صحافة

"المشهد اليوم"... ترامب يُعَلِّقُ عَمَلِيَّةَ "مَشروعِ الحُرِِّية" لِإنجاحِ المُفاوضات!لبنان بَيْنَ انتظارِ الحُلولِ الديبلوماسيّة والتَّصعيدِ المَيْداني.. ودمشق تُفََكِِّكُ خَلِيَّةً لِـ"حزبِ الله" وتُحْبِطُ "مُخَطَّطَها الإرهابي"


تسعَى الإدارةُ الأميركيّةُ إلى إبرامِ صفقةٍ مع إيرانَ وفقَ "سقفٍ مُعيّنٍ" من الشروطِ والمطالبِ بهدفِ الخروجِ بموقفِ "المنتصرِ"، خصوصًا أن الرئيسَ دونالد ترامب يُكيلُ التهمَ بـ"الضعفِ" للرئيسينِ السابقينِ جو بايدن وباراك أوباما. إذ يرَى أن أوباما أبرمَ اتفاقًا "هشًا" مع طهرانَ، على عكسِ مساعيِهِ الحاليّةِ، التي يُترجمُهَا عبرَ خنقِ الاقتصادِ الإيرانيِّ وتكبيدِهِ خسائرَ باهظة ناجمة عن الحصارِ البحريِّ على السفنِ والموانئِ. فيما الوضعُ في مضيقِ هُرمزُ "بمهبِ الريحٍ"، بينَ رواياتٍ متضاربةٍ وأخبارٍ مُسرّبةٍ عن اشتباكاتٍ ومحاولةِ كلِّ طرفٍ حسمَ السيطرة لصالحِهِ وأن تكونَ له "اليد العليا" عليه. وباتَ هذا الأمرُ يدخلُ في خضمِ المفاوضاتِ الجاريةِ بينَ طرفيّ الحربِ، على الرغمِ من أن هذا المضيقَ الاستراتيجيّ لم يكن يومًا ضمنَ خططِ الحربِ ولا أهدافِهَا، لكن إيرانَ أدخلتهُ لتغييرِ قواعدِ اللعبةِ والضغطِ على خصومِهَا من بوابةِ الاقتصادِ.

وفي آخرِ التفاصيلِ، علّقَ ترامبُ "مشروعَ الحريةِ" الهادفِ إلى تحريرِ السفنِ العالقةِ في مضيقِ هُرمزَ، بعدَ يومينِ من انطلاقِهِ. ووضعَ تلكَ الخطوةَ في إطارِ منحِ فرصةٍ للتوصلِ إلى اتفاقٍ مع التشديدِ على الاستمرارِ في الحصارِ "بكاملِ قوتِهِ وفاعليتِهِ". كما أوضحَ أن هذه الخطوةَ جاءَت بناءً على طلبٍ من باكستان ودولٍ أخرى - لم يسمِّهَا. وجاءَ هذا الموقفُ، الذي يشوبهُ الكثير من الغموضِ، بعد ساعاتٍ على إعلانِ وزيرِ الخارجيةِ ماركو روبيو بأنَ "عمليةَ الغضبِ الملحميِّ انتهت"، لافتًا، خلالَ مؤتمرٍ صحفيٍّ في البيتِ الأبيضِ، إلى أن واشنطنَ أصبحَت الآن في مرحلةٍ "دفاعيّةٍ". وإذ شدّدَ على أن قواتَ بلادِهِ لن تبادرَ من تلقاءِ نفسِهَا إلى فتحِ النارِ، نبَّهَ إلى أنها سترّدُ "بفاعليةٍ قاتلةٍ" إذا تعرّضَت لأيِّ استهدافٍ. وباتَ هذا التهديدُ "خبرًا يوميًا" في أدبياتِ الصراعِ، فالتصريحاتُ التهديديةُ مستمرة بينَ الطرفينِ، في حينِ يحاولُ النظامُ الإيرانيُّ الظهورَ بموقفِ "المتماسكِ" و"الصلبِ" القادرِ على تخطِي تداعياتِ الصراع ورّدِ الصاع صاعيَن. إذ أعلنَ رئيسُ البرلمانِ محمد باقر قاليباق أن طهرانَ في صددِ "ترسيخِ معادلةٍ جديدةٍ لمضيقِ هُرمزَ"، متهمًا واشنطنَ وحلفاءَهَا بـ"تعريضِ" سلامةِ النقلِ البحريِّ للخطرِ.

ولم يكشفْ قاليباف عن ماهيةِ الآليةِ الجديدةِ، لكن قناةَ "برس تي في" الإيرانيّة نقلَت عن مصادرَ بعضَ ملامِحِهَا، وهي إصدارُ خريطةٍ جديدةٍ للمضيقِ. ‌‌تتضمنُ هذه الخريطةُ توسيعَ منطقةِ السيطرةِ التي تستحوذُ عليها طهرانُ، التي أكدَت أن جميعَ السفنِ التي تنوي العبور "ستتلقَّى رسالةَ بريدٍ إلكترونيٍّ تتضمنُ القواعدَ واللوائحَ الخاصة بذلك"، معلنةً أن هذه الآليةَ دخلَت رسميًا حيّزَ التنفيذ. وتخافُ العديدُ من دولِ العالمِ من أن يتحولَ المضيقُ إلى ورقةِ "ابتزازٍ" يَستخدمُهَا نظامُ "الثورةِ الإسلاميّةِ" عندَ كلِّ منعطفٍ، بسببِ تأثيرِ ذلكَ على الأسواقِ العالميّةِ وحريةِ الملاحةِ كما على الأمنِ الغذائيِّ. إلا أن جميعَ المعطياتِ الراهنة تشيرُ إلى أنَ "زمان الأول تحوّلَ"، وأن طهرانَ ليست في واردِ "إعادةِ عقاربِ الساعةِ إلى الوراءِ" بعدما اختبرَت أهميةَ هُرمزَ وقدرتَهَا على "مقارعةِ" العديدِ من الدولِ عبرهُ. وأفادَت وكالةُ "رويترز" عن دبلوماسيينَ غربيينَ، بأنَ أعضاءَ مجلسِ الأمنِ بدأوا، أمسِ الثلاثاء، محادثاتٍ بشأنِ مشروعِ قرارٍ مدعومٍ من الولاياتِ المتحدةِ والبحرين، يتعلقُ بمضيقِ هُرمزَ. وأوضَحَت أنَهُ قد يؤدِي إلى فرضِ عقوباتٍ على إيرانَ، وإتاحةِ استخدامِ القوةِ إذا فشلَتْ طهرانُ في وقفِ الهجماتِ والتهديداتِ. كما يُطالبُهَا بعدمِ فرضِ أيِّ رسومٍ للعبورِ الآمنِ، مع إلزامِهَا بالإعلانِ عن مواقعِ الألغامِ التي زُرعَتْ بالفعلِ، وعدمِ عرقلةِ أيِّ جهودٍ دوليّةٍ لإزالتِهَا. لكنَ العقبةَ الأساسيّةَ تكمنُ في إمكانيةِ استخدامِ الصين وروسيا حقَ النقضِ (الفيتو) كما جرَى في المرةِ السابقةِ. في غضونِ ذلكَ، تضعُ طهرانُ حلفاءَهَا في بكين وموسكو في آخرِ التطوراتِ، إذ حطَّ، أمس الثلاثاء، وزيرُ الخارجيةِ عباس عراقجي في الصين، في زيارةٍ تسبقُ موعدَ وصولِ الرئيسِ ترامب المرتقبة في 14 و15 أيار/مايو الحالِي.

الزيارةُ، التي تأتِي في مرحلةٍ بالغةِ الحساسيّةِ، ليست تفصيلًا عابرًا، بل يمكنُ وضعُهَا في إطارِ مساعِي إيرانَ الديبلوماسيّة لتقييمِ المرحلةِ الراهنةِ ومناقشةِ آخرِ المستجداتِ، خصوصًا ما يتعلقُ بالحصارِ المفروضِ عليهَا، الذي يُفاقمُ أزمتَهَا الداخليّة، وسطَ تقديرِ الخسائر اليوميّة بنحوِ 435 مليونَ دولارٍ. ولا تقفُ الأرقامُ في صفِّ المسؤولينَ الإيرانيينَ حتَى الآن، في ظلِّ الانهيارِ الكبيرِ لسعرِ الريالِ في مقابلِ الدولارِ الأميركيِّ. إذ تشيرُ مواقعُ عديدة إلى تراجعٍ قياسيٍّ بلغَ 1.81 مليونَ ريالٍ للدولارِ، أي نحوَ 181 ألف تومان. ويثيرُ هذا الوضعُ مخاوفَ من اندلاعِ احتجاجاتٍ شعبيّةٍ مُماثلةٍ لتظاهراتِ شهرِ كانونَ الأول/ديسمبر الماضي، لا سيّما مع تسجيلِ 750 ألفَ شخصٍ مؤخرًا من بين المحتاجينَ إلى إعاناتٍ، بحسبِ تقاريرَ مستقلة. ويدفعُ الشعبُ الفاتورةَ الباهظةَ، في ظلِّ القمعِ والقيودِ الشديدةِ المفروضةِ عليهِم، وتزايدِ سطوةِ "الحرسِ الثوريّ الإيراني" على مفاصلِ البلادِ. كما يتحكمُ في جميعِ القراراتِ الاستراتيجيّةِ، بشكلٍ يتعارضُ في أحيانٍ كثيرةٍ مع المسارِ التفاوضيِّ الذي تستمرُ إيرانُ بهِ، على الرغمِ من وجودِ الكثيرِ من الاختلافاتِ مع الولاياتِ المتحدةِ بشأنِ القضايا الجوهريةِ. وتشهدُ المباحثاتُ "تقدمًا" وفقَ ما ذكره ترامب وعراقجي، لكنَ العبرةَ تبقَى في الخواتيمِ ومدَى القدرةِ على ردمِ الهوةِ ورفضِ العودةِ إلى منطقِ الحربِ، الذي يطلُّ بينَ حينٍ وآخرَ. ففي هذا الإطارِ، تبدُو تلّ أبيب، كعادتِهَا، متحمسةً للعودةِ إلى القتالِ، إذ أعلنَ القائدُ الجديدُ لسلاحِ الجوِّ الإسرائيليِّ عومر تيشلر، أن قواتَهُ مستعدةٌ لاستخدامِ "كاملِ سلاحِ الجوِّ" ضدَّ إيرانَ إذا لزمَ الأمر.

وتعوّلُ إسرائيلُ على فشلِ المباحثاتِ وعرقلتِهَا والعودةِ إلى القتالِ، وهو الأمرُ عينُه بالنسبةِ إلى مؤيدِي الحربِ من الحزبِ الجمهوريِّ، الذين يدفعُونَ باتجاهِ "استكمالِ المهمةِ"، والقضاءِ على كافةِ القدراتِ الإيرانيّةِ، وتحويلِهَا إلى دولةٍ غير قادرةٍ على تشكيلِ أيّ تهديدٍ في المستقبلِ. وقد بدا ذلكَ واضحًا عبرَ تصريحاتِ النائبِ دون باكون، الذي اعتبرَ أن إيرانَ انتهكَت اتفاقَ وقفِ إطلاقِ النارِ و"حانَ الوقتُ أن تتعلمَ درسًا قاسيًا آخرَ". لكن، في ميزانِ ترامب تبدو الأمورُ مختلفة، فهو يسعَى إلى الدفعِ نحوَ صفقةٍ شاملةٍ تضعُ حدًا لطموحِ إيرانَ النوويِ وتُوقِفُ تخصيبَ اليورانيوم، كما تضبطُ نفوذَهَا الإقليميَّ وإيقاعَهُ، بعدمَا باتَ إسقاطُ النظامِ بعيدًا عن الأهدافِ الأميركيّةِ. وطالبَ الرئيسُ الأميركيُّ، في أحدِ تصريحاتِهِ أمسِ الثلاثاءِ، إيرانَ بـ"رفعِ رايةِ الاستسلامِ"، مشددًا على أنَهَا تريدُ إبرامَ اتفاقٍ على الرغمِ منَ "الألاعيبِ الصغيرةِ" التي تمارسُهَا، واصفًا المواجهةَ الحاليةَ بـ"الحربِ المُصغرةِ". لكن ما يجرِي في إسلام آباد وضمنَ كواليسِ المفاوضاتِ يبدُو بعيدًا عن الميدانِ، فإلى جانِبِ التصعيدِ المستمرِ في مضيقِ هُرمزَ، عادَت الاستهدافاتُ إلى دولِ الخليجِ، وتحديدًا إلى دولةِ الإمارات. إذ أعلنَت، أمسِ الثلاثاءِ، لليومِ الثانِي على التوالِي أنَهَا تتعاملُ مع صواريخَ ومسيّراتٍ آتيةٍ من إيرانَ. من جهتِهِ، وصفَ رئيسُ الإماراتِ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان هذه الهجماتُ بـ"الاعتداءاتِ الإرهابيّةِ"، مؤكدًا في الوقتِ عينِهِ أن بناءَ قدراتِ الإمارات الدفاعيّة سيبقَى هدفًا استراتيجيًا". في المقابل، نفَت إيرانُ هذه التهم، مهددةً بالرّدِ بحزمٍ على أيِّ إجراءٍ ضدَّ جُزُرِهَا وسواحِلِهَا وموانِئِهَا انطلاقًا من أبو ظبي.

وواجهَت الهجماتُ الإيرانيّةُ المتجدّدةُ على الإماراتِ الكثيرَ من ردودِ الفعلِ العربيّةِ والغربيّةِ الرافضةِ والمستنكرةِ، لما تمثّلُهُ من انعكاساتٍ على الأمنِ والاستقرارِ الإقليميِّ والدوليِّ. لكنَ طهرانَ تخوضُ حربًا بلا أيِّ سقوفٍ أو معايير، ويتجسّدُ ذلكَ عبر فتحِ الجبهاتِ الرديفةِ لَهَا، سواء في العراقِ أو في لبنانَ، الذي لا يزالُ يتعرّضُ لأعتَى العملياتِ العسكريةِ الإسرائيليّةِ. ولا بدَّ من الإشارةِ هنا إلى أنَ رئيسَ الحكومةِ العراقيّة المُكلَّف علي فالح الزيدي أكدَ قدرةَ بلادَهُ على احتواءِ الأزماتِ، والاضطلاعِ بدورِ الوساطةِ بين إيرانَ والولاياتِ المتحدةِ لحلِّ النزاعات. وأعلَنَ، خلالَ اتصالٍ هاتفيٍّ مع الرئيسِ الإيرانيِّ مسعود بزشكيان، أن "موقفَ بغدادَ داعمٌ للمسارِ الدبلوماسيِّ واعتمادِ الحوارِ لاحتواءِ الأزماتِ". ولا يمكنُ تحديدُ مدَى قدرةِ العراقِ على لعبِ دورِ الوسيطِ، فيما لا تزالُ باكستانُ تكثّفُ جهودَهَا في هذا الإطارِ، إلى جانبِ الأولوياتِ العراقيّةِ، التي تتمثلُ في تشكيلِ الحكومةِ وإيجادِ مخرجٍ لأزمةِ تنَاتُشِ الوزاراتِ والحقائبِ. وتشهدُ الأوضاعُ العراقيّة هدوءًا حذرًا على الرغمِ من أنَ الأجواءَ لا تزالُ متشجنةً وقابلةً للانفجارِ في أيِّ لحظة. وذلكَ على عكسِ الوضعِ في لبنان، الذي يواجهُ منعطفًا خطيرًا ناجمًا عن استمرارِ الاحتلالِ في تدميرِ القرَى والبلداتِ الجنوبيّةِ وتغييرِ معالمِهَا الجغرافيّة، فيما الدولةُ تُسابقُ الوقتَ لوقفِ الأعمالِ العدائيّةِ وإبرامِ اتفاقٍ يضعُ حدًا للتدهورِ الحاصلِ. في الأثناءِ، تعهّدَ الرئيسُ جوزاف عون مواصلةَ "المساعي الهادفةِ إلى إنهاءِ حالةِ الحربِ التي عانَى منهَا الجميعُ، على أنْ يعمَّ السلامُ بشكلٍ دائمٍ، وليس بشكلٍ مرحليٍ". وشدّدَ على أن "ما يقومُ بهِ يصبُّ في مصلحةِ جميعِ اللبنانيينَ، وليسَ لفئةٍ منهم"، وأكدَ أنَ مسارَ المفاوضاتِ "هو الوحيد الذي بقيَ بعد نفادِ الحلولِ الأخرى، ومنها الحرب".

ويهاجمُ "حزبُ الله" المفاوضاتِ المباشرةَ، معتبرًا أنها تفتقرُ للإجماعِ الوطنيِّ، بينَمَا يستأثرُ هوَ بقرارِ الحربِ والسلمِ، ويخوضُ معاركَ "غيرَ لبنانيّةٍ" تُسهِمُ في كلِّ مرةٍ بعودةِ البلادِ سنواتٍ طويلةٍ إلى الوراءِ. ويستعدُّ لبنانُ لجولةٍ ثالثةٍ من المباحثاتِ مع إسرائيلَ، على مستوَى السفيرينِ اللبنانيّة والإسرائيليّ في واشنطنَ، وسطَ مطالبَ واضحةً بضرورةِ التزامِ تلِّ أبيبَ باتفاقِ وقفِ النارِ، الذي يشهدُ يوميًا خروقاتٍ لا تُعدُّ ولا تُحصَى. فأُصيبَ، أمسِ الثلاثاءِ، عسكريانِ لبنانيانِ جرّاءَ استهدافٍ إسرائيليٍّ، في المقابلِ تحدثَت تقاريرٌ عن إصابةِ جنودٍ في اشتباكاتٍ مع "حزبِ اللهِ"، الذي أعلَنَ تنفيذَ 11 هجومًا ضدّ أهدافٍ إسرائيليّةٍ. وسجّلَت وزارةُ الصحّةِ سقوطَ 17 ضحيةً جديدةً خلالَ 24 ساعة، ما رفعَ عدادَ الخسائرِ البشرية إلى 2696 شخصًا و8264 جريحًا، من بينهِم 186 طفلًا و260 امرأة و34 مسنًّا. أما الأخطر فكانَ ما نقلتهُ شبكةُ "سي إن إن" عن مصدرٍ إسرائيليٍّ، ومفادُهُ أنَ تلّ أبيبَ تدرسُ احتمالَ توسيعِ ضرباتِهَا ضدَّ "حزبِ اللهِ" في مختلفِ أنحاءِ لبنانَ، إذا انهارَ وقفُ النارِ مع إيرانَ. فيما أبلغَ نتنياهو ترامبَ، وفقَ المعلوماتِ، أن إسرائيلَ مهتمّةٌ باستئنافِ قتالٍ عالي الوتيرةِ ضدَّ الحزبِ. وهو ما يُعقّدُ المشهدَ أكثرَ، في وقتٍ يبدُو فيهِ موضوعُ سلاحِ "حزبِ اللهِ" في صدارةِ الأولوياتِ الداخليةِ وسطَ اتهاماتٍ متبادلةٍ.

ضمنَ هذا السيّاقِ أيضًا، رأَت صحيفةُ "جيروزالم بوست"، في افتتاحيتِهَا، أنَهُ على إسرائيلَ أن تقرَّ بأنَّ "السبيلَ الوحيدَ لتأمينِ الشمالِ هو القضاءُ على حزبِ اللهِ". وأضافَت أنَّ ما تصفُهُ بالدبلوماسيّةِ اللبنانيّةِ لم يعدْ سوى "وعدٍ أجوفٍ" انهارَ تحتَ تناقضاتِهِ. وذهبَتِ الافتتاحيّةُ إلى اعتبارِ رفضِ الأمينِ العامِّ لـ"حزبِ اللهِ" نعيم قاسم المفاوضاتِ المباشرةَ دليلًا على أنّ وقفَ الأعمالِ العدائيّةٍ، في نظرِهَا، ليسَ سوَى "مهزلةً استراتيجيّةً". وهذا الكلامُ ليسَ فقطْ للاستخدامِ الإعلاميِّ والتهويلِ، بل وردَ أيضًا على لسانِ وزيرِ الخارجيةِ الإسرائيليِّ جدعون ساعر. إذ قالَ، خلالَ مؤتمرٍ صحفيٍ مشتركٍ مع نظيرِهِ الألماني يوهان فاديفول، إن الحكومةَ اللبنانيةَ لم تتعاملْ مع التهديدِ في جنوبِ لبنانَ بالشكلِ المناسبِ، متهمًا "حزب الله" بجرِّ لبنانَ إلى "حربٍ إيرانيّةٍ" وبتقويضِ سيادةِ الدولةِ وتهديدِ الاستقرارِ الإقليميِّ. وانتقدَ ساعر أداءَ الجيشِ اللبنانيِّ، مؤكدًا أن تلّ أبيبَ ملتزمةٌ بحمايةِ أمنِهَا ولن تسمحَ بتهديدِ سكانِ الشمالِ، وأنها جادةٌ في المفاوضاتِ مع لبنانَ شرطَ تنفيذِ الاتفاقاتِ، بما يضمنُ عدمَ تحولِهَا إلى مصدرِ خطرٍ. بدورِهِ، شدّدَ فاديفول على ضرورةِ خفضِ التصعيدِ والالتزامِ بوقفِ إطلاقِ النارِ، داعيًا إلى تعزيزِ دورِ الجيشِ اللبنانيِّ وقواتِ اليونيفيل في الجنوبِ، باعتبارهِمَا ركيزتينِ أساسيتينِ للاستقرارِ. كما تطرّقَ وزيرُ الخارجيةِ الأميركي ماركو روبيو للملفِ اللبنانيِّ، معتبرًا أنه من الممكنِ تحقيقُ السلامِ بين ​إسرائيلَ ولبنانَ، لكنه أشارَ إلى أن "حزب الله" هو المشكلة.

في موازاةِ ذلكَ، أعلنَت وزارةُ الداخليّةِ السوريةِ، أمسِ الثلاثاءِ عن إحباطِ ما وصفَتهُ بـ"مخططٍ إرهابيٍّ واسعٍ، وتفكيكِ خليةٍ تابعةٍ لحزبِ اللهِ" كانَت تستهدفُ زعزعةَ استقرارِ البلادِ، في حين نفَى الحزبُ علاقتَهُ بالخليةِ المذكورةِ. وعلى مدارِ الأسابيعِ الماضيةِ كشفَت دمشقُ عن العديدِ من الخلايا المرتبطةِ بالحزبِ بما يؤكدُ وجودَ نيةٍ واضحةٍ للقضاءِ على كلِّ ما يُعكّرُ صفوَ الأمنِ الداخليِّ، خصوصًا أن سوريَا تخوضُ معاركَ من أجلِ تحسينِ أوضاعِهَا الاقتصاديةِ واستعادةِ مكانتِهَا العربيّةِ والإقليميّةِ. ومن دمشقَ إلى الملفِ الفلسطينيِّ، الذي يكرّرُ نفسَهُ مع مشاهدِ الموتِ التي تحدقُ بقطاعِ غزّةَ، وسطَ حديثٍ متكرّرٍ عن إمكانيةِ العودةِ إلى الحربِ بذريعةِ تمسكِ حركةِ "حماس" بسلاحِهَا، في ظلِّ الترّقبِ لما ستُفضِي إليهِ تحركاتُ الممثلُ الأعلى لغزّة في "مجلسِ السلامِ" نيكولاي ملادينوف.

أما في الضفةِ الغربيةِ، فأُصيبَ 3 فلسطينيين بجروحٍ، جراءَ هجومٍ شنَّهُ مستوطنونَ على منطقةِ مسافر يطا جنوبي الخليل. وتأتي هذه الاعتداءاتُ في سياقِ تصعيدٍ استيطانيٍّ واسعٍ، إذ سجّلَت "هيئةُ مقاومة الجدار والاستيطان" أكثر من 1600 اعتداءٍ، خلال أبريل/نيسان الماضي وحدَهُ. وفي الأحداثِ الأخرى، تتجهُ الأمورُ بين السودانِ وإثيوبيا إلى المزيدِ من التوترِ، على خلفيةِ اتهامِ الأخيرةَ بالقصفِ الذي تعرّضَ لَهُ مطارُ الخرطومِ الدوليِّ أمسِ الثلاثاء. الأمرُ الذي نفتهُ أديس أبابا، وردَّت عليهِ متهمةً القوات المسلحة السودانيّة بدعمِ مسلّحِي إقليمِ تيغراي، وتسهيلِ توغلهِم عبرَ الحدود.

إلى الفقرة الصباحيّة الخاصة بالصحف العربية، التي تناولت مختلف التطورات على النحو الآتي:

كتبت صحيفة "الرياض" السعودية: "يموج العالم بصراعات تتقاذفه من كل اتجاه، أدت إلى تفاقم الأزمات وزيادة حدة الصراعات والخلافات، وفي خضم ذلك، تبرز المملكة كدولة سلام عبر مواقفها الدبلوماسية المتوازنة، التي تؤكد حرصها على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، ورفضها لأي تصعيد عسكري قد يهدد السلم الإقليمي أو الدولي". وأضافت: "يعكس هذا النهج القائم على تعزيز الأمن الجماعي ودعم الاستقرار الإقليمي ومنع تفاقم الأزمات، توجهًا واضحًا نحو حلول سياسية مستدامة بعيدًا عن التصعيد العسكري، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويعزز الأمن والسلم الدوليين. فالموقف السعودي يرتكز على أن السلام يبدأ من الحوار، وأن احترام سيادة الدول والالتزام بمبادئ القانون الدولي هو الطريق الأكثر استدامة لإنهاء الأزمات".

صحيفة "عكاظ" السعودية، بدورها، اعتبرت أن "الاعتداء الإيراني على الإمارات لا ينتهك اتفاق وقف إطلاق النار فحسب، بل يقدم مؤشرًا جديدًا على عدم موثوقية النظام الإيراني، وانتهاجه سياسة عدوانية دائمة ضد جيرانه العرب". وأوضحت أنه "من حق دولة الإمارات أن ترّد على هذه الاعتداءات، ومن حق دول الخليج العربية أن تؤكد شكوكها في مصداقية الود، الذي يعبر عنه بعض المسؤولين الإيرانيين في تصريحاتهم. ولا يمكن بأي حال تبرير تناقض الأقوال مع الأفعال بوجود انقسام داخل القيادة الإيرانية وصراع سلطة بين أجنحتها المعتدلة والمتشددة؛ فسلوكيات النظام وسياساته طيلة العقود الماضية تعبر عن حقيقة واحدة، وهي أن إيران تنظر إلى جيرانها بعدائية، وتنتهج سياسة تقوم على تقويض أمنهم واستقرار مجتمعاتهم!".

في سياقٍ متصل، رأت صحيفة "القدس العربي" أن سلوك الرئيس الأميركي الحالي حيال ملف "الناتو" تحديدًا أخذ يثير أسئلة جدية حول ما إذا كان التوتر الراهن على ضفتَي الأطلسي مجرد شجار مؤقت سببه عدم انخراط أوروبا عمومًا وألمانيا خصوصًا في الحرب ضد إيران، أو حول رفع الرسوم الجمركية الأميركيّة، أو التلميح إلى تجميد العضوية أو حتى انسحاب واشنطن من الحلف الأطلسي. ولفتت إلى أنه "صحيح أن الرئيس الأميركيّ يمكن بسهولة أن يغيظه امتناع بعض الدول الأوروبية عن السماح للجيش الأميركي بالانطلاق من قواعده العسكرية فيها لمهاجمة إيران، أو رفض الانخراط في ترتيبات عسكرية حول مضيق هرمز، أو حتى تصريح المستشار الألماني بأن طهران "تذلّ" واشنطن في المفاوضات. إلا أن الصحيح المقابل يمكن أن يشير أيضًا إلى ما هو أبعد وأعمق أثرًا، حيث يكمن نزوع نحو النأي التدريجي عن قارة تبدو في ناظر ترامب باهظة التكاليف وقليلة المردود".

بدورها، أوضحت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "يغلب الانطباع الواقعي والشعبي على كل شيء، ولا تجد عربيًا واحداً ينظر إلى جامعة الدول العربية بأي تقدير، لغيابها عن أغلب الأزمات والظروف الصعبة والحروب، وتحولها إلى شكل عربي". وأردفت أن "كل الأزمات التي مرت على الإقليم، وهددت شعوب المنطقة، واستقرارها لم تؤدِ إلى أيّ تحرك فاعل من جانب جامعة الدول العربية، ولو عقدنا ورشة عمل سياسي ودبلوماسي لتقييم أداء جامعة الدول العربية لاكتشفنا أن الأداء منخفض جدًا، وليس له أي قيمة". وختمت: "لا يُعقل أن يبقى العام العربي وسط هذه الطاحونة التي تطحن مستقبله، فيما تفشل جامعة الدول العربية في استرداد دورها، أو تنشيط وجودها، مثلما أن المهددات اليوم على أمن الإقليم تفرض شكلًا عربيًا جديدًا بديلًا للجامعة على أساس مجموعات اقتصادية وسياسية متوافقة تعمل مع بعضها بعضًا، حتى لا تبقى الدول وحيدة، ومكشوفة سياسيًا، خصوصًا، أمام المؤسسات الدولية".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن