صحافة

من فيينا إلى مسقط: لماذا يتعثر التفاوض مع إيران؟

مدى الفاتح

المشاركة
من فيينا إلى مسقط: لماذا يتعثر التفاوض مع إيران؟

توقيع الاتفاق النووي في 2015 كان لحظة التوهج الكبرى في علاقة إيران بالقوى الغربية. علاقة كان عنوانها العداء المتبادل منذ نجاح الثورة الخمينية، قبل ما يقترب من الخمسة عقود. إلا أن ذلك التوهج، الذي نظر إليه الجميع بتفاؤل، لم يكد يستمر طويلا، بل لم يؤد الاتفاق نفسه إلى الوصول إلى ما كان مأمولا منه.

سواء تعلق الأمر بمشاورات مسقط 2026، أو بمفاوضات فيينا 2020، فإن المتابع لا يكاد يشعر بأي تقدم، ففيما تراهن الأطراف الغربية على كسب الوقت عبر تفعيل مزيد من آليات العقوبات الاقتصادية من أجل إضعاف النظام، يبدو الأخير وكأنه يستفيد من هذا الوقت، من أجل العمل بمعزل عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ما يتعلق ببرنامجه النووي.

خلال هذه السنوات تبادلت الأطراف المختلفة الاتهامات بشأن الوصول إلى هذه الحالة من التوتر والجمود، ففي حين ترى إيران أنها فعلت ما عليها، وأن الغربيين هم من تلاعبوا بها، عبر عدم الالتزام بما نص عليه الاتفاق بشأن تطبيع العلاقات ومساعدة البلاد على استعادة التعافي الاقتصادي، ترى أطراف غربية، خاصة أمريكية، أن إيران لم تلتزم بروح الاتفاق المتمثلة في تحسين سلوكها، ووقف دعمها للميليشيات المرتبطة بها.

تكمن العقدة في أن الإيرانيين لا يعترفون بما يسمى "روح الاتفاق"، على الرغم مما يوحي به اسمه "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ويرون أن الأمر كان يتعلق بصفقة تقنية بالأساس، ويجب ألا يمتد بأي حال ليصبح أداة للتدخل في الشأن الداخلي أو السياسات الخارجية. التذكير بمفاوضات فيينا مهم، حيث أراد المفاوضون الأوروبيون آنذاك، عبر ما يزيد عن سبع جلسات تفاوض، لعبوا فيها دور الوسيط بين الأمريكيين والإيرانيين، أن يكسروا حالة الجمود، التي بدأت بعد إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق في 2018. أرادت تلك المفاوضات، التي كانت تُعلق عليها آمال كبيرة، دفع إيران إلى الالتزام باتفاق جديد شامل لنواحٍ سياسية بشكل واضح لا يحتمل التأويل. كان المفاوضون الأوروبيون يرون أن الانسحاب الأمريكي وقطع سبل التواصل مع إيران، كان خيارا خاطئا سمح لها بأن تفعّل سياسة "الغموض النووي"، التي لا تجعل أي أحد ملما بحقيقة ما يحدث، أو بمدى الاقتراب من الوصول إلى السلاح الفتاك.

الشعور السائد لدى صناع القرار في طهران هو، أن الغربيين، سواء كانوا أمريكيين أو أوروبيين، غير جديرين بالثقة، وأنه لا يوجد هناك ما يضمن التزامهم بأي اتفاق. هذا الشعور المليء بالإحباط يعود لما سببه نكوص الغرب عن تعهداته من تداعيات على الداخل الإيراني، ففيما كان النظام يبشّر مواطنيه بحالة الرخاء القادمة، ويحكي عن أموال موعودة تقدر بمليارات الدولارات، كان صناع القرار في واشنطن يقولون، إن فك تجميد الأموال المحتجزة صعب، لأنه لا يوجد ما يضمن ألا تستخدم في ما يهدد الأمن والسلم. تبخرت كل وعود الرئيس الأسبق باراك أوباما، بمجرد توقيع الاتفاق، ما جعل أحلام فتح صفحة جديدة بين البلدين تذوب مع الأيام. بدا وكأن الرئيس الأسود الشاب، أراد أن يكون التوقيع في حد ذاته مجرد إنجاز له خلال فترته الرئاسية. ظهر ذلك في إجابات أوباما قبيل توقيع الاتفاق عن رؤيته لمستقبل العلاقة بين البلدين، وعما إذا كان الاتفاق سوف يحقق الأمن الإقليمي المطلوب.

لم تكن لدى أوباما، الذي انشغل وقتها بالاحتفال بما حققه، أي إجابات سوى الكلمات الفضفاضة المعبرة عن الأمل بأن تتحول إيران إلى شريك في الاقتصاد وفي السياسة وفي مكافحة الإرهاب. لم يستطع أوباما أن يفسر توقيعه على اتفاق لا يمنع إيران، التي ينظر إليها حلفاؤه بريبة، من الحصول على السلاح النووي بعد عقد أو عقدين من الزمان. كان ذلك هو وقت علو عبارات بلاغية من قبيل قولهم: "اتفاق سيئ أفضل من عدم وجود اتفاق". حالة انعدام اليقين هذه تحولت إلى نوع من الجمود مع دونالد ترامب ثم جو بايدن، الذي كان يتمتع بمنصب نائب الرئيس لأوباما وقت توقيع الاتفاق. على عكس التوقعات بأن يكون بايدن أكثر حماسة لاستعادة العلاقة مع إيران، فإن العرقلة استمرت خلال حقبة رئاسته، قبل أن يأتي الرئيس دونالد ترامب مجددا مستخدما لغته التي لا تخلو من تهديد وتلويح بضربة أمريكية.

العقدة الإيرانية بدت أكبر مع بداية العام الجديد، ما جعل من الصعب توقع ما سوف تسفر عنه الأيام القادمة. النظام الإيراني، الذي خاض حربا قصيرة لكن موجعة مع الإسرائيليين، محشور في الزاوية، ما بين تظاهرات وغضب شعبي داخلي وضغوط خارجية تربط التفاهم حول المشروع النووي، ومستويات التخصيب بقص الأظافر المتمثل في تحجيم الصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية.

هذا الوضع، الذي يطلق عليه "الدفع إلى حافة الهاوية" خطير، لأنه يشبه أن تتواجه مع شخص ليس لديه ما يخسره. يعلم متخذ القرار في طهران أنه إذا استسلم للإذعان والقبول بشروط التفاوض على الطريقة الأمريكية، فإن هذا يعني أن تفقد بلاده عوامل قوتها، وأن يفقد النظام سطوته، ما يهدد بإضعافه وإسقاطه. أما إذا مضى أكثر في طريق التحدي، فإن هذا قد يقود لمزيد من العمليات العسكرية والاستهداف، الذي سيؤدي في النهاية إلى النتيجة ذاتها، مضافا إليها ردود الأفعال الداخلية، التي قد تقود في المحصلة لتقويض النظام. في المقابل فإن ترامب، على الرغم مما يقوم به من تحشيد عسكري غير مسبوق في الخليج، يعلم أن المواجهة المفتوحة مع إيران لن تكون سهلة ولا مأمونة العواقب، وأن عمليات يتم التلويح بها مثل اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، قد يكون لها أثر معاكس، فما تم بسلاسة في كاراكاس يصعب أن يتم تكراره بطريقة مماثلة في طهران.

من اللافت في هذه المقاربة التغيير في موقف الدول العربية، التي كانت معترضة قبل حوالي عقد من الزمان على ما كان يعرف بالتقارب الإيراني الأمريكي. كان كثيرون يعتبرون أن هذا التقارب، الذي أنتجه الاتفاق، لن يكون في صالح المنطقة، خاصة بالنسبة للدول، التي هي في مرمى تهديد إيران. اليوم تنظر أغلب الدول العربية للأمر بعين مختلفة، فعلى الرغم من أن الخلافات لم تحسم بشكل كامل بين طهران وكثير من العواصم العربية، إلا أن هناك ما يشبه الاتفاق على أن انزلاق الأمور إلى الحرب والفوضى لن يكون في مصلحة أحد.

هذا يفسر قول ترامب أن الحلفاء في المنطقة هم من أقنعوه بالعدول عن فكرة توجيه ضربة عسكرية لإيران. خلال السنوات الست الماضية منذ مفاوضات فيينا سارت مياه كثيرة تحت الجسر، وبدأت مساحات المناورة تضيق أكثر بالنسبة لإيران، التي يزداد الخناق الاقتصادي عليها، ولكن أيضا بالنسبة للرئيس ترامب المشغول بتحقيق أي اختراق، والذي لا يكف صديقه بنيامين نتنياهو عن الضغط عليه من أجل دفعه للمواجهة المباشرة من أجل إنهاء ما يعتبره خطرا إيرانيا يهدد كيانه، فيما يستبعد البعض حصول حرب لما سيكون لذلك من تداعيات، ترى وجهات نظر أخرى أن المواجهة قادمة، خاصة وأن الطرفين لا يريدان أن يظهرا أمام مؤيديهما بمظهر المتنازل الذي يخشى التصعيد.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن