صحافة

الرهان الإيراني الخاطئ على أوروبا

عماد الدين حسين

المشاركة
الرهان الإيراني الخاطئ على أوروبا

من الواضح أن المسافة تتباعد بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وكل من الاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسي ومعهما دول مصنفة حليفة تقليدياً مع الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ورغم ذلك فإن رهان إيران على هذا التباعد يبدو خاطئاً وخاسراً إلى حد كبير. تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران بدأت تكشف عن خلافات أمريكية مع أوروبا.. صحيح أنها لم تصل إلى حد الابتعاد والشقاق، لكنها في الوقت نفسه تؤكد وجود مشكلة من أوروبا وحلف الناتو من جهة وبين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من جهة أخرى.

ما سبق ليس مجرد اجتهاد في التحليل، ولكن خلاف بدأ يصبح علنياً خصوصاً من ترامب. غالبية الدول الأوروبية ومعظمها تقريباً أعضاء في حلف شمال الأطلسي لا يختلفون مع الولايات المتحدة في حربها ضد إيران. نعلم أن غالبية الدول الأوروبية وحلف الناتو يشاركون الولايات المتحدة في فرض العقوبات على إيران منذ سنوات طويلة وجددوا بعضها وشددوها أخيراً، ورغم أنهم لا يشاركون ترامب رؤيته نفسها ولا سياساته عموماً، إلا أنهم لم يختلفوا جذرياً مع السياسة الأمريكية تجاه إيران.

ما لا تريد إيران أن تدركه هو أن الدول الأوروبية الثلاث الكبرى وهي بريطانيا وألمانيا وفرنسا قالوا إنهم سيتخذون خطوات للدفاع عن مصالحهم ومصالح حلفائهم في المنطقة بما فيها إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة لتدمير قدرات إيران على إطلاق الصواريخ والمسيرات بالتنسيق مع واشنطن. لكن حينما حاولت دول الاتحاد الأوروبي إصدار بيان بشأن الحرب، كانت هناك مشكلات بشأن صياغة بيان موحد ومنها الموقف بشأن مدى اتساق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي مع القانون الدولي.

إسبانيا من المختلفين تماماً مع الموقف الأمريكي الإسرائيلي، لكن في المقابل فإن ألمانيا ترفع شعار أن الوقت ليس مناسباً لتوجيه اللوم إلى الحلفاء وهم يخوضون الحرب. من الطبيعي أن يسعى ترامب لحشد أكبر عدد من الدول في الحرب ضد إيران، لكن الموقف الذي فجر الخلاف مع بعض الحلفاء الأوروبيين هو طلب ترامب من بعض الدول الأوروبية واليابان والهند والصين وكوريا أن تسهم في مرافقة ناقلات النفط أثناء عبورها من مضيق هرمز الذي تستهدفه إيران وتمنع مرور الجانب الأكبر من الناقلات في محاولة للضغط على الولايات المتحدة والعالم ورفع أسعار النفط عالمياً، ظناً أن ذلك سيشكل ضغطاً على ترامب لوقف الحرب.

غالبية هذه الدول رفضت المشاركة في القوة واعتبرتها يمكن أن تقود إلى توسيع الصراع ليصبح إقليمياً ودولياً. ليست كل الدول الأوروبية متحدة في هذا الموقف في ظل تعدد المصالح الوطنية وتراجع النفوذ الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فالسؤال المطروح أمام الاتحاد الأوروبي هو مدى التماسك في وحدته وتماسكه الداخلي ناهيك عن دوره العالمي.

الاتحاد الأوروبي أصدر بياناً اعتمد فيه حزمة واسعة من العقوبات ضد إيران بسبب ما اعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان وتهديدات تمس الأمن الأوروبي، خصوصاً بسبب الصواريخ البالستية بعيدة المدى، ودعم إيران لقوى في المنطقة تهدد استقرارها، ودعا الاتحاد في الوقت نفسه لإنهاء البرنامج النووي الإيراني واحترام حقوق الإنسان، لكن البيان الأوروبي دعا أيضاً إلى أقصى درجات ضبط النفس واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين، والأهم أنه أدان الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج مؤكداً تضامنه مع شركائه في منطقة الخليج العربي، وكذلك الحفاظ على أمن الملاحة البحرية واحترام حرية الملاحة.

وفي مقابل هذا التضامن السياسي الأوروبي مع الموقف الأوروبي، فهناك رفض للمشاركة في الحماية العسكرية لناقلات النفط في مضيق هرمز، الأمر الذي دفع ترامب لتوجيه انتقادات حادة لهذا الموقف قائلاً إن أمريكا وفرت الحماية لأوروبا وحلفائها في آسيا طوال سنوات، وعندما احتاجتهم للمشاركة في حماية الملاحة في هرمز، تخلوا عنها؟ ترامب قرر إرسال المئات من عناصر المارينر والأسلحة الهجومية لإزالة الألغام وتأمين الملاحة في المضيق.

والمعروف أن ترامب انتقد إسبانيا مراراً لرفضها استخدام أمريكا لقواعدها العسكرية، كما أبدى عدم رضاه عن موقف رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، قائلاً إنه ليس ونستون تشرسل الذي نتعامل معه؟! في حين أن فرنسا اعتبرت العمليات العسكرية الأمريكية تمت خارج نطاق القانون الدولي. لكن خلف هذا الخلاف ربما تكون هناك اعتبارات أخرى أهمها أن أوروبا كانت تفضل اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية خوفاً من تفاقم الأوضاع، إضافة بالطبع إلى الخلافات الجوهرية بين أمريكا وكل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لأسباب عدة.

لا يعني ذلك أن أوروبا تناصر إيران، بل هي ترفض تماماً برامجها النووية والصاروخية وأذرعها في المنطقة، لكنها كانت تفضل أن يتم ذلك عبر كل الوسائل ما عدا الحلول العسكرية، إضافة إلى الخوف والهلع الأوروبي من تفاقم الصراع بحيث يقود إلى أزمة طاقة عالمية واحتمال أن يقود إلى موجة هجرة إلى أوروبا. ورغم كل ما سبق فمن المؤكد أن الرهان الإيراني على إحداث شرخ كبير في العلاقات بين واشنطن وأوروبا وحلف الأطلسي هو رهان خاطئ وصعب التحقق إلى حد كبير، والسبب ببساطة أنه رغم كل الخلافات بين واشنطن وبروكسل، إلا إن أوروبا لا تختلف مع أمريكا في تشخيص الخطر الإيراني في جوهره، ربما تختلف معها فقط بكيفية المعالجة والمواجهة.

(البيان الإماراتية)

يتم التصفح الآن