صحافة

النافخون فى نار الفتنة العربية

عماد الدين حسين

المشاركة
النافخون فى نار الفتنة العربية

إذا كانت العلاقات المصرية الخليجية الرسمية جيدة، وإذا كان الرئيس عبدالفتاح السيسي يتواصل بصفة دورية مع قادة دول مجلس التعاون، وإذا كان وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي زار هذه الدول قبل أيام، وإذا كانت البيانات والتصريحات الرسمية المصرية تؤكد التضامن الكامل مع دول الخليج، وتدين بصورة لا لبس فيها الاعتداءات الإيرانية عليها، فأين هي المشكلة، ومن الذي يحاول إشعال فتنة بين الجانبين بشتى الطرق؟!

المطالع للبيانات الرسمية من الجانبين سيدرك أن العلاقات المصرية الخليجية جيدة جدًا، ومن يطالع بعض الحسابات على السوشيل ميديا قد يتصور أن هناك حربًا بين الطرفين.. فأين الحقيقة؟! من اليوم الأول للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ثم العدوان الإيراني على دول الخليج، أكدت مصر بصورة لا لبس فيها إدانتها الكاملة للعدوان الإيراني، وفى نفس الوقت، دعت إلى وقف الحرب والتصعيد والاحتكام إلى المفاوضات، وحتى قبل بدء الحرب فإن مصر بذلت كل الجهود الممكنة مع دول أخرى حتى لا تصل إلى الحرب.

نجحت في إبرام اتفاق بين إيران ووكالة الطاقة الذرية، بشأن كيفية التعامل مع البرنامج النووي الإيراني. لكن تمكنت إسرائيل من إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن الحرب. موقف دول الخليج المعلن والرسمي لم يختلف إطلاقًا مع الموقف المصري فقد دعوا جميعًا إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية، وجميعهم أعلنوا أنه إذا اندلعت الحرب فلن يسمحوا أن تكون بلادهم منطلقًا للهجوم على إيران. مرة أخرى إذا كان الأمر كذلك، فمن الذي يحاول دق الأسافين في العلاقات المصرية الخليجية؟

كتبت يوم الأحد الماضي فى هذا المكان تحت عنوان "الأشقاء في الخليج: انتبهوا للمخطط الإسرائيلي"، ومضمونه أن إسرائيل هي المستفيد الرئيسى من أي توتر بين الجانبين، ومن مصلحتها أن يتصارع ويتصادم ويتحارب الجميع حتى تصبح هي القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة. هناك قوى أخرى تتلاقى مصالحها مع المصلحة الإسرائيلية مثل إثيوبيا مثلًا. لكن وللموضوعية، فلا يمكن أن يقتصر السبب على العامل الإسرائيلي رغم خطورته، فهناك بعض الأطراف والقوى العربية تمثل بحسن أو سوء نية حصان طروادة للأهداف الإسرائيلية.

هذه الحسابات العربية غير بريئة بالمرة وتتعمد الإساءة إلى مصر، وفي المقابل هناك بعض أصوات مصرية نشاز تمارس نفس الهدف. غالبية المصريين متعاطفون مع أشقائهم في الخليج لأسباب كثيرة، منها العروبة والدين والعادات والتقاليد و"العشرة". المصري الطبيعي والسوي يتعاطف مع الدول العربية ضد أي اعتداءات سواء جاءت من إسرائيل أو إيران أو تركيا أو إثيوبيا أو أي طرف، وفي نفس الوقت يُعادى إسرائيل بصورة فطرية بحكم خطرها الوجودي على المنطقة بأكملها. هذا هو جوهر الموقف المصري الرسمي والشعبي، فما تفسير كل هذا الاستهداف من طرف أصوات عربية ضد مصر، وكأنها هي التي تهاجم وتضرب دول الخليج؟!

من يطالع حسابات "السوشيل ميديا" سيكتشف بسهولة وجود أصوات تتحدث عن أن مصر تخلت عن دول الخليج، و"أنه حان الوقت لتأسيس ناتو خليجي يقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل ويتحالف مع تركيا وباكستان"، وأصوات أخرى تدعو إلى الابتعاد عن مصر، وكلام كثير سيئ لا يمكن ذكره. وفي المقابل هناك أصوات مصرية تدخل للرد على الأصوات السابقة، فيتحول الأمر إلى خناقة شوارع وشتائم أقرب لـ"الردح في الحواري". هذه الأصوات النشاز هنا وهناك لا تدرك أن العلاقات الفعلية بين الطرفين طيبة بل طيبة جدًا، وأن التعاون الآن كبير وفي كل المجالات. والعبارة الأخيرة واضحة ولا تحتاج إلى تفصيل، مصر لم تتخل ولن تتخلى عن أشقائها في الخليج، ليس منًا أو تكبرًا، لكن لأن ذلك من صميم أمنها القومي.

السؤال الذى كان يشغلنى كثيرًا وأنا أتابع هذه المعارك الوهمية الدون كيشوتية هو: إذا كانت العلاقات الرسمية جيدة، فلمصلحة من يعمل أولئك الذين ينفخون في نيران الفتنة بين الجانبين؟! أخشى أن يكون "النافخون فى النار" يحققون هدف إيران وأمريكا وإسرائيل وهم لا يشعرون. علينا في هذه اللحظات العصيبة أن نتوقف جميعًا عن هذه اللعبة الشيطانية.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن