صحافة

الإخوان السودانيون.. في قائمة الإرهاب رسمياً

عبدالمنعم سليمان

المشاركة
الإخوان السودانيون.. في قائمة الإرهاب رسمياً

لم يكن القرار الأميركي الأخير بتصنيف جماعة "الإخوان المسلمين" السودانية (الحركة الإسلامية) وأذرعها العسكرية "منظمة إرهابية"، مجرد تصنيف إداري طبيعي في أروقة واشنطن، بل كان "شهادة وفاة سياسية" لمشروعٍ ظل يتغذى على دماء السودانيين لثلاثة عقود. يمثل هذا التصنيف - وإن جاء متأخراً في توقيته - اعترافاً دولياً بحقيقةٍ ظلّت شاخصة في المشهد السوداني: وهي أن "الدولة" في عرف هؤلاء لم تكن إلا "رهينة"، وأن "الدين" لم يكن إلا "غطاءً" لمليشيا عقائدية عابرة للحدود.

عاش السودان منذ انقلاب 1989 تحت وطأة نظامٍ أعاد تعريف الدولة وفق هندسة "التمكين" الإقصائية، حيث جرى تفكيك مؤسسات الخدمة المدنية، وتدجين الجيش، وإحلال الولاء التنظيمي محل الكفاءة الوطنية. واليوم، حين يرتدُّ السهم إلى نحر صاحبه، ندرك أن تلك الحقبة لم تكن حكماً سياسياً بقدر ما كانت "احتلالاً داخلياً"؛ فتحت فيه الخرطوم أبوابها لرموز التطرف العالمي من "ابن لادن" إلى "كارلوس"، وحولت بلاد النيلين إلى منصة انطلاق لمشاريع الفوضى الإقليمية.

إن ما نراه اليوم من بروز تشكيلات مسلحة مثل "لواء البراء بن مالك"، ليس سوى النسخة "الأكثر عراة" من ذلك المشروع القديم. فبعد سقوط النظام في 2019، لم تذهب الحركة الإسلامية إلى مزبلة التاريخ بسلام، بل أعادت إنتاج نفسها في صورة مليشيات تقاتل لاستعادة نفوذها المفقود فوق أنقاض الوطن. وما التحالفات المريبة التي تلوح في الأفق مع محاور إقليمية، وتحديداً الحرس الثوري الإيراني، إلا برهانٌ ساطع على أن هذه الجماعة لا تملك "بوصلة وطنية"، بل تتحرك وفق رادار المصالح الأيديولوجية التي لا تعترف بحدود الدولة ولا بسيادتها.

إن مكمن الأهمية في هذا القرار يكمن في قدرته على "تجفيف المنابع"؛ فالحركة التي ظلّت تتحرك في المناطق الرمادية بين "الحزب" و"المليشيا"، وجدت نفسها اليوم محاصرة بأسلاكٍ شائكة من العقوبات والملاحقات الدولية. إنه "تسونامي" سياسي سيقطع شريان التمويل الذي استنزف مقدرات الشعب السوداني لسنوات، ويضع حداً لأسطورة "طائرات أبابيل" والمسيرات المستوردة التي ظنّوا أنها ستحميهم من غضبة الشعب وحتمية الحساب.

ليس من قبيل المبالغة القول إن هذا التصنيف هو انتصارٌ لمنطق الدولة على منطق "العصابة". فالنهاية التي آل إليها مشروع الإخوان في السودان تثبت أن توظيف المقدّس في خدمة المطامع السلطوية المسلحة لا ينتهي إلا إلى الخراب. لقد قُضي الأمر، وأنزاح غبار التضليل عن وجوهٍ لم تعد تستطيع الاختباء خلف الشعارات الدينية الزائفة. اليوم، يتنفس السودان الصعداء، ليس شماتةً في السقوط، بل احتفاءً ببداية نهاية "دولة الباطل". إن قطار المساءلة الدولية قد غادر المحطة بالفعل، ولن يتوقف حتى يدهس تلك الطموحات المريضة التي أحرقت البلاد والعباد.

لقد سقط القناع، وظهرت المليشيا على حقيقتها، وبقي السودان عصياً على التدجين، شامخاً فوق جراح التمكين.

(النهار اللبنانية)

يتم التصفح الآن