ما معنى ومغزى أن يقوم الرئيس عبدالفتاح السيسي بزيارة ٤ دول خليجية هي الإمارات وقطر والبحرين والسعودية الأيام الماضية في حين أن سماوات هذه المنطقة تمتلئ الآن بكل أنواع الخطر من مسيرات انقضاضية وصواريخ عادية وأخرى باليستية وثالثة قارية مداها ٤ آلاف كيلومتر؟! المعاني والمغازي والرسائل كثيرة وهنا محاولة لفهم بعضها باعتبار أن هناك معاني ورسائل تظل سرية بين القادة وكبار المسئولين.
الرسالة الأولى والمباشرة أن مصر وعبر رئيس الجمهورية تقول وتكرر بكل وضوح أنها تقف مع أشقائها العرب في الخليج والأردن بكل قوة في مواجهة التهديدات والاعتداءات الإيرانية، وهذا لا يتناقص إطلاقًا مع دعوتها المستمرة إلى وقف الحرب وخفض التصعيد والعودة إلى مائدة المفاوضات، وهو ما يعني عمليًا معارضة مصر الكاملة للعدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، باعتبار أن البلدين هما اللذان بادرا بشن العدوان في 28 فبراير الماضى.
الرسالة الثانية أن مصر تؤكد قولًا وفعلًا كل يوم أنها تدعم الأشقاء فى الخليج، فهي حين تقول إن الأمن القومي الخليجي جزء مهم من الأمن القومي المصري فهي لا تطلق مجرد دعوات وخطابات وتصريحات وبيانات لفظية، بل تقرن القول بالعمل. ومن يتمعن في تصريحات المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية السفير محمد الشناوي وتصريحات وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي سيلاحظ بوضوح التأكيد على أن مصر تعرض كل أشكال الدعم الممكنة والمتاحة على الدول الخليجية التي تتعرض للعدوان ليس فقط سياسيا ودبلوماسيا ولكن في كل المجالات التي تطلبها هذه البلدان الشقيقة.
الرسالة الثالثة أن الرئيس المصري سافر إلى هذه البلدان الثلاثة رغم كل الأخطار والمصاعب العسكرية فوق أجواء منطقة الخليج؛ ليقول لكل المتشككين إن مصر تدعم أشقاءها، حتى لا يترك مجالًا لمن يحاولون الاصطياد في الماء العكر. الرسالة الرابعة أن موقف مصر شديد الوضوح والدقة، هو ليس موقفًا متهورًا أو عشوائيًا، ولكنه يتسق والثوابت المصرية الوطنية والقومية، هو يقف بجانب الأشقاء في الخليج باعتبار أن أمنهم جزء من الأمن القومي المصري، إضافة إلى أنه يتسق أيضا مع المصالح المصرية العليا. تضامن مصر مع الخليج ودفاعها عنه، لا يتصادم مع رفضها للحرب والتصعيد الأمريكي الإسرائيلي. وهنا من المهم ملاحظة التسريبات الأمريكية عن دور الوساطة المصري الهادف إلى وقف الحرب. ولم يعد خافيا أهمية الاتصالات المصرية مع كل الأطراف في الفترة الأخيرة، ومن يقرأ بيان الخارجية المصرية سيفهم ذلك.
الرسالة الخامسة أن مصر لا تكتفي فقط بالتضامن مع الأشقاء في الخليج، ولكنها أيضا منشغلة باليوم التالي للحرب، فالهدف الأمريكي الإسرائيلى هو إعادة رسم خريطة المنطقة بكاملها على المقاييس الصهيونية، والسيطرة والاستحواذ على ثروات الخليج أو إهدارها في محرقة ضخمة لا تبقى ولا تذر، وإيران لا تخفي نواياها للسيطرة على المنطقة منذ عام 1979. فى حين أن مصر تسعى لإقناع الأشقاء العرب بضرورة وجود مشروع عربي بديل حتى لا يجد العرب أنفسهم مبعدين عن طاولة مفاوضات تقرير مستقبل المنطقة، وربما يجدون أنفسهم وجبة دسمة على مائدة اللئام.
الرسالة السادسة أن مصر تسعى لإقناع كل الأطراف العربية الفاعلة بأن الظروف الراهنة تستدعي التخلص من الحسابات الضيقة والشخصية والشكلية والتفكير في تغليب المصلحة القومية العليا. ليست القضية الآن من هو الذى يفترض أن يتصدر المشهد، المهم من هو القادر على إنقاذ الأمة العربية من المصير الذي يراد لها. العرب اليوم مهددون في وجودهم ومنطقتهم تنزلق نحو الفناء في ظل تهديدات تطال محطات المياه والطاقة بل ونسمع تهديدات باستخدام الأسلحة النووية. الرسالة المصرية تحذر أنه إذا وقعت الواقعة، فلن تبقى على أحد، بل ربما تقود إلى تفكيك دول وتحويل دول أخرى إلى دويلات متقاتلة.
الرسالة السابعة ليس خافيًا أن مصر بذلت جهودًا دبلوماسية كبيرة حتى لا تندلع الحرب، وبعد اندلاعها، لم تتوقف هذه الجهود، خصوصًا أن مصر لها علاقات طيبة مع الولايات المتحدة والخليج، ولها اتصالات لم تنقطع مع إيران وإسرائيل لكن ولكي تنجح هذه الجهود لابد من توافر حسن النية والرغبة في الوصول لاتفاق يحقق الحد الأدنى لشروط كل طرف.
المنطقة تمر بظروف عصيبة، وكل الأمل أن تنجح جهود مصر وعمان وتركيا وباكستان وبعض الأطراف الأخرى في نزع فتيل الأزمة قبل أن تتحول إلى حرب إقليمية بانضمام دول أخرى كثيرة.
(الشروق المصرية)

