الْمَسارُ الذي بَدَأَ بِاحْتِمالاتٍ وَتَوَقُّعات، انْتَهى إلى أَضْرارٍ مُتَحَقِّقَةٍ وَمُتَزامِنَة، بِما يَضَعُنا عَمَلِيًّا في إِطارِ إِدارَةِ أَزْماتٍ مُتَّصِلَة، لا إِدارَةِ مَخاطِرَ ناشِئَةٍ عَنْ صَدْماتٍ مُحْتَمَلَة. وَهِيَ الحالُ ذاتُها التي أَخَذَتْ تَتَبَلْوَرُ تَدْريجِيًّا مُنْذُ جائِحَةِ كورونا في 2020، مُرورًا بِاخْتِناقاتِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ وَالحَرْبِ في أوكْرانْيا ثُمَّ غَزَّة، وُصولًا إلى هَذِهِ الحَرْبِ التي تَدْفَعُ المِنْطِقَة - وَمَعَها الاِقْتِصادُ العالَمِيّ - إلى ذُرْوَةِ تَداخُلِ الأَزْماتِ وَتَراكُمِها.
هَذا التَّحَوُّلُ مِنْ "إِعادَةِ تَشْكيلِ الْمَخاطِرِ" إلى "إِدارَةِ الأَزَماتِ المُتَّصِلَة"، يَنْعَكِسُ مُباشَرَةً على أَدَواتِ السِّياساتِ ذاتِها. فَإِدارَةُ الْمَخاطِرِ تَفْتَرِضُ الاِسْتِعْدادَ لِما قَدْ يَحْدُث، وَتَعْمَلُ على تَسْعيرِ الاِحْتِمالاتِ وَبِناءِ هَوامِشِ أَمان. بَيْنَما إِدارَةُ الأَزْماتِ تَتَطَلَّبُ التَّعامُلَ مَعَ واقِعٍ قائِمٍ مِنَ الاِخْتِلالات، غالِبًا في ظِلِّ ضيقِ الوَقْتِ وَارْتِفاعِ التَّكْلِفَةِ وَتَراكُمِ الضُّغوط.
الخطر أصبح واقعًا مُتحقّقًا تتعامل معه الأسواق كأزمة إمداد فعلية
وَفي هَذا الإِطار، تُمَثِّلُ الحَرْبُ بَيْنَ إيرانَ وَإِسْرائيل - وَما امْتَدَّ إِلَيْها مِنِ انْخِراطٍ أَميرْكِيٍّ وَتَوَتُّراتٍ خَليجِيَّة - حَلْقَةً جَديدَةً في سِلْسِلَةِ الأَزْماتِ المُتَّصِلَة، حَيْثُ تَتَداخَلُ الصَّدماتُ وَتَتَعاظَمُ آثارُها التَّراكُمِيَّة، لِتَخْلُقَ بيئَةً شَديدَةَ الهَشاشَةِ لا يُمْكِنُ فَهْمُها إِلّا مِنْ خِلالِ تَفاعُلِ عَناصِرِها، لا بِمَعْزِلٍ عَنْها.
يَتَجَلّى هَذا التَّطَوُّرُ بِوُضوحٍ في مَضيقِ هُرْمُز، الذي تَجاوَزَ في هَذِهِ المَرْحَلَةِ كَوْنَهُ مُجَرَّدَ نُقْطَةِ اخْتِناقٍ مُحْتَمَلَةٍ أَوْ عامِلًا مِنْ عَوامِلِ "اقْتِصادِ المَضايِق"، لِيَغْدُوَ ساحَةَ أَزْمَةٍ فِعْلِيَّةٍ تُعَطِّلُ تَدَفُّقاتِ الطّاقَة. فَالتَّراجُعُ الْحادُّ في حَرَكَةِ النّاقِلات - مِنْ 138 سَفينَةً يَوْمِيًّا قَبْلَ الحَرْبِ إلى أَقَلَّ مِنْ 10 حالِيًّا - وَارْتِفاعُ أَقْساطِ التَّأْمين، وَتَكَدُّسُ السُّفُنِ على جانِبَيِ المَضيق، كُلُّها دَلائِلُ على أَنَّ الخَطَرَ لَمْ يَعُدْ يُتَداوَلُ بِوَصْفِهِ احْتِمالًا يُضافُ إِلَيْهِ عَلاوَةُ مَخاطِر، بَلْ أَصْبَحَ واقِعًا مُتَحَقِّقًا تَتَعامَلُ مَعَهُ الأَسْواقُ يَوْمِيًّا كَأَزْمَةِ إِمْدادٍ فِعْلِيَّة. وَمِنْ ثَمَّ، لَمْ يَعُدِ السُّؤالُ المَطْروح: ماذا لَوْ أُغْلِقَ المَضيق؟ بَلْ: كَيْفَ يُمْكِنُ التَّكَيُّفُ مَعَ تَداعِياتِ تَعَطُّلِه، جُزْئِيًّا كانَ أَوْ كُلِّيًّا، وَإِعادَةُ هَيْكَلَةِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ في ظِلِّ هَذا المُسْتَوى غَيْرِ الْمَسْبوقِ مِنَ الاِضْطِراب؟ وَهُوَ سُؤالٌ يُعيدُ تَشْكيلَ قَراراتِ الإِنْتاجِ وَالاِسْتِثْمارِ عالَمِيًّا، وَيَدْفَعُ الشَّرِكاتِ إلى المُفاضَلَةِ بَيْنَ الكَفاءَةِ وَالتَّأْمين، حَيْثُ تَتَقَدَّمُ اعْتِباراتُ الصُّمودِ على اعْتِباراتِ التَّكْلِفَة.
وَيَمْتَدُّ هَذَا المَنْطِقُ إلى مَضيقِ بابِ المَنْدَب، حَيْثُ تَتَكامَلُ بُؤَرُ التَّوَتُّرِ لِتُشَكِّلَ شَبَكَةً مِنَ الأَزْماتِ البَحْرِيَّةِ المُتَزامِنَة. فَمُنْذُ انْدِلاعِ الحَرْب، لَمْ تَعُدِ المَخاطِرُ فيها سينارْيو افْتِراضِيًّا، بَلْ عُنْصُرًا يَوْمِيًّا في حِساباتِ شَرِكاتِ النَّقْلِ وَالتِّجارَة. وَمَعَ تَزايُدِ الْمَخاطِرِ في هَذا المَمَرّ، تَتَعَطَّلُ سَلاسِلُ الإِمْداد، وَتَرْتَفِعُ تَكاليفُ النَّقْل، وَتَظْهَرُ مَوْجَةٌ مِنْ "التَّضَخُّمِ اللَّوجيستِيِّ" الذي يَعْكِسُ كُلْفَةَ الأَزْمَةِ لا كُلْفَةَ الإِنْتاج. وَهَكَذا، يُصْبِحُ الاِقْتِصادُ العالَمِيُّ رَهِينَةً لِمَمَرّاتٍ مائِيَّةٍ مَحْدودَة، تَتَحَوَّلُ مِنْ شَرايينَ لِلتِّجارَةِ إلى نُقاطِ ضَغْطٍ جِيوسِياسِيّ، حَيْثُ تُعادُ تَسْعيرُ المَسافَةِ ذاتِها في التِّجارَةِ العالَمِيَّة: كَمْ يُكَلِّفُ أَنْ تَنْتَقِلَ السِّلْعَةُ في عالَمٍ مَحْفوفٍ بِالمَخاطِر؟.
المطلوب عربيًا تطوير قدرة مؤسّسية على إدارة الأزمات المتصلة بما يشمل تكامل الأدوات النقدية والمالية
انْتَقَلَتْ أَسْواقُ الطّاقَةِ مِنْ "عَلاوَةِ المَخاطِرِ" إلى "صَدْمَةِ عَرْضٍ فِعْلِيَّةٍ" مَعَ تَعَطُّلِ المُنْشَآتِ وَتَوَقُّفِ الصّادِرات، ما أَدّى إلى ارْتِفاعِ الأَسْعارِ بِأَكْثَرَ مِنْ 60% وَتَجاوُزِ خام بْرِنت 118 دولارًا لِلْبِرْميل، وَهُوَ ما غَذّى التَّضَخُّمَ خاصَّةً في الدُّوَلِ المُسْتَوْرِدَة. كَما تَطَوَّرَتِ الأَزْمَةُ مِنْ ثُلاثِيَّةِ (الطّاقَة - التَّضَخُّم - الدَّيْن) إلى مُعادَلَةٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا مَعَ تَصاعُدِ الإِنْفاقِ العَسْكَرِيّ، بِما يُزاحِمُ الإِنْفاقَ التَّنْمَوِيَّ وَيَضْغَطُ على الْمالِيَّةِ الْعامَّةِ في ظِلِّ فائِدَةٍ مُرْتَفِعَة.
وَتَتَجَسَّدُ بِذَلِكَ "الأَزْماتُ المُتَّصِلَة": صَدْمَةُ طاقَةٍ تَرْفَعُ الأَسْعارَ وَالعَجْز، وَتَشْديدٌ نَقْدِيٌّ يُبْطِئُ النُّمُوَّ وَيَرْفَعُ كُلْفَةَ الدَّيْن، وَإِنْفاقٌ دِفاعِيٌّ يُقَلِّصُ الحَيِّزَ المالِيّ، في حَلْقَةِ ضُغوطٍ مُتَراكِمَة. وَفي المُقابِل، يَتَحَوَّلُ الاِقْتِصادُ العالَمِيُّ نَحْوَ "مُرونَةٍ مُكْلِفَة" عَبْرَ تَنْويعِ الإِمْداداتِ وَبِناءِ المَخْزونات، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الكَفاءَةُ وَحْدَها كافِيَة.
بِالنِّسْبَةِ لِلْعالَمِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ هَذَا الواقِعَ يَفْرِضُ إِعادَةَ صِياغَةِ أَوْلَوِيّاتِ السِّياساتِ الاِقْتِصادِيَّةِ على نَحْوٍ جَذْرِيّ. فَلَمْ يَعُدْ كافِيًا بِناءُ احْتِياطِيّاتٍ أَوْ إِدارَةُ عَجْز، بَلْ أَصْبَحَ الْمَطْلوبُ هُوَ تَطْويرَ قُدْرَةٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ على إِدارَةِ الأَزْماتِ المُتَّصِلَة، بِما يَشْمَلُ سُرْعَةَ الاِسْتِجابَة، وَمُرونَةَ السِّياسات، وَتَكامُلَ الأَدَواتِ النَّقْدِيَّةِ وَالْمالِيَّة. كَما يَبْرُزُ هُنا دَوْرُ إِدارَةِ المَوارِدِ الحَرِجَة، سَواءٌ في الطّاقَةِ أَوِ الغِذاءِ أَوْ سَلاسِلِ الإِمْداد، بِوَصْفِها امْتِدادًا مُباشَرًا لِلأَمْنِ القَوْمِيّ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ زاوِيَةِ تَوافُرِها، بَلْ مِنْ زاوِيَةِ التَّحَكُّمِ في تَدَفُّقِها وَاسْتِدامَتِها تَحْتَ الصَّدْمَة.
لم يعد التحدي في توقُّع الأزمات بل في إدارتها وهي تتداخل وتتجدّد
لَمْ تَعُدْ قُوَّةُ الدُّوَلِ تُقاسُ بِحَجْمِ الاِحْتِياطِيّاتِ فَقَط، بَلْ بِقُدْرَتِها على إِدارَةِ أَمْنِها الاِقْتِصادِيِّ عَبْرَ تَنْويعِ المَصادِر، وَبِناءِ مَخْزوناتٍ مَرِنَة، وَتَحْسينِ البُنْيَةِ اللَّوجيستِيَّة، وَتَأْمينِ سَلاسِلِ الإِمْداد، إلى جانِبِ اسْتِخْدامِ أَدَواتِ التَّحَوُّطِ وَتَسْريعِ التَّحَوُّلِ الطّاقِيِّ وَتَعْزيزِ الإِنْتاجِ المَحَلِّيّ. وَقَدْ أَصْبَحَتْ سِياساتُ كَفاءَةِ الطّاقَةِ وَتَقْليلِ الْفاقِدِ وَتَوْطينِ الصِّناعَةِ ضَروراتٍ سِيادِيَّة، لأَنَّ أَيَّ خَلَلٍ فيها يُهَدِّدُ الاِسْتِقْرارَ الاِقْتِصادِيَّ وَالاِجْتِماعِيَّ، بَلْ وَالأَمْنَ القَوْمِيّ.
خِتامًا، يُؤَكِّدُ الواقِعُ الحالِيُّ الاِنْتِقالَ مِنْ مَرْحَلَةِ "إِعادَةِ تَشْكيلِ المَخاطِرِ" إلى مَرْحَلَةٍ أَخْطَرَ هِيَ "الأَزْماتُ المُتَّصِلَة"، حَيْثُ تَحَوَّلَتِ السّينارْيُوَاتُ المُحْتَمَلَةُ إلى اخْتِناقاتٍ فِعْلِيَّة، وَحَلَّتِ الصَّدماتُ الْحَقيقِيَّةُ مَحَلَّ عَلاواتِ المَخاطِر. في هَذِهِ المَرْحَلَة، لَمْ يَعُدِ التَّحَدّي في تَوَقُّعِ الأَزْمات، بَلْ في إِدارَتِها وَهِيَ تَتَداخَلُ وَتَتَجَدَّد. وَيَتَحَدَّدُ تَفاضُلُ الاِقْتِصاداتِ بِقُدْرَتِها على التَّعايُشِ مَعَ الصَّدماتِ الحَتْمِيَّةِ وَإِعادَةِ التَّوازُنِ في عالَمٍ باتَ الاِسْتِقْرارُ فيهِ اسْتِثْناءً. وَيَبْقى السُّؤالُ الجَوْهَرِيّ: كَيْفَ نُحَوِّلُ هَذِهِ الصَّدْمَةَ إلى فُرْصَةٍ لإِعادَةِ بِناءِ نَموذَجٍ تَنْمَوِيٍّ أَكْثَرَ صَلابَة، وَنُديرُ الاِخْتِناقاتِ في زَمَنٍ لَمْ تَعُدِ الجُغْرافْيا فيهِ خَلْفِيَّة، بَلْ أَداةَ تَسْعيرٍ وَساحَةَ مَعْرَكَة؟.
(خاص "عروبة 22")

