صحافة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات أمريكا الاقتصادية

مصطفى السعيد

المشاركة
الحرب الإيرانية تعمّق أزمات أمريكا الاقتصادية

أحد أهداف الولايات المتحدة في الحرب على إيران أن تتمكن من إسقاط النظام، وأن تضع أيديها على نفط وغاز إيران، والتي تحتل المركز الثاني في احتياطيات الغاز العالمي بعد روسيا وقبل قطر، ومن شأن سيطرتها على نفط كل من فنزويلا وإيران أن تصبح متحكمة في أسواق الطاقة، وهو ما يحقق لها هدفين استراتيجيين، الأول أن تدعم مكانة الدولار، وعدم تعرضه للاهتزاز من موقعه المرجعي في ظل التهديد الذي يواجهه من منظمة "بريكس"، ومنظومة "سيبس" الصينية المنافسة لمنظومة "سويف" الأمريكية.

أما الهدف الثاني فهو أن تمتلك الولايات المتحدة ورقة ضغط على الصين، من خلال سيطرتها على مصادر إمداد الصين بالنفط، بما يتيح لها تحقيق مكاسب اقتصادية في السباق مع الصين، وأن تفرض عليها شراء المزيد من المنتجات الأمريكية، وضخ جزء من فوائضها في شراء السندات الأمريكية، بدلا من الخطوات الصينية المنتظمة في بيع ما تملكه من سندات، وتراجعت من تريليون و400 مليار إلى 650 مليارا فقط.

التقديرات الأمريكية أن الحرب على إيران ستكون سهلة، ويمكن تحقيق انتصار محقق في الضربة الأولى أو بعد بضعة أيام، لكن الحرب دخلت أسبوعها الرابع دون مؤشرات على تحقيق النصر المنتظر، بل تواجهها تعقيدات لم تكن في الحسبان، ومنها إغلاق إيران مضيق هرمز، والذي يُعد أهم شريان لمرور نفط دول الخليج، ويمر منه نحو 20% من الصادرات العالمية من النفط، ومثلها تقريبا من الغاز، وأصبح فتح المضيق مشكلة تواجه العالم، وتهدد بحدوث ركود اقتصادي وشلل جزئي في عدد من الصناعات، وارتفاع كبير في الأسعار، لهذا طالب الرئيس الأمريكي ترامب الدول المستوردة لنفط وغاز دول الخليج بأن تنضم إلى القوات الأمريكية لفتح المضيق أمام الملاحة، لكنه لم يجد من ينضم إليه من حلف الناتو أو كوريا الجنوبية واليابان والصين، بوصفهم من أكبر المستوردين لنفط وغاز دول الخليج.

وتسبب إغلاق المضيق في حالة من الارتباك فى الأسواق، وهبطت أسعار الكثير من الأسهم فى البورصات، وتزداد الأزمة تعقيدا مع إيجاد حل لفتح المضيق، فالرئيس الأمريكي الذي كان قد لوح بهجوم يستهدف جزيرة خرج الإيرانية بقوات خاصة، عاد وأعلن أنه لن يرسل أي جنود، وأنه لا يفضل الاجتياح البري، بعد أن تلقى تحذيرات من قادة الجيش الأمريكي بأن الخسائر ستكون ضخمة في الأفراد، وليس من السهل السيطرة على الساحل الإيراني أو الجزيرة التي يتطلب الوصول إليها عبور مضيق هرمز، وستكون القوات في مرمى نيران كثيفة وقريبة من الساحل الإيرانى المليء بالكهوف والتحصينات القوية.

إن تحول الحرب الإيرانية إلى حرب استنزاف طويلة أكثر ما يقلق الرئيس الأمريكي وإدارته، ومن شأنها أن تتحول الحرب إلى مصدر جديد لتهديد الاقتصاد الأمريكي بدلا من أن تساعده على النهوض، ويواجه الرئيس الأمريكي ضغوطا داخلية من أجل إنهاء الحرب بسرعة، وأن يكتفى بما ألحقه بإيران من دمار، ويعلن الانتصار، حتى لو لم يكن قد حقق الأهداف التي وضعها، وانضم مؤيدو الرئيس من جماعة "ماجا" التي ترفع شعار "أمريكا أولا" إلى معارضة الحرب التي ستنهك الاقتصاد الأمريكي، بينما تدفع إسرائيل إلى استمرار العمليات، بل تحاول تأجيجها، وترى أن الحرب التي لم تحقق أهدافها ستكون بمثابة هزيمة، وتشجع إيران، وربما بلدان أخرى على تحدي القوة الأمريكية.

الرئيس ترامب ينظر بقلق إلى ارتفاع التضخم، وانخفاض الوظائف، وتراجع أسعار الأسهم، بما ينذر بتفاقم الأزمات الاقتصادية، وكذلك يخشى من أن يؤدى اتساع الحرب ومهاجمة إيران للبنية التحتية للنفط والغاز لدول الخليج إلى أزمة طاقة عالمية طويلة تقود إلى ركود اقتصادي طويل، وارتفاع متزايد في أسعار مشتقات البترول داخل الولايات المتحدة، مما يزعج الرأي العام، ويخسر الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر المقبل، ويفقد الأغلبية التي تؤيده، ليصبح رئيسا مقيدا في باقي مدته الرئاسية.

الحيرة داخل البيت الأبيض واضحة في التصريحات المتضاربة حول الحرب وأهدافها وكيفية الخروج منها، فالغوص في الحرب من شأنه أن يعزز فرص الصين في انتزاع القمة والنفوذ، خاصة أن فرص تحقيق أهداف الحرب تتراجع بمضى الوقت، وتواجه القوات الأمريكية مشاكل في توفير الذخائر، خاصة منظومات باترويت وثاد والصواريخ الهجومية الدقيقة، ويوشك مخزونها على النفاد، إلى جانب خسارة أعداد كبيرة من الرادارات الأكثر تطورا وباهظة الثمن، وكذلك طائرات التزود بالوقود، ومشاكل لوجيستية أخرى تتعلق بطول مسافة الإمدادات.

تحولت الحرب الإيرانية من فرصة لتحسين مكانة الاقتصاد الأمريكي إلى أزمة إضافية، تعمق باقي الأزمات المتعلقة بارتفاع الديون إلى مستوى هائل، والعجز المزمن في الميزان التجاري والموازنة العامة، ولهذا من المرجح أن يتخلى الرئيس ترامب عن تحقيق الأهداف من الحرب، وأن يكتفى بإعلان نصر مشكوك فيه.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن