بلطجة المضائق

أقتبس هذا العنوان من تصريح بليغ للدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، الذي بيّن أن هجمات إيران العدوانية على دول الخليج تعيد تشكيل أمن الخليج، وتفرض كبح "بلطجة المضائق"، وهي الظاهرة المزمنة التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود من الزمن.

وقبل تحليل هذه الظاهرة التي تحول الدول إلى "بلطجية"، بالعامية المصرية، أو "شبيحة" بالتعبير الشامي، وبيان كيفية التعامل معها، نشير إلى أن "البلطجة" أو "التشبيح"، التي لا تختلف كثيراً عن مفهوم "السلام عن طريق القوة"، أصبحت ظاهرة شائعة في العلاقات الدولية المعاصرة، ما يهدد النظام الدولي القائم على القواعد، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ويضرب في الصميم القانون الدولي والشرعية الدولية. وبرغم أن هذه الظاهرة تفسح المجال لقانون الغاب أو البقاء للأقوى ليسود السياسة العالمية، فإنها دليل ضعف وليست دليلاً على قوة من يمارسها.

واقرأ، إن شئت، روايات نجيب محفوظ عن الفتوات الذين يصبحون بلاطجة في آخر عهدهم، والفتونة التي تصير نوعاً من الإرهاب بحقّ الناس لابتزازهم وسلب أموالهم. ومن المفارقة أن نفس الدول "الغربية" التي أسهمت في تشييد نظام دولي قائم على القواعد هي نفسها التي تعمد إلى هدم هذه القواعد، وتقويض النظام الدولي من أساسه.

ومن المفارقة أيضاً أن ظاهرة بلطجة المضائق والممرات المائية الدولية في منطقة الشرق الأوسط ارتبطت في معظمها بالجمهورية الإيرانية منذ حرب الخليج الأولى أو الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن المنصرم. فخلال هذه الحرب الضروس، التي استمرّت زهاء ثماني سنوات، هددت إيران حرية الملاحة في الخليج العربي، وفي مضيق هرمز الحيوي الذي ينساب عبره أكثر من خمس الإمدادات العالمية من النفط، وفجرت حرباً أخرى ما سمعنا عنها في العالمين، وهي حرب الناقلات، ناقلات النفط.

وقد قادت هذه الحرب الحارقة إلى عسكرة المياه الدولية في منطقة الخليج العربي، واضطرت الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى مرافقة الناقلات بسفنها الحربية. كما أدت إلى اضطراب أسواق النفط العالمية، والتسبب في أزمة طاقة على المستوى الدولي طالت تداعياتها كافة الدول، بما في ذلك إيران نفسها.

ثم جاءت حرب غزة في أكتوبر 2023 لتحيي ظاهرة بلطجة المضائق من جديد، ولكن هذه المرة عن طريق أحد أذرع أو وكلاء إيران في المنطقة، جماعة الحوثي في اليمن. وقد نتفق أو نختلف مع الطرح الحوثي "الماكيافيللي" بأن تهديدهم لحرية الملاحة البحرية، ولاسيما للسفن الإسرائيلية وسفن الدول الغربية الداعمة لها، في مضيق باب المندب والبحر الأحمر هو نوع من الدعم لأهل غزة الذين كانوا يتعرضون للإبادة الجماعية على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن هذا الطرح هو جوهر منطق البلطجة الدولية. فمن المعروف أنه لا يستقيم دعم قضية عادلة، مهما بلغت درجة عدالتها، بوسائل غير مشروعة، مثل تهديد الأمن البحري وحرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.

وقد انقلب السحر على ساحره، فتعرضت قدرات الحوثيين العسكرية والاقتصادية، بل والسياسية، لتدمير هائل على يد الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرهما. والواقع أن أعمال البلطجة الحوثية في المياه الدولية جنوب وشرق الجزيرة العربية لا تختلف كثيراً عن أعمال القرصنة البحرية التي تزعمها القراصنة الصوماليون من قبل في المحيط الهندي وبحر العرب، الأمر الذي أفضى إلى النتيجة المحتومة: زيادة عسكرة المياه الدولية في المنطقة، حيث تداعت الدول والمنظمات الدولية إلى حماية الأمن البحري وحرية الملاحة بالأساطيل المسلحة.

ومن قديم، وإيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة البحرية في الخليج العربي بألغامها وقواربها السريعة وصواريخها البالستية. ثم جاءت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران، برغم إدانتها من دول الخليج العربية، لتقدم مسوغاً للجمهورية الإسلامية لتنفيذ تهديداتها، والإضرار باقتصادات جيرانها. والأهم من ذلك، تبخر التعاطف الخليجي مع "الجيران الأعزاء" على الضفة الأخرى من الخليج العربي. وكأن إيران بعقليتها المأزومة تندفع نحو الانتحار الاستراتيجي متكامل الأركان، فالموقف الخليجي تجاه إيران أصبح يعبر عن عداء كامن قد ينفجر في أي لحظة بعد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة بالصواريخ والمسيرات على مرافقها المدنية والعسكرية، برغم ثبات دول مجلس التعاون الخليجي على موقفها بعدم السماح باستخدام أراضيها أو مياهها الإقليمية أو أجوائها في الهجوم على إيران.

ومن الأمور المفارقة للمنطق والواقع، وكدت أقول: من الأمور المجنونة أن يكون حق الجيرة إصابة الجيران من دول الخليج بنحو 85% من الصواريخ البالستية والجوالة والطائرات المسيرة التي أطلقتها الجمهورية الإسلامية منذ 28 فبراير المنصرم! والحقيقة، كما يؤكد أنور قرقاش، فإن الهجمات الإيرانية الغاشمة أحدثت تحولاً واضحاً في منظومة الأمن الخليجي مع تعزيز القدرات الوطنية والتعاون المشترك. كما أن التصعيد الإيراني يدفع نحو تعميق الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة وترسيخ استقلالية أمن الخليج. ومن اللازم البحث عن حلول طويلة المدى تكبح التهديدات (الصواريخ، المسيّرات، ومضيق هرمز) ومنع تحولها إلى تهديد دائم.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن