لم يعد هناك أملٌ بإنهاء الحرب سوى التفاوض، وهذا الخيار ينجح إذا توافرت الإرادة لدى الطرفين للتوصّل إلى اتفاق. لكن الفجوة الواسعة بين شروطهما، وبين الطموحات والأهداف، لا تترك أي هامشٍ للخطأ في التوقعات. عملت آلة الحرب الإسرائيلية طوال عامين سعياً إلى "نصرٍ" في غزّة، حققت كل أهدافها العسكرية وولغت في وحول "الإبادة" ولم تدرك أياً من أهدافها الرئيسية كإعادة احتلال القطاع، أو غزّة بلا غزّيين، فلم يبقَ لها سوى إفشال "خطة ترامب للسلام" كي تتمكّن من إبقاء احتلالها لجزءٍ من القطاع...
ولأن إيران ليست غزّة، ولا جنوب لبنان، فإن الحرب الأميركية - الإسرائيلية اصطدمت بالواقع. وبمقدار ما بدا أن الضربات الجوية والاختراقات الاستخبارية اقتربت من تحقيق الأهداف القصوى، خصوصاً بعد "قطع رأس القيادة" الإيرانية، بمقدار ما تكشّف أن نظام طهران استعدّ لكل الاحتمالات، لكن بقي أسوأ الأسوأ: ضرب محطات الكهرباء، أو الاستيلاء على منشآت الطاقة بعمليةٍ بريةٍ في جزيرة خرج.
قبل أن يُرجئ الرئيس الأميركي تنفيذ إنذار الـ 48 ساعة ليمنح التفاوض فرصةً ثالثةً (بعد حزيران/ يونيو 2025، وشباط/ فبراير 2026)، كرّر بشكلٍ يومي أن "الحرب انتهت عملياً"، لكنه تجنّب الإعلان "الرسمي" أن الولايات المتحدة انتصرت في هذه الحرب. أما حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي فكان أكثر وضوحاً بإعلان "الانتصار" ووضعه في سياق توراتي- تاريخي، وآخر "مستقبلي" عنى به أن إسرائيل غيّرت وجه الشرق الأوسط وستقوده، بعدما تمكّنت من هزيمة إيران.
لكن "المنتصرَين"، دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، لم يتلقيا بعد "صك الاستسلام" الإيراني، وبالتالي فإن الحرب لم تنتهِ. على العكس، تعالت الانتقادات في واشنطن (رافضةً إدارة الحرب والتخطيط لها والذهاب إليها "من أجل إسرائيل")، وكذلك في إسرائيل (معتبرةً أن وقف الحرب الآن سيمكّن النظام الإيراني من إعلان "انتصاره" على رغم كل ما تعرّض له)... إذاً، لا بد من الاستمرار في الحرب، وطالما أن شهراً كاملاً من الضربات الجوية لم يكن حاسماً، فقد تحتم الارتقاء الى درجةٍ أعلى من الأسلحة والتكتيكات.
قبل الجولة التالية، التي يُفترض أن تكون الأخيرة، لا بد من المرور بـ"جولةٍ تفاوضية" (قد تحصل في إسلام آباد) لأهدافٍ أربعة: أولاً، منح إيران فرصةً ديبلوماسيةً "أخيرة" لقبول شروط إنهاء الحرب، والأرجح أنها لن تفعل. ثانياً، إثبات عدوانية إيران وإرهاب اعتداءاتها على دول الجوار الخليجي. ثالثاً، تأكيد أنها مصدر تهديدٍ لـ"السلام العالمي" ببرنامجيها النووي والصاروخي وبأذرعها الإقليمية التي تعبث بالاستقرار الهش في العراق ولبنان واليمن. وبالتالي، رابعاً، تبرير التصعيد الآتي للعمليات القتالية وسيلةً وحيدةً لإنهاء الحرب وتجنّب أزمةٍ اقتصاديةٍ عالمية.
لكن، لا بدّ من التذكير بأن التفاوض في الجولتين السابقتين فشل أو أُفشل، إذ دار حول "شروط استسلامٍ" حدّدتها واشنطن وتمسّكت بها، وانتهى الجانب الإيراني إلى رفضها، لأن قبولها يفضي عملياً الى "تغيير النظام". واقعياً، تُعتبر هذه الشروط نسخةً أكثر تشدّداً مما طُرح عام 2018 بعد انسحاب أميركا- ترامب من اتفاق 2015 النووي والسعي إلى اتفاقٍ جديد. الفارق هذه المرة أنها تُملى على إيران وأذرعها وهما أقلّ قوّةً وقدرةً مما كانتا عليه.
يعتقد ترامب وفريقه أن الواقع الجديد الذي فرضته الحرب أفقد إيران فرصة استنقاذ نفسها باستخدام ترساناتها ووكلائها، ولا داعي لمساعدتها، لذلك يُفسّر الذهاب إلى التفاوض بأنه فرصة لتفادي دفع الأوضاع إلى فوضى عامة داخل إيران. لم تشهد طهران طوال الحرب أي تضامنٍ دولي أو إقليمي معها، وحتى الأطراف التي رفضت الحرب "لعدم ارتكازها إلى القانون الدولي"، أو توسطت لنقل رسائل بينها وبين واشنطن لم تبلغ حد استعداء الولايات المتحدة من أجلها. لم يتضامن مع إيران سوى الميليشيات التي سلّحتها وموّلتها وباتت عبئاً داخلياً تطمح بلدانها وشعوبها للتخلّص منه. لذلك ضمّنت طهران للمرة الأولى "وقف العدوان على جماعات المقاومة" في شروطها الخمسة لإنهاء الحرب، لكن حتى لو نجحت المفاوضات فإنها لن تنقذ تلك الميليشيات.
تبدو خريطة الطريق واضحة في توجّهها إلى عملياتٍ برّيةٍ للسيطرة على جزر خرج أو لارك أو أبو موسى، أو على الساحل الإيراني، فواشنطن لا تحرّك آلاف الجنود الأميركيين من أماكن انتشارهم إلا للحاجة إليهم. لكن هل ينجزون المهمة بسرعةٍ ليقفلوا عائدين إلى مراكزهم، وهل يستطيعون فتح مضيق هرمز وتأمينه؟ نجحت إيران في استجلابهم إذ استخدمت ورقة إغلاق هذا المضيق لإطالة الحرب وزيادة تكلفتها ومفاقمة أزمة الطاقة، ومع استعدادها لإغلاق باب المندب عبر الحوثيين قد تتسبب باستدعاء مزيدٍ من القوات البرّية، وفي مواجهة هذا التطوّر لوّحت أيضاً بأن لديها جيشاً من "الانتحاريين". قد لا يغيّر هؤلاء مسار الحرب لكنهم يطيلونها، في تكرارٍ لتجربة العراق.
(النهار اللبنانية)

