لم تفاجئ إيران دول الخليج العربي باستهدافها بالصواريخ والمسيّرات في سياق مواجهتها مع أميركا وإسرائيل. هي حرب مؤجلة منذ أكثر من أربعين عاماً بانتظار هذه اللحظة. لم ينس الإيرانيون حربهم مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي التي وقف الخليجيون فيها مع العراق للتصدي للاندفاعة الإيرانية إلى داخل نسيج الدول الخليجية خصوصاً، والعربية عموماً، تحت عنوان تصدير الثورة. وتصدير الثورة الذي استعجل قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني العزم على تنفيذه ليس مجرد شعار يهدف إلى إحداث تغيير في الحكم أو الإدارة، بل يخفي رغبة دفينة محمّلة بتاريخ طويل من الأيديولوجيا والصراع الذي طبع تاريخ علاقات الأقلية الشيعية مع السلطة في الدولة الإسلامية السنية.
بين إيران ودول الخليج تاريخ من العلاقات المتقلبة بين التوتر والمهادنة. وهي علاقات كانت على الدوام محكومة بإرث تاريخي قائم على صراع عربي/ فارسي، حتى لو كان مكتوماً في ظل الدولة الإسلامية الشاملة العرب والفرس قبل أن يضاف إليه بعدٌ ثانٍ بعد تشيّع إيران على أيدي الصفويين في القرن السادس عشر وتحولها إلى دولة عقائدية تبحث عن نفوذ وسيطرة وتحاول مقارعة الخلافة الإسلامية (السلطنة العثمانية السنية) التي كانت تحكم معظم المشرق.
ما كان الوضع مختلفاً كثيراً قبل تسلم رجال الدين المتشددين الحكم في إيران عام 1979 بعد ثورة على حكم الشاه محمد رضا بهلوي وتحوّل الحكم من دكتاتورية علمانية إلى نظام "إلهي" يتدثر عباءة الولي الفقيه نائب الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر في العقيدة الشيعية الاثني عشرية التي أرساها الخميني. لطالما سعت إيران إلى لعب دور شرطي الخليج زمن الشاه الذي كان يعتبر البحرين محافظة إيرانية، وصولاً إلى احتلال الجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات عام 1971. كان استقلال دول الخليج وصعودها الاقتصادي والعمراني مع تدفق النفط من أراضيها عامل جذب وطمع لإيران الشاه، ليأخذ الأمر دفعة أكثر حدة مع انتصار ثورة الخميني وإنشائها نظاماً مذهبياً متشدداً لم يتأخر في إعلان نظرية تصدير الثورة، والهدف لا يحتاج إلى كبير جهد لمعرفته: دول الخليج ذات الغالبية السنية والأقلية الشيعية، وكذلك العراق ولبنان. دائماً ما اعتبرت إيران نفسها دولة كبرى ولها الحق في النفوذ في الإقليم، وربما إدارته.
لم تمنع فترات الانفراج في العلاقات الخليجية /الايرانية في عهدي الرئيسين الإصلاحيين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي التوتر نهائياً، الذي عاد بقوة مع المحافظ محمود أحمدي نجاد وإحكام قبضة المرشد علي خامنئي والحرس الثوري على كل مفاصل البلاد في العسكر والأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية، وهو ما سيظهر بوضوح بعد الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003 الذي شكل جسراً مفتوحاً لإيران لفرض هيمنة شبه تامة على البلد العربي الكبير سياسياً وعسكرياً وعقائدياً، ما زالت قائمة بشكل أو بآخر حتى الآن. ليتصاعد النفوذ الايراني حول دول الخليج بشكل دراماتيكي بعد الإمساك بالورقة اللبنانية عبر "حزب الله"، وبالورقة السورية عبر دعم الرئيس السوري بشار الأسد في حرب مذهبية دمّرت سوريا وبمحاولة الإمساك بالورقة اليمنية بعد تسليح ميليشيا الحوثي التي كادت تسيطر على كامل اليمن لولا تشكيل تحالف عربي فرمل المشروع الحوثي/الايراني بالتزامن مع إفشال السيطرة على البحرين بتدخل خليجي سريع.
هذه كلها وقائع، وأتى تباهي مسؤولين إيرانيين كبار في أكثر من مناسبة بالسيطرة على أربع عواصم عربية (بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء) ليفاقم من المخاوف الخليجية من سياسات إيران لا سيما اتجاهها إلى التسلح الثقيل بالصواريخ وصولاً إلى السعي لامتلاك السلاح النووي ما أطلق سباق تسلح كلّف دول الخليج تريليونات الدولارات. رفعت إيران شعاراً ذا استمالة عاطفية لدى العرب والمسلمين عموماً هو تحرير المسجد الأقصى في القدس، وللمفارقة هو مسجد أموي، وقد نجحت في مراحل عديدة في استمالة شرائح عربية مهمة وهو ما أجهضته لاحقاً تدخلاتها المعروفة.
تقطع إيران كل الجسور مع دول الخليج، حتى مع قطر وعمان، رغم محاولات وزير خارجيتها عباس عراقجي ترميم ما انقطع في اتصالات تبريرية لم تقنع أحداً في هذه الدول. وللأمر سوابق قام بها الحوثيون عندما هاجموا منشآت سعودية وإماراتية وتهديدات علنية أبرزها من الأمين العامِّ للمجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني بضرب المنشآت النفطية في دول الخليج اذا هاجمت الولايات المتحدة إيران.
تعتقد إيران أنها بقصفها دول الخليج النفطية تضغط على الاقتصاد العالمي وعلى الدول الكبرى لوقف الحرب عليها، لكن ذلك لا يحجب رغبة دفينة في معاقبة دول الخليج على وقوفها مع العراق وتصدّيها للسياسات الايرانية في المنطقة. لن تعود العلاقات الخليجية/الإيرانية إلى ما كانت عليه، رغم أنها لم تكن على أفضل ما يرام، لا ثقة بعد اليوم، لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الشعبي. في عز الصراع السياسي كانت دول الخليج، ولا سيما عمان وقطر، وحتى الإمارات، تشكل متنفساً تجارياً لإيران المحاصرة، وعندما تنتهي هذه الحرب ستكون هناك دول خليج مختلفة.
(النهار اللبنانية)

