ما أسوأ سيناريو لإيران في الأيام المقبلة؟ في ظني هو إما أن تعلن إيران موافقتها الكاملة على المطالب الأمريكية التعجيزية والتي تشبه الاستسلام الكامل، أو تتعرض لضربة عسكرية أمريكية عسكرية كبرى تتحول إلى حرب شاملة تنتهي بهزيمة ساحقة تسقط النظام وتأتي بنظام جديد موالٍ للغرب ويقيم علاقات مع إسرائيل. من الكاسب ومن الخاسر إذا حدث هذا السيناريو؟! الخاسر الأكبر سيكون النظام الإيراني الحالي لأنه سيعني نهايته الكاملة بعد أن ظل صامدا في وجه كل العواصف العاتية في المنطقة منذ نجاحه في الإطاحة بنظام الشاه في ثورة فبراير عام 1979.
والخاسر الثاني هو كل الدول أو القوى السياسية المتحالفة مع إيران، أو التي سوف تتأثر بضرب إيران. وفي مقدمة هؤلاء سيكون الحوثيون في اليمن والحشد الشعبي في العراق وبقايا نظام الأسد في سوريا وقوى المقاومة في فلسطين وحزب الله في لبنان. إضافة إلى روسيا والصين اللتين ترتبطان بعلاقات متنوعة مع طهران.
والخاسر الثالث والمهم هو كل الدول والقوى التي سوف تتأثر سياسيا واستراتيجيا بهزيمة إيران، خصوصا التي تخشى أن تمثل هذه الهزيمة إطلاق يد إسرائيل للعربدة في المنطقة. الكاسب الأكبر من هزيمة إيران إذا حدثت سيكون إسرائيل أولا وثانيا وثالثا، لأن أحد أهم التهديدات التي تواجهها سوف تنتهي، وستضمن إسرائيل بداية السيطرة الفعلية على المنطقة، وسيحق لها أن تتحدث فعلا عن بداية رسم خريطة المنطقة من جديد، كما تبجح بذلك رئيس وزارتها بنيامين نتنياهو قبل شهور، بل وزاد على ذلك الحديث عن خريطة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات.
إذا قبلت إيران الشروط الأمريكية أو انهزمت عسكريا فلن يكون لديها الصواريخ بعيدة المدى القادرة على الوصول لإسرائيل، وبالتالي سوف تضمن تل أبيب أن أكبر قوة مناوئة لها علنا قد اختفت أو تبخرت أو كسرت. الكاسب الأكبر الثانى هو الإدارة الأمريكية التي شاركت في ضرب إيران مع إسرائيل في يونيو الماضي، ثم بدأت عملية الحشد العسكري وصارت تحيط بإيران من كل الجوانب. وإذا نجحت في مسعاها في ضرب وإسقاط النظام الإيراني، فسوف تكون لها الكلمة العليا الفاصلة في كل شؤون المنطقة وستضمن تقليص النفوذ الروسي والصيني في المنطقة في إطار الصراع العالمي على قيادة النظام العالمي الجديد.
الكاسب الثالث هو القوى السياسية الإيرانية المعارضة للنظام الإيراني في الداخل والخارج. وأحد الرابحين المحتملين أيضا من سقوط النظام الإيراني الأنظمة التي كانت تتعرض لتهديدات من هذا النظام في السنوات الماضية لكن ذلك سيكون على المدى القصير.في تقديرى أن النظام الإيراني ارتكب أخطاء جوهرية في السنوات الماضية، حينما هدد العديد من الدول العربية، وتدخل فى شؤونها بذرائع مختلفة، بل تباهى أكثر من مرة بأنه يسيطر على مفاصل القرار في العديد من العواصم العربية، خصوصا بغداد وصنعاء وبيروت ودمشق قبل سقوط نظام الأسد.
لكن من المهم أيضا أن يفرق كل العرب الغاضبين من النظام الإيراني أو المتضررين منه، بين معارضتهم لهذا النظام وبين المخاطر الكبرى التي سيتعرضون لها في حالة وصول نظام موالٍ لأمريكا وإسرائيل. مرة أخرى إيران تصرفت بصورة سلبية في السنوات الماضية وحاولت الهيمنة على المنطقة، لكن ما لا يدركه البعض أن انتصار إسرائيل وأمريكا سيعني أنهما سوف يمارسان البلطجة العلنية والسافرة ضد كل دول المنطقة، حتى تلك التي تقيم علاقات دافئة مع إسرائيل.
أخطأت إيران وأخطأ بعض العرب طوال السنوات الماضية حينما فشلوا تماما في إقامة علاقات سليمة قائمة على حسن الجوار والمصالح المشتركة وأخطأت إيران أكثر حينما هيمنت على العراق. وعلى الجميع تذكر رهان بعض العرب على سقوط نظام صدام حسين الذي كان يهدد العديد من دول المنطقة بل وغزا الكويت عام 1990، لكن كلنا صار يعلم ما الذي حدث للعراق، بعد سقوطه حيث صار فريسة للهيمنة الأمريكية أو الإيرانية.
لا يعني كلامي إطلاقا الترحم على أيام صدام، أو حتى الحزن على سقوط النظام الإيراني. بل العبرة الأساسية ألا نراهن إطلاقا على أمريكا وإسرائيل، فالطرفان وهما طرف واحد عمليا ورسميا يحتقران العرب، ويعلنان كل يوم أنهما يريدان كل ثروات المنطقة وتحويل أهلها إلى عبيد لهما.
(الشروق المصرية)

