلي، وإعادة بناء الاقتصاد الأوكراني في مرحلة ما بعد الحرب. وصرّح الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في 25 يناير المنصرم، بأنّ الوثيقة الخاصة بالضمانات الأمنية الأمريكية لأوكرانيا أصبحت جاهزة بنسبة 100%، وأنّ أوكرانيا تنتظر من الولايات المتحدة تحديد موعد ومكان توقيعها.

وقد ألمحت الإدارة الأمريكية إلى أوكرانيا بأن الضمانات الأمنية الأمريكية تعتمد على موافقة كييف على اتفاق سلام من المرجح أن يتطلب منها التنازل عن إقليم دونباس لروسيا، ويتضمن ذلك سحب قواتها من الأجزاء التي تسيطر عليها في الإقليم المذكور. وكانت الخطة الأمريكية الأولية ذات النقاط الثمانية والعشرين قد دعت إلى تنازل أوكرانيا عن كامل مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك وتجميد خط الجبهة في جنوب أوكرانيا (زابورجيا وخيرسون)، في حين دعت مقترحات أمريكية -أوكرانية لاحقة إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح أو "منطقة اقتصادية حرّة" في مقاطعة دونيتسك. وقد رفض الكرملين صراحةً في ديسمبر 2025 المقترح الأخير.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن