ماذا لو لم تكن سوريا اليوم محرّرة في ظل التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؟ لا يبدو هذا السؤال افتراضيًا بقدر ما هو مدخل لفهم حجم التحول الإستراتيجي الذي شهدته سوريا وأثّر على المنطقة وتوازناتها خلال الفترة الأخيرة. لو استمر هذا الواقع حتى اليوم، لكانت سوريا في قلب المعركة الحالية، ولتحولت أراضيها إلى ساحة إطلاق للصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة باتجاه الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل، وربما أيضًا باتجاه دول عربية مجاورة وحتى على دول الخليج العربي.
ولتقريب الصورة أكثر، يمكن النظر إلى ما تعانيه إيران اليوم بعد تحرير سوريا، وهو ما اضطر طهران إلى تهديد دمشق، الأسبوع الماضي، عبر بيان نشرته وكالة أنباء فارس الإيرانية ذكرت فيه أنها رصدت "قواعد ومراكز إقامة بديلة للقوات الأجنبية" في سوريا ولبنان والإمارات والبحرين وجيبوتي، واستخدام مواقع داخل دمشق مثل القصر الجمهوري وفندقي فورسيزون وشيرتون، لإيواء مستشارين وخبراء أجانب، بينهم إسرائيليون وأمريكيون، مهددة باستهدافها. هذا الخطاب يعكس بوضوح كيف كانت سوريا ستصبح ساحة مباشرة للحرب الإيرانية الإسرائيلية لو بقيت تحت النفوذ الإيراني، بما يحمله ذلك من مخاطر تصعيد شامل وتدمير واسع.
في مثل هذا السيناريو، كانت إسرائيل ستتعامل مع سوريا كخط مواجهة رئيسي، ما كان سيؤدي إلى ضربات مكثفة للبنية التحتية السورية، كما كانت الولايات المتحدة ستوسع عملياتها داخل الأراضي السورية لتفكيك البنية اللوجستية التي تديرها إيران. إقليميًا، كانت التداعيات ستكون أكثر خطورة، لكن بفضل ثوّار سوريا، فإن الواقع الحالي مختلف، إذ إن تحرير سوريا أعاد دمشق إلى محيطها العربي. ومع ذلك، فإن التهديد لم يختفِ بالكامل، إذ شهدت الأيام الماضية إطلاق قذائف وصواريخ من ميليشيات تابعة، في محاولة لإعادة إدخالها في دائرة الصراع، وهو ما يعكس استمرار أدوات النفوذ الإيراني خارج الحدود.
في هذا السياق، جاء البيان الصادر عن دول الخليج والأردن ليؤكد رفض أي أنشطة تقوم بها ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة في العراق، معتبرًا أنها تهديد مباشر لأمن المنطقة واستقرارها. هذا الموقف يعكس إدراكًا بأن أمن الدول العربية مترابط، وأن أي فراغ تملؤه الميليشيات سيتحول إلى مصدر تهديد عابر للحدود.
وفي موازاة البعد الأمني، برزت أيضًا مؤشرات على بناء علاقات إقليمية أكثر تماسكًا، ففي تصريح لوزير الاتصال الحكومي الأردني محمد المومني، أشار إلى طلب بلاده من سوريا إمكانية استخدام ميناء اللاذقية عند الحاجة، مقابل إتاحة استخدام ميناء العقبة للسوريين، وهذه الإشارة تحمل في طياتها بعدًا إستراتيجيًا، إذ تعكس مستوى من الثقة والتنسيق بين دولتين كانتا قبل تحرير سوريا على طرفي مشهد إقليمي مضطرب.
كما يبرز بعدٌ إستراتيجيٌ آخر في تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك، الذي أشار إلى ضرورة إيجاد بدائل للممرات البحرية التقليدية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، لافتًا إلى أن سوريا يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق عبر مشاريع الأنابيب. هذا الطرح لا يعكس فقط تفكيرًا اقتصاديًا، بل رؤية جيوسياسية أوسع حيث تصبح الجغرافيا السورية جزءًا من معادلة أمن الطاقة العالمي، لا ساحة صراع.
اليوم، تقف سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف قيمتها وإمكانياتها وعلاقاتها، فبدلًا من أن تكون ممرًا للنفوذ الإيراني، تحولت إلى حاجز جغرافي وأمني وسياسي يحدّ من هذا التمدد، ومن خلال إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز تعاونها مع الدول العربية، تستطيع أن تسهم في تشكيل منظومة أمن واقتصاد فاعلة عربيًا وإقليميًا. سوريا اتخذت موقفًا إستراتيجيًا منذ التحرير وهو أن تتحول إلى دولة طبيعية وألا تدخل في صراعات مع دول الجوار، مع تعزيز أمنها الوطني ومراقبة الحدود خصوصًا مع الجار العراقي والجار اللبناني لمنع أي محاولة لتمرير أسلحة من إيران، كما عملت بالتنسيق مع دول الجوار والخليج العربي على تجفيف منابع المخدرات التي كان النظام السابق بالتعاون مع ميليشيات ينشط في إقامة معاملها لإغراق الدول المجاورة بالكبتاجون.
في المحصلة، لم يكن تحرير سوريا مجرد تغيير سياسي داخلي، بل إجهاض لمسار كان سيقود المنطقة إلى حرب مفتوحة يكون ضحيتها السوريون والعرب. دمشق يُعاد بناؤها اليوم كصمام أمان عربي، لتكتب فصلًا جديدًا من توازنات الشرق الأوسط لا تقوم حدوده على النار والحديد، بل على المصالح والاستقرار، والقدرة على وقف التمدد الذي لم ولن يجلب إلا الفوضى والدمار.
(الوطن السعودية)

