يتبيّن يومياً، في ظلّ تطورات الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران، أنّ الموقف الأردني الحذر من النظام القائم في إيران كان دائماً في محله. هذا الموقف الأردني معتمد منذ اللحظـة الأولى لقيام "الجمهوريّة الإسلامية" في إيران. في الواقع، كانت المملكة الأردنيّة الهاشمية معنيّة، طوال 47 عاماً، بهذا الحدث الكبير الذي كانت له انعكاساته على المنطقة كلّها. لم يكن سهلاً تجاهل أن الشعار الذي رفعته "الجمهوريّة الإسلاميّة"، منذ اليوم الأوّل لقيامها، كان "تصدير الثورة".
لم يكن مؤسس "الجمهوريّة الإسلامية"، يرى حدوداً جغرافيّة لتلك الجمهوريّة. أراد أن تمتد ثورته إلى دول المنطقة، في مقدّمها العراق، وتكمن المفارقة في أنّ الحلم الذي أراد مؤسس "الجمهوريّة الإسلامية" تحقيقه في العراق، تحقّق في العام 2003 على يد الأميركيين الذين اعتمدوا بدورهم، في عهد جورج بوش الابن، النظرية الإيرانية القائلة بضرورة تغيير مسار الحكم في العراق.
أخذت العنجهية والجهل في السياسة والتوازنات الإقليميّة والدوليّة صدام حسين إلى اجتياح الكويت صيف 1990. يمكن اعتبار الاحتلال العراقي للكويت، الذي استمرّ أقل من سبعة أشهر بقليل، خطوة على طريق إعادة تأهيل "الجمهوريّة الإسلاميّة" بدل استمرار السعي إلى جعلها تواجه جبهة خليجيّة موحّدة مدعومة من دول عربيّة مثل الأردن.
لعبت المملكة الأردنيّة، دوراً في جعل العراق يصمد في وجه الهجمة الإيرانيّة. أكثر من ذلك، حاول الأردن، إنقاذ ما يمكن إنقاذه في مرحلة ما بعد ارتكاب صدّام حسين، جريمة غزو الكويت وذلك بغض النظر عمّا لحق بالأردن من أضرار وخسائر على غير صعيد.بكلام أوضح، لم يتخلّ الأردن يوماً عن دوره الإقليمي، خصوصاً في مجال اعتماد الحذر تجاه السياسات الإيرانيّة في المنطقة، خصوصاً بعدما قرّر الرئيس جورج بوش الابن تسليم العراق على صحن من فضّة في العام 2003. فعل الرئيس الأميركي ذلك من دون إدراك أو استيعاب لتأثير ذلك على التوازن الإقليمي القائم الذي كان العراق في صلبه ومن ركائزه.
لم تكن الجولة الخليجية الأخيرة التي قام بها الملك عبدالله الثاني، سوى تعبير عن موقف أردني متماسك لم يكن وليد البارحة. التقى العاهل الأردني الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، في أبوظبي ثم أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد، في الدوحة. انتقل بعد ذلك إلى المنامة للقاء ملك البحرين حمد بن عيسى.
اللافت أنّ الجولة جاءت في وقت كانت الصواريخ والمسيرات الإيرانيّة تستهدف ثلاث دول مسالمة لديها علاقة تاريخيّة، ذات طابع سياسي وأمني وعسكري، مع الأردن. أظهر العاهل الأردني شجاعة كبيرة في ذهابه إلى أبوظبي والدوحة والمنامة لتأكيد أنّ تضامن المملكة الهاشمية مع الدول الثلاث، ليس تضامناً بالكلام فقط، بل هو تضامن بالأفعال أيضاً.
ليس سرّاً أن المملكة الأردنيّة تتعرّض بدورها لاعتداءات إيرانية لا مبرّر لها. كلّ ما في الأمر أن إيران تعتبر أنّ توسيع الحرب يصبّ في مصلحتها. ليست الاعتداءات على دول المنطقة، بما في ذلك سلطنة عُمان، التي سعت منذ البداية إلى منع الحرب سوى دليل على إفلاس إيراني ليس بعده إفلاس. أين المنطق في توسيع الحرب، وهو توسيع جعل دول الخليج العربي تباشر في توجيه التحذيرات إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة"؟ هذا ما فعلت المملكة العربيّة السعوديّة بإبعادها لدبلوماسيين إيرانيين. تدفع إيران، من حيث تدري أو لا تدري، الدول العربية الخليجية إلى مزيد من التعاون في ما بينها وإلى تنسيق أعمق مع الأردن الذي كان حاضراً دائماً على كلّ صعيد في شأن ما يتعلّق بالأمن الخليجي...
لم تكن الجولة الخليجية الأخيرة لعبدالله الثاني، سوى استكمال لسياسة أردنية ثابتة قامت على اعتماد الحذر في التعاطي مع إيران ما بعد إطاحة الشاه. كشفت الأحداث، مدى صواب السياسة التي اعتمدها الأردن. كشفت أنّ الحذر في التعاطي مع إيران واجب. لم يتغيّر شيء منذ قيام "الجمهوريّة الإسلاميّة" في 1979 وصولاً إلى حرب 2026. بدوره، لم يتغيّر الأردن ولا يزال عمقاً للخليج العربي في حرب اطلقت فيها إيران صواريخ ومسيرات على دول مجلس التعاون أكثر بكثير مما أطلقته على إسرائيل...
أيا تكن نتائج الحرب الدائرة حالياً، ستكون حاجة إلى تعزيز التنسيق بين دول المنطقة، بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة من جهة والأردن من جهة أخرى، خصوصاً أن ليس ما يضمن عودة إيران إلى دولة طبيعية على الرغم من تقليم أظفارها إلى حدّ كبير. لا بديل من استمرار الحذر العربي، على الطريقة الأردنيّة، في غياب القدرة على التكهن بتصرفات رئيس مثل دونالد ترامب، يتميّز خطابه السياسي بمقدار كبير من التهور أحياناً والفهم العميق للسياسة الإيرانية وتاريخها ومدى خطورتها على الأمن الإقليمي والدولي في أحيان أخرى...
(الراي الكويتية)

