الحَقيقَة، أَنَّهُ مُنْذُ البِداياتِ الجادَّةِ لِصُنْعِ آلاتٍ ذَكِيَّةٍ في خَمْسينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، بَدَأَ الخَوْفُ مِنْ أَنْ يَفْقِدَ الإِنْسانُ سَيْطَرَتَهُ على آلَتِهِ الصُّنْعِيَّةِ الذَّكِيَّة. وَلَمْ تَزَل تَسْتَقِرُّ في أَذْهانِنا بَعْضُ تِلْكَ الأَسْئِلَةِ التي أَفْرَزَها القَلَقُ والتَّوَجُّسُ النَّظَرِيُّ الفَلسَفِيّ، قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ اليَوْمَ واقِعًا مَعيشًا مَعَ تَطَوُّراتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ الكَبيرَة.
أَسْئِلَةٌ أولى، تُشْبِهُ أَسْئِلَةَ الإِنْسانِ الكُبْرى المُتَنَقِّلَةَ عَبْرَ حَياتِه؛ عَنِ الوُجود، والمَعْرِفَة، والأَخْلاق... إِنَّها هِيَ الأَسْئِلَةُ ذاتُها تَقْريبًا، يَضَعُنا أَمامَها ذَكاؤُنا الآلِيُّ المُعاصِر، مُعْظَمُها يَدورُ حَوْلَ التَّساؤُلِ المَرْكَزِيّ: إلى ماذا يُمْكِنُ أَنْ يَقودَنا الذَّكاءُ الاصْطِناعِيّ؟.
الذكاءان الآليّ والطبيعي أصبحا يُؤثّران بقوة في بعضهما
وَيَسْتَمِرُّ التَّساؤُل: ما مَصيرُ وُجودِنا في وُجودِ هَذا الذَّكاءِ المُصَنَّع؟ وَكَيْفَ يُمكنُ لِلآلِيِّ أَنْ يَسْتَحْوِذَ على الطَّبيعيِّ في فِكْرِنا وَتَفْكيرِنا وَإِنْتاجِنا المَعْرِفِيّ؟ ما فَعّالِيَّتُهُ وَدَوْرُهُ في حَياتِنا؟ وَهَل نَحْنُ حَقًّا في حاجَةٍ ماسَّةٍ إِلَيْه؟ أَمْ أَنَّ المَسْأَلَةَ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها مَرْحَلَةً طَبيعِيَّة، تَأْتي في سِياقِ الحَتْمِيَّةِ التِّقْنِيَّة؟
إِذا ما رَكَّزْنا الآنَ على مَسْأَلَةِ تَوْجيهِ ذَكائِنا الآليِّ لِذَكائِنا الطَّبيعِيّ، وَما مَدى حَقيقَةِ هَذا الأَمْرِ مِنْ وِجْهاتِ نَظَرٍ مُتَعَدِّدَة، مِثْلَ المَنْظوراتِ المَعْرِفِيَّةِ والتَّعْليمِيَّةِ والأَخْلاقِيَّة؛ ناهيكَ عَنِ الاجْتِماعِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ والفَلسَفِيَّةِ والأَنْثروبولوجِيَّة... ذَلِكَ أَنَّ الذَّكاءَيْنِ الآلِيَّ والطَّبيعِيَّ أَصْبَحا يُؤَثِّرانِ بِقُوَّةٍ في بَعْضِهِما البَعْض، وارْتَسَما مَعًا في مَسيرَةِ الحَياةِ الإِنْسانِيَّةِ بِصورَةٍ مُوَحَّدَة، حَيْثُ باتَ الأَمْرُ طَبيعِيًّا أَنْ نَتَمَثَّلَ نَحْنُ البَشَرَ في حَياتِنا اليَوْمِيَّة، وَنَتَفاعَلَ بِشَكْلٍ طَبيعِيٍّ وَآلِيٍّ، في الآنِ ذاتِه...
في شَأْنِ الرُّؤْيَةِ المَعْرِفِيَّةِ وَطَبيعَةِ العَقْلِ البَشَرِيّ، نَجْدُ أَنَّ التَّفْكيرَ الطَّبيعِيَّ يَقومُ على مُقَوِّماتٍ أَوْ خَصائِصَ تَجْعَلُ مِنْهُ عَقْلًا مُبْدِعًا بِطَبْعِه. فَهُوَ قادِرٌ على التَّحْليل، والنَّقْد، وَيَنْفَتِحُ على المُتَوَقَّعِ واللّا مُتَوَقَّع، كَما أَنَّهُ غالِبًا لا يُمْكِنُ تَأْطيرُهُ في أُطُرٍ جاهِزَةٍ لا يَسْتَطيعُ الفَكاكَ مِنْها. هَذا المَنْظورُ مَكينٌ في عَقْلِ الإِنْسانِ الإيجابيِّ بَداهَةً، وَمِنْ خِلالِهِ اسْتَطاعَ أَنْ يُبْدِعَ وَيَتَحَقَّقَ مِنْ نَتائِجِ إِبْداعاتِه، لِيَدْفَعَ بِها نَحْوَ المَزيدِ مِنَ العَطاءِ المُثْمِرِ في حَياتِه، وَتَطَوُّرِهِ الحَضارِيّ. كَذَلِك، التَّفْكيرُ الطَّبيعِيُّ هُوَ في مَبْدَئِهِ تَفْكيرٌ مُسْتَقِلّ، ما دامَ لَدَيْهِ القُدْرَةُ على التَّعَلُّمِ الذاتِيّ، وَمُوازَنَةِ مُدْرِكاتِهِ المُكْتَسَبَة، فَلا يَقَعُ رَهينًا لِلتَّحَكُّمِ فيهِ مِنْ خارِجِه، فَهُوَ لَيْسَ مَصْنوعًا بِلا وَعْيٍ مِنْه، بَل هُوَ عادَةً يَتَفَاعَلُ مَعَ الطَّبيعَةِ مِنْ حَوْلِهِ وَبيئَتِهِ المُجْتَمَعِيَّةِ في حالَةِ وَعْيٍ وَإِدْراك.
الذكاء الاصطناعي يُضعف الخصائص الذكية الطبيعية لدى الإنسان
خِلافًا لِلمُنْتَجاتِ الذَّكِيَّةِ المَحْكومَةِ بَرْمَجِيًّا؛ فَهِيَ لا شَكَّ عَقْلٌ آلِيّ، لَكِنَّها لا تَخْرُجُ مِنْ عُقالِ خَوارِزْمِيّاتِها، وَمِمّا يُقَدَّمُ لَها مِنْ بَيانات. وَمِنْ ثَمَّ، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الإِنْسانَ هُوَ المُؤَسِّسُ والمُوَجِّهُ لِهَذِهِ الآلاتِ ابْتِداءً؛ يَظَلُّ لِهَذِهِ الخَوارِزْمِيّاتِ المُتَعَلِّمَةِ وَ"المُثَقَّفَةِ" إِنْ صَحَّ التَّعْبير، فِعْلُها المُؤَثِّرُ بِقُوَّةٍ في العَقْلِ البَشَريِّ الطَّبيعِيّ. وَإِنْ شِئْنا قُلنا، لَها ارْتِدادُها الخَطير، وَمُنْعَكَساتُها العَميقَةُ في آلِيَّةِ التَّفْكيرِ البَشَريِّ الطَّبيعِيّ.
يُمْكِنُ لِلذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، بِوَضْعِهِ الحالِيّ، أَنْ يُضْعِفَ الخَصائِصَ الذَّكِيَّةَ الطَّبيعِيَّةَ لَدى الإِنْسان؛ مِثْلَ التَّفْكيرِ النَّقْدِيّ، فَيُؤَطِّرُ المَدارِكَ الإِنْسانِيَّة، وَيُحَجِّمُ الخَيالَ وَيُهَيِّئُ لِلإِنْسانِ طُرُقًا مُحَدَّدَةً لِلتَّفْكير، فَلا يَتَدَرَّبُ وَحْدَهُ بِطَبيعَتِهِ الفِطْرِيَّةِ على التَّحْليلِ المُعْتَمِدِ على الذّات، والفَهْمِ الطَّبيعِيِّ لِلأَشْياء، وَإِدْراكِ التَّماثُلاتِ والفَوارِقِ والأَسْبابِ والمُسَبِّبات، فَيَرْهنُ العَقْلُ الطَّبيعِيُّ نَفْسَهُ لِلعَقْلِ الآلِيّ، وَيَتَّكِلُ على مُعْطَياتِهِ الجاهِزَة.
مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى، يَبْرُزُ المَنْظورُ التَّعْليمِيُّ والتَّرْبَوِيُّ الذي يُنَمِّي قُدُراتِ الإِنْسانِ في التَّعَلُّمِ والتَّعْليم... فَإِذا ما اعْتَمَدَ المُتَعَلِّمُ أَوِ المُعَلِّمُ كَثيرًا على القُدُراتِ الذَّكِيَّةِ الآلِيَّة، لا شَكَّ يَطالُ القُصورُ قُدُراتِهِ الإِبْداعِيَّةَ الأَصْلِيَّةَ واعْتِمادَهُ على نَفْسِه، وَيَغْدو رَهينًا لِتَوْجيهاتِ الآلَة، فَلا يَسْتَقِلُّ عَمّا تُقَدِّمُهُ لَهُ مِنْ خِدْمات، وَيَظَلُّ لا يَبْرَحُ مُسْتَواها في الإِنْجاز، بَل يَتَنَمَّطُ بِمُعْطَياتِها بِصورَةٍ أَوْ بِأُخْرى، سَواءَ في حُصولِهِ على المَعْلوماتِ والمَعارِفِ أَوِ البَحْثِ والكَشْفِ عَنْها أَوْ كَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ والاسْتِدْلالِ عَلَيْها.
معظم قيم الإنسان أمست الآن على المحك
إِضافَةً إلى ذَلِك، أَصْبَحَ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ يَخْلُقُ احْتِياجاتٍ اسْتِهْلاكِيَّةً مُتَنَوِّعَة، وَيُكَيِّفُها بِحَسَبِ الطَّلَب، فَهُوَ مَثَلًا يُقَدِّمُ المَعْلومَة، وَيَقْتَرِحُ طَريقَةَ الاسْتِفادَةِ مِنْها، وَكَيْفِيَّةَ تَفْعيلِها في سِياقاتٍ عِدَّة، فَضْلًا عَنِ اقْتِراحِ المَوْضوعات، وَمُسْتَوَياتِ تَناوُلِها حَسَبَ مَجالاتِها، وَأَغْراضِها، وَمُسْتَخْدِميها، وَما إلى ذَلِك. الأَمْرُ الذي يَعْني أَنَّ الخَوارِزْمِيّاتِ الذَّكِيَّةَ تُجَهِّزُ كَثيرًا مِنِ احْتِياجاتِنا المَعْلوماتِيَّة؛ تَسْتَدْعي، وَتَنْتَقي، وَتُصَنِّف، وَتُرَتِّب، وَتُلَخِّص، وَتَصوغُ المَطْلوبَ حَسَبَ مُقْتَرَحاتِها... وَأَنَّ الشَّبَكَةَ الذَّكِيَّةَ الكَوْكَبِيَّةَ تُلْغي المَسافاتِ والأَبْعاد، وَتُهَيِّئُ مُخْتَلِفَ الظُّروفِ لِلحُصولِ على المَعْلوماتِ والمَعارِفِ عَنْ قُرْب، وَتُذيبُ الحُدودَ بَيْنَ المُسْتَخْدِمين، وَتَجْعَلُ مِنَ الأَفْرادِ والجَماعاتِ حَلَقاتٍ تَواصُلِيَّةً اسْتِهْلاكِيَّةً في العالَمِ الافْتِراضيّ.
هُنا، يَأْتي المَنْظورُ الأَخْلاقِيّ، الذي يَهْتَمُّ بِالقِيَمِ الإِنْسانِيَّة، وَيَتَفَحَّصُ ماذا يُعَزِّزُ الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ في الحاسوبِ والشَّبَكَةِ مِنْ قِيَمٍ إِنْسانِيَّةٍ إِيْجابِيَّة، أَوْ يُؤَسِّسُ لِقِيَمٍ أُخْرى سَلبِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِبَني الإِنْسان... الواقِع، أَنَّ مُعْظَمَ قِيَمِ الإِنْسانِ أَمْسَتِ الآنَ على المِحَكّ. الصِّدْقُ والأَمانَةُ والالتِزام، في مُقابِلِ الكَذِبِ والغِشِّ والتَّزْييفِ والانْتِحالِ والانْحِلال... الواجِبُ والمَسْؤولِيَّة، والحِفاظُ على المَكانَةِ العُلْيا لِقيمَةِ الإِنْسان، سِيَّما في قُدْرَتِهِ على اتِّخاذِ قَراراتِهِ الواعِيَة، والثِّقَةِ في خُصوصِيَّتِه، وَتَفَرُّدِهِ في هَذا العالَم، أَمْ أَنَّهُ أَصْبَحَ يَتَضاءَلُ أَمامَ نَفْسِه، وَيَفْقِدُ مُقَوِّماتِ تَمَيُّزِهِ وَخَصائِصَهُ الإِبْداعِيَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا!.
(خاص "عروبة 22")

