يُعَدُّ هَذا التَّقْريرُ مِنْ أَهَمِّ الدِّراساتِ الدَّوْلِيَّةِ في مَجالِ رِيادَةِ الأَعْمال، إِذْ يَعْتَمِدُ على بَياناتٍ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسينَ اقْتِصادًا حَوْلَ العالَم، وَيُقَدِّمُ صورَةً مُرَكَّبَةً عَنْ واقِعِ الشَّرِكاتِ النّاشِئَةِ في الِاقْتِصادِ العالَمِيّ. وَتَكْشِفُ نَتائِجُهُ مُفارَقَةً لافِتَة: عَدَدُ الأَفْرادِ الذين يُطْلِقونَ مَشاريعَ جَديدَةً في ازْدِيادٍ في الكَثيرِ مِنَ الدُّوَل، غَيْرَ أَنَّ قُدْرَةَ هَذِهِ المَشاريعِ على الِاسْتِمْرارِ والنُّمُوِّ لا تَزالُ مَحْدودَةً في عَديدٍ مِنَ الِاقْتِصادات. بِمَعْنى آخَر، يَشْهَدُ العالَمُ ارْتِفاعًا في عَدَدِ الشَّرِكاتِ النّاشِئَة، لَكِنَّهُ لا يَشْهَدُ بِالضَّرورَةِ ارْتِفاعًا مُماثِلًا في عَدَدِ الشَّرِكاتِ التي تَنْجَحُ في التَّحَوُّلِ إلى مُؤَسَّساتٍ اقْتِصادِيَّةٍ مُسْتَقِرَّة.
العالم العربي يشهد تفاوتًا في طبيعة البيئة المؤسّسية الداعمة للمبادرة الاقتصادية
ضِمْنَ هَذا السِّياق، تَكْشِفُ نَتائِجُ التَّقْريرِ عَنْ تَحَوُّلاتٍ مُهِمَّةٍ في خَريطَةِ رِيادَةِ الأَعْمالِ في العالَمِ العَرَبِيّ. فَقَدْ شَمَلَتِ الدِّراسَةُ تِسْعَ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ هِيَ الجَزائِرُ والمَغْرِبُ وَمِصْرُ والأُرْدُنُ وَعُمانُ والبَحْرَيْنُ وَقَطَرُ والسُّعودِيَّةُ والإِمارات. غَيْرَ أَنَّ قِراءَةَ النَّتائِجِ تُظْهِرُ بِوُضوحٍ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ لَيْسَ فَضاءً اقْتِصادِيًّا مُتَجانِسًا، بَل يَشْهَدُ تَفاوُتًا واضِحًا في طَبيعَةِ البيئَةِ المُؤَسَّسِيَّةِ الدّاعِمَةِ لِلمُبادَرَةِ الِاقْتِصادِيَّة.
فَفي الِاقْتِصادَاتِ العَرَبِيَّةِ مُتَوَسِّطَةِ الدَّخْلِ مِثْلَ الجَزائِرِ والمَغْرِبِ وَمِصْرَ والأُرْدُن، لا تَزالُ بيئَةُ رِيادَةِ الأَعْمالِ في طَوْرِ التَّشَكُّل. وَيُواجِهُ رُوّادُ الأَعْمالِ في هَذِهِ البُلْدانِ تَحَدِّياتٍ مُتَعَدِّدَة، مِنْ بَيْنِها صُعوبَةُ الوُصولِ إلى التَّمْويل، وَتَعْقيدُ الإِجْراءاتِ الإِدارِيَّة، وَضَعْفُ الرَّبْطِ بَيْنَ الجامِعاتِ والِاقْتِصاد، فَضْلًا عَنْ ثَقافَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ تَميلُ إلى تَفْضيلِ الوَظيفَةِ الحُكومِيَّةِ المُسْتَقِرَّةِ على المُخاطَرَةِ المُرْتَبِطَةِ بِالمُبادَرَةِ الفَرْدِيَّة.
في المُقابِل، تَظْهَرُ بَعْضُ اقْتِصاداتِ الخَليجِ بِوَصْفِها حالاتٍ مُخْتَلِفَةً داخِلَ العالَمِ العَرَبِيّ. فَقَدْ جاءَتِ الإِماراتُ العَرَبِيَّةُ المُتَّحِدَة، لِلعامِ الخامِسِ على التَّوالي، في صَدارَةِ الدُّوَلِ الأَكْثَرَ تَوْفيرًا لِبيئَةٍ داعِمَةٍ لِإِنْشاءِ الشَّرِكاتِ الجَديدَةِ في العالَم. كَما تَبْرُزُ السُّعودِيَّةُ ضِمْنَ الِاقْتِصاداتِ الأَكْثَرَ ديناميكِيَّةً في إِطْلاقِ المَشاريعِ النّاشِئَة، إِذْ يُشيرُ التَّقْريرُ إلى أَنَّها واحِدَةٌ مِنْ سِتِّ دُوَلٍ فَقَطْ في العالَمِ يَتَجاوَزُ فيها عَدَدُ الأَفْرادِ المُنْخَرِطينَ في تَأْسيسِ مَشاريعَ جَديدَةٍ أَوْ إِدارَةِ شَرِكاتٍ حَديثَةِ التَّأْسيسِ رُبْعَ السُّكّانِ الْبالِغين.
وَلا يَقْتَصِرُ هَذا التَّقَدُّمُ على النَّشاطِ الرِّيادِيِّ فَحَسْب، بَل يَمْتَدُّ أَيْضًا إلى جَوْدَةِ النِّظامِ البيئِيِّ الذي يَدْعَمُ هَذِهِ المُبادَرات. فَالتَّقْريرُ يَقيسُ ما يُسَمّى الشُّروطَ الإِطارِيَّةَ لِرِيادَةِ الأَعْمال، وَهِيَ ثَلاثَةَ عَشَرَ عامِلًا مُؤَسَّسِيًّا تَشْمَلُ التَّمْويلَ والسِّياساتِ الحُكومِيَّةَ والتَّعْليمَ الرِّيادِيَّ والبُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ وَنَقْلَ المَعْرِفَة. والمُثيرُ أَنَّ أَرْبَعَ دُوَلٍ فَقَطْ في العالَمِ تَمَكَّنَتْ مِنْ تَحْقيقِ مُسْتَوًى كافٍ في جَميعِ هَذِهِ الشُّروطِ مُجْتَمِعَةً، وَهِيَ الهِنْدُ وَليتْوانْيا والسُّعودِيَّةُ والإِماراتُ العَرَبيةُ المُتَّحِدَة. وَيَعْني ذَلِكَ أَنَّ دَوْلَتَيْنِ عَرَبيتَيْنِ تَمَكَّنَتا مِنْ دُخولِ هَذِهِ الدّائِرَةِ المَحْدودَةِ مِنَ الِاقْتِصاداتِ التي نَجَحَتْ في بِناءِ مَنْظوماتٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ مُتَماسِكَةٍ لِدَعْمِ رِيادَةِ الأَعْمال.
اقتصادات عربية تستثمر في الابتكار والتكنولوجيا وأخرى لم تستوعب بعد التحوّلات العميقة التي يفرضها الاقتصاد الرقمي
كَما تَكْشِفُ نَتائِجُ التَّقْريرِ عَنْ بُعْدٍ آخَرَ لِهَذا التَّحَوُّلِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْليمِ الرِّيادِيّ. فَعَدَدٌ مَحْدودٌ جِدًّا مِنَ الِاقْتِصاداتِ في الْعالَمِ نَجَحَ في تَحْقيقِ مُسْتَوًى كافٍ في تَعْليمِ رِيادَةِ الأَعْمالِ داخِلَ المَدارِس. وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ الدُّوَلِ أَرْبَعُ دُوَلٍ خَليجِيَّةٍ هِيَ الإِماراتُ والسُّعودِيَّةُ وَقَطَرُ والبَحْرَيْن، إلى جانِبِ ثَلاثِ دُوَلٍ مِنْ شَمالِ أوروبا. وَتَعْكِسُ هَذِهِ النَّتيجَةُ اسْتِثْمارًا واضِحًا في إِدْماجِ ثَقافَةِ المُبادَرَةِ والِابْتِكارِ داخِلَ المَنْظومَةِ التَّعْليمِيَّةِ في بَعْضِ اقْتِصاداتِ الخَليج.
وَيَظْهَرُ التَّحَوُّلُ أَيْضًا في مَدى إِدْراكِ رُوّادِ الأَعْمالِ لِأَهَمِّيَّةِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ في مُسْتَقْبَلِ الأَعْمال. فَفي تِسْعَةَ عَشَرَ اقْتِصادًا مِنْ أَصْلِ ثَمانِيَةٍ وَأَرْبَعين، لا يَتَوَقَّعُ سِوى أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ رُوّادِ الأَعْمالِ الجُدُدِ أَنْ يُصْبِحَ الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ عُنْصُرًا مُهِمًّا في نَشاطِهِمُ الِاقْتِصادِيِّ خِلالَ السَّنَواتِ المُقْبِلَة. وَفي المُقابِل، لا توجَدُ سِوى سِتِّ دُوَلٍ في العالَمِ يَرى فيها أَغْلَبِيَّةُ رُوّادِ الأَعْمالِ أَنَّ الذَّكاءَ الِاصْطِناعِيَّ سَيُصْبِحُ عامِلًا حاسِمًا في أَعْمالِهِم، وَتَأْتي الإِماراتُ العَرَبِيَّةُ المُتَّحِدَةُ ضِمْنَ هَذِهِ المَجْموعَةِ المَحْدودَة. وَيُشيرُ ذَلِكَ إلى أَنَّ بَعْضَ اقْتِصاداتِ الخَليجِ بَدَأَتْ تَنْظُرُ إلى الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ لَيْسَ فَقَطْ بِوَصْفِهِ أَداةً تِقْنِيَّة، بَل بِوَصْفِهِ رافِعَةً لِلتَّحَوُّلِ الِاقْتِصادِيّ.
غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ المُعْطَياتِ تَطْرَحُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ سُؤالًا مُهِمًّا أَمامَ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّة. فَنَجاحُ بَعْضِ دُوَلِ الخَليجِ في بِناءِ مَنْظوماتٍ رِيادِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ يُبْرِزُ الإِمْكاناتِ الكامِنَةَ في المِنْطَقَة، لَكِنَّهُ يَكْشِفُ أَيْضًا فَجْوَةً مُتَنامِيَةً داخِلَ العالَمِ العَرَبِيِّ بَيْنَ اقْتِصاداتٍ تَسْتَثْمِرُ بِقُوَّةٍ في الِابْتِكارِ والتِّكْنولوجْيا، وَأُخْرى لا تَزالُ أَسيرَةَ نَماذِجَ اقْتِصادِيَّةٍ تَقْليدِيَّةٍ لَمْ تَسْتَوْعِبْ بَعْدُ التَّحَوُّلاتِ العَميقَةَ التي يَفْرِضُها الِاقْتِصادُ الرَّقْمِيّ.
يمكن التقليل من الفروقات بين البلدان العربية عن طريق التكامل الريادي
وَتُشيرُ هَذِهِ المُؤَشِّراتُ إلى أَنَّ بَعْضَ الدُّوَلِ الخَليجِيَّةِ بَدَأَتْ تُدْرِكُ أَنَّ مُسْتَقْبَلَها الِاقْتِصادِيَّ لا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقى رَهينَةَ نَموذَجِ الِاقْتِصادِ الرَّيْعِيِّ التَّقْليدِيّ، بَل يَتَطَلَّبُ بِناءَ اقْتِصادٍ أَكْثَرَ تَنَوُّعًا يَعْتَمِدُ على الِابْتِكارِ والمُبادَرَةِ الفَرْدِيَّةِ والشَّرِكاتِ النّاشِئَة. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الدّيناميكِيَّةَ الإِيجَابِيَّةَ تَبْقى مَحْدودَةً جُغْرافِيًّا داخِلَ العالَمِ العَرَبِيّ، حَيْثُ لا تَزالُ الكَثيرُ مِنَ الِاقْتِصاداتِ تُعاني مِنْ بيئاتٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ وَتَعْليمِيَّةٍ هَشَّةٍ تَجْعَلُ عَديدًا مِنَ المُبادَراتِ الرِّيادِيَّةِ تَنْتَهي قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى شَرِكاتٍ قادِرَةٍ على النُّمُوِّ والِاسْتِمْرار.
في النِّهايَة، يُذَكِّرُنا التَّقْريرُ بِحَقيقَةٍ أَساسِيَّة: رِيادَةُ الأَعْمالِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُبادَراتٍ فَرْدِيَّة، بَل هِيَ نِتاجُ مَنْظومَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَمُؤَسَّسِيَّةٍ مُتَكامِلَة. فَالمُجْتَمَعاتُ التي تَنْجَحُ في بِناءِ بيئَةٍ داعِمَةٍ لِلمُبادَرَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ لا تَخْلُقُ شَرِكاتٍ جَديدَةً وَحَسْب، بَل تَخْلُقُ أَيْضًا ثَقَافَةً اقْتِصادِيَّةً قائِمَةً على الِابْتِكارِ والثِّقَةِ في القُدْرَةِ على التَّغْيير. وَبِالنِّسْبَةِ لِلعالَمِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ الفُروقاتِ بَيْنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ في هَذا المَجالِ يُمْكِنُ التَّقْليلُ مِنْها عَنْ طَريقِ التَّعاوُنِ والتَّكامُلِ الرِّيادِيِّ حَيْثُ يُمْكِنُ لِلبُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْ بَعْضِها عَنْ طَريقِ بَرامِجِ دَعْمٍ وَتَدْريبٍ وَتَعاوُنٍ رِيادِيٍّ يَكونُ مُفيدًا لِلجَميعِ مِنْ أَجْلِ خَلْقِ أَرْضِيَّةِ شَراكَةٍ مُتَكامِلَةٍ لِدَعْمِ رِيادَةِ الأَعْمالِ في جَميعِ البُلْدَانِ العَرَبِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

