مستقبل الحكم في إيران

إن التفكير في مستقبل الحكم في إيران بعد مقتل المرشد علي خامنئي لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة النظام السياسي الذي تأسس منذ 1979، ولا عن توازنات القوة المركبة التي تحكمه، ولا عن البيئة الإقليمية والدولية الضاغطة التي يتفاعل معها. فـعلي خامنئي لم يكن مجرد رأس للدولة أو مرجعية دينية عليا، بل كان نقطة ارتكاز لبنية مؤسسية معقدة يتداخل فيها الديني بالأمني بالعسكري بالاقتصادي، ويتشابك فيها مفهوم الشرعية الثورية مع حسابات البقاء والاستمرارية. ومن ثم فإن غيابه، سواء أكان مفاجئا أم في سياق انتقال منظم، يفتح الباب على احتمالات متعددة، لكن من الخطأ افتراض أن أحد هذه الاحتمالات سيكون بسهولة صعود شخصية من داخل النظام تقبل “الاستسلام” لشروط خارجية قاسية، أيا كان مصدرها.

النظام الإيراني ليس نظاما رئاسيا تقليديا يمكن أن يغير اتجاهه الاستراتيجي بتغيير الرئيس، ولا هو نظام عسكري صرف يمكن أن ينقلب على ذاته بقرار من مجلس ضباط. إنه نظام هجين، يتصدره موقع الولي الفقيه الذي يمنحه الدستور صلاحيات واسعة في توجيه السياسات العامة، والإشراف على القوات المسلحة، وتعيين قيادات مفصلية في القضاء والإعلام ومؤسسات الرقابة. هذه الصلاحيات جعلت من المرشد، منذ أيام روح الله الخميني، المرجعية النهائية في تحديد الخطوط الحمراء، خصوصا فيما يتعلق بالسيادة الوطنية والبرنامج النووي والسياسات الإقليمية. لكن هذه الصلاحيات لا تمارس في فراغ؛ فهي محاطة بشبكة من المؤسسات، في مقدمتها مجلس خبراء القيادة، ومجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري، ولكل منها مصالحه وأدوات تأثيره.

عند غياب خامنئي، سيكون مجلس خبراء القيادة معنيا دستوريا باختيار خلف له. غير أن عملية الاختيار لن تكون محكومة فقط بالاعتبارات الفقهية أو الدينية، بل ستخضع لتوازنات القوة داخل النخبة الحاكمة. وهنا يبرز الدور المحوري للحرس الثوري، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كفاعل اقتصادي ضخم، وكحامل لمشروع أيديولوجي يرى في "الصمود" أمام الضغوط الخارجية ركنا من أركان شرعية النظام. هذا الحرس، الذي تعزز نفوذه خلال العقود الماضية، خصوصا في ظل العقوبات والضغوط الغربية، لا يملك مصلحة في صعود قيادة تعتبر أن الخروج من الأزمات يمر عبر تنازلات استراتيجية كبرى تمس جوهر المشروع الثوري.

إن الفرضية القائلة بإمكانية أن يفرز النظام شخصية “براغماتية” تقبل بالشروط الأمريكية أو الغربية، بما قد يصل إلى تفكيك البرنامج النووي أو تقليص الدور الإقليمي جذريا، تتجاهل حقيقة أن هذه الملفات ليست مجرد سياسات قابلة للتفاوض التقني، بل هي جزء من هوية النظام وروايته عن نفسه. منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، تعمق داخل طهران الاعتقاد بأن تقديم تنازلات لا يضمن بالضرورة رفع الضغوط أو تطبيع العلاقات، وأن الرهان على تغير الإدارات في واشنطن ليس استراتيجية مستدامة. هذا الإدراك عزز من موقع التيار الذي يرى في تعزيز القدرات الدفاعية والنووية، وفي توسيع هامش الردع الإقليمي، ضمانة أساسية لبقاء النظام.

لا يعني ذلك أن الساحة الإيرانية تخلو من تيارات إصلاحية أو براغماتية. تجربة رؤساء مثل محمد خاتمي أو حسن روحاني أظهرت وجود توجهات داخل النخبة تدفع نحو الانفتاح النسبي والتفاوض. غير أن هذه التجارب كشفت أيضا حدود الحركة المتاحة للرئاسة في ظل بنية دستورية ومؤسسية تمنح الكلمة الفصل للمرشد وللمؤسسات المرتبطة به. والأهم أن إخفاق الرهان على الاتفاق النووي في تحقيق اختراق اقتصادي مستدام أضعف حجج التيار الذي دعا إلى تقديم تنازلات مقابل اندماج أوسع في الاقتصاد العالمي. من هنا، فإن أي خلف لخامنئي، حتى لو جاء بملامح أقل صدامية أو بخطاب أكثر مرونة، سيجد نفسه مقيدا بشبكة مصالح ومخاوف تدفعه إلى الحذر الشديد من تقديم ما قد يُفهم داخليا كاستسلام. فالقبول بشروط خارجية قاسية لا يمس فقط السياسات، بل يهدد تماسك النخبة الحاكمة نفسها. في أنظمة ذات طابع أيديولوجي، يشكل التراجع الحاد عن المبادئ المؤسسة خطرا على الشرعية، وقد يفتح الباب أمام انقسامات داخلية أعمق من الضغوط الخارجية ذاتها.يضاف إلى ذلك البعد المجتمعي.

المجتمع الإيراني، الذي شهد موجات احتجاج متكررة خلال السنوات الماضية، يعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية حادة. قد يعتقد البعض أن هذه الضغوط ستدفع قطاعات واسعة إلى تأييد أي تسوية خارجية تخفف العقوبات. غير أن المزاج العام أكثر تعقيدا؛ فثمة حساسية عالية تجاه السيادة الوطنية، وتاريخ طويل من الشكوك في نيات القوى الكبرى. إن تصوير أي تسوية على أنها خضوع لإملاءات خارجية قد يمنح التيار المتشدد فرصة لحشد الدعم ضدها، بدعوى الدفاع عن الكرامة الوطنية.السيناريو الأكثر ترجيحا، بعد غياب خامنئي، هو سعي النخبة الحاكمة إلى إدارة انتقال مضبوط يضمن الاستمرارية أكثر مما يفتح الباب لتحولات جذرية. قد يُطرح اسم فقيه يتمتع بقبول نسبي داخل المؤسسة الدينية، لكن بدعم واضح من الحرس الثوري ومراكز القوة الأمنية.

وقد يُعاد توزيع بعض الصلاحيات أو تُفعّل آليات جماعية في اتخاذ القرار، لكن من دون المساس بجوهر التوجهات الاستراتيجية. في هذا السياق، سيكون الهدف الأساسي هو منع حدوث فراغ أو صراع علني على السلطة يمكن أن تستغله قوى خارجية أو معارضة داخلية.أما الرهان الخارجي على أن يؤدي رحيل خامنئي إلى لحظة ضعف تفضي إلى استسلام للشروط، فيغفل طبيعة الأنظمة التي تتعرض لضغوط ممتدة. فهذه الأنظمة غالبا ما تطور آليات تكيف، وتعيد إنتاج نخبها على نحو يحافظ على الخطوط الأساسية. صحيح أن التحولات الكبرى ممكنة في السياسة، لكن التجارب التاريخية تشير إلى أنها تنبع عادة من تغيرات داخلية عميقة في توازنات القوة أو في المزاج المجتمعي، لا من مجرد غياب شخصية بعينها، مهما كان وزنها.

يبقى احتمال آخر، وإن كان أقل ترجيحا، يتمثل في أن يفضي غياب خامنئي إلى صراع داخلي بين أجنحة مختلفة، قد يضعف مركزية القرار ويخلق مساحات لمقاربات أكثر مرونة. غير أن حتى هذا السيناريو لا يعني بالضرورة القبول باستسلام كامل؛ بل قد يقود إلى مزيج من التشدد في بعض الملفات والتفاوض في أخرى، في إطار محاولة شراء الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.

في التحليل الأخير، مستقبل الحكم في إيران بعد خامنئي لن يُختزل في سؤال من يخلفه، بل في كيفية تفاعل بنية مؤسسية وأيديولوجية وأمنية مع ضغوط داخلية وخارجية متشابكة. وصعوبة أن يخرج من رحم النظام من يقبل الاستسلام للشروط لا تعود فقط إلى طبيعة الأفراد المحتملين، بل إلى منطق النظام ذاته، الذي يرى في الصمود جزءا من تعريفه لنفسه. قد تتغير الأساليب، وقد يتبدل الخطاب، لكن من غير المرجح أن نشهد قطيعة جذرية مع الثوابت التي تشكلت على مدى أكثر من أربعة عقود، إلا إذا طرأت تحولات أعمق بكثير من مجرد غياب المرشد.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن