صحافة

عض الأصابع بين إيران وأميركا.. من يتألم أولاً؟

فراس علاوي

المشاركة
عض الأصابع بين إيران وأميركا.. من يتألم أولاً؟

في الشرق الأوسط، حيث التوتر يبلغ مستويات قياسية، تتقاطع المصالح الكبرى والمخاوف الإقليمية، تسود حالة من عض الأصابع السياسي المعقد. بين التمهل الأميركي الاستراتيجي، والضغط الإسرائيلي المستمر، والتخوف الخليجي من تداعيات التصعيد، يترقب الجميع مسار الأحداث.

هذه الديناميكية الجديدة، التي تتجاوز الخطابات الاستعراضية، تحول المنطقة إلى صفيح ساخن، أو بركان قابل للانفجار في أي لحظة. إذ يكون الخاسر هو من يصرخ أولاً، ويشعر بالألم والخطر أكثر. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتقلبة والمتناقضة أحياناً، تضع الوضع في حالة مراوحة غامضة. من جهة، يشير إلى إمكانية الوصول إلى اتفاق نووي جديد من خلال المفاوضات الجارية في مسقط، والتي تعيد إحياء مساراً توقف منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018. هذه المفاوضات، التي تضم وفوداً إيرانية وأميركية غير مباشرة، تهدف إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.

ومع ذلك، يرتبط الخيار الآخر بالتصعيد العسكري، حيث وصلت بوارج أميركية وحاملات طائرات إلى الخليج، في خطوة تذكر بتوترات 2019-2020 عندما أسقطت إيران طائرة بدون طيار أميركية. هذا التمهل الأميركي ليس عفوياً؛ إنه جزء من استراتيجية الضغط الأقصى التي أثبتت فعاليتها جزئياً في إجبار طهران على طاولة المفاوضات، لكنه يثير تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن لضربة عسكرية حقيقية، خاصة أن الانتخابات النصفية الأميركية على الأبواب.

بالمقابل، يتصاعد الخطاب الإعلامي الإيراني، الذي يتخذ صبغة دفاعية ليست اعتيادية، بعيداً عن النبرة التهديدية المعتادة في الخطاب السياسي والإعلامي التابع للحرس الثوري أو قادة النظام. هذا التصعيد يتزامن مع مناورات بحرية ضخمة أجراها الحرس الثوري في الخليج العربي، حيث نُشرت صواريخ باليستية وغواصات مصغرة، في رسالة واضحة للردع.

تاريخياً، نجحت إيران في مثل هذه المناورات في إحراج الخصوم؛ ففي 2002، أجرت طهران تمرينات مشابهة أدت إلى إعادة تقييم أميركي للتهديدات. اليوم، يأتي هذا التصعيد كرد فعل على الضغوط، لكنه يعكس أيضاً ضعفاً داخلياً: الاقتصاد الإيراني يعاني من تضخم يفوق 40%، وانخفاض قيمة الريال الإيراني بنسبة 70% منذ 2018، مما يجعل الحرب خياراً مكلفاً لطهران أكثر من غيرها. الضغط الإسرائيلي يظل العنصر الأكثر إلحاحاً. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يدفع بقوة نحو ضربة استباقية لإيران وأذرعها، مثل ما تبقى من قوة حزب الله في لبنان وحركة الحوثيين في اليمن. حتى اللحظة، لم يفلح هذا الضغط في تعجيل الضربة الأميركية.

تل أبيب ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً، خاصة مع تقارير سابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى أن طهران تراكم 4,000 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، قريبة من مستوى الصناعة الحربية. لكن واشنطن -مدركة لتكلفة الحرب التي قدرتها دراسات الكونغرس بمليارات الدولارات وآلاف الضحايا- تفضل الدبلوماسية، مما يثير غضباً إسرائيلياً يرى فيه تراخياً. فيما يبدو الدور الأوروبي، متمهلاً ومخالفاً لترامب بشكل واضح. فالاتحاد الأوروبي، ممثلاً في فرنسا وألمانيا، بجانب بريطانيا، يدعم العودة إلى اتفاق نووي معدل، مستنداً إلى آلية “سناب باك” لإعادة العقوبات إذا فشلت المفاوضات. هذا الموقف يتوافق تماماً مع الرغبة الخليجية في تجنب التصعيد.

دول الخليج، بقيادة السعودية والإمارات وقطر، تخشى توسع دائرة الاستهداف، فإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم، سيؤدي إلى تعطيل الملاحة البحرية، واستهداف مصالحها الاقتصادية، وانقطاع سلاسل التوريد العالمية. في 2019، أدى هجوم الحوثيين على منشآت أرامكو إلى خسارة سعودية بـ100 مليار دولار، مما يجعل الرياض حذرة اليوم أكثر، خاصة مع اتفاقها مع إيران في 2023 برعاية صينية.

تضيف الصين وروسيا حالة دعم غير مباشر لإيران، مما يعزز من صمود طهران. بكين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني (حوالي 1.5 مليون برميل يومياً)، توفر دعماً اقتصادياً عبر صفقات تجارية تجاوزت 30 مليار دولار العام الماضي. موسكو، بدورها، تزود إيران بتكنولوجيا عسكرية متقدمة، مثل أنظمة الدفاع الجوي S-400، مقابل دعم إيراني لروسيا في أوكرانيا.

هذا التحالف بين المحور الشرقي ، يجعل الحرب على إيران مغامرة عالمية، تهدد الاقتصاد العالمي بارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، كما حذرت منظمة أوبك. في هذه السياسة الدقيقة من عض الأصابع، يخسر من يصرخ أولاً. إيران، التي تشعر بالألم الاقتصادي الأكبر، قد تكون الأضعف، لكن صبرها يمنحها ميزة. أميركا وإسرائيل تمتلكان القوة العسكرية، لكنهما تخشيان التكاليف السياسية. الخليج يريد الاستقرار للمحافظة على التنويع الاقتصادي، بينما أوروبا والشرق الكبير يدعمان التوازن.

هذه المواقف والتطورات تضع المنطقة على حافة بركان، حيث يمكن لأي خطأ سواء إغلاق مضيق أو غارة خاطئة أن تشعل حرباً إقليمية شاملة، تهدد السلام العالمي. مما يحيل على السؤال المعلق: من يصرخ أولاً؟ الشرق الأوسط ينتظر الإجابة، على صفيح ساخن.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن