تقدير موقف

لَنْ تَرْبَحَ أَميرْكا مِنَ "اللّانِظام"!

عَبْرَ ثَمانِيَةِ عُقودٍ مَضَت، تَمَتَّعَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ بِالنُّفوذِ الأَكْبَرِ في كُلِّ مُؤَسَّساتِ النِّظامِ العالَمِيِّ القائِم، أَخَذَتْ كُلَّ الحُقوقِ والتَزَمَتْ بِبَعْضِ الواجِبات، فَرَضَتْ إِرادَتَها على الآخَرينَ بِالإِرْغامِ أَوْ بِالإِغْواء، ولَكِنْ مِنْ داخِلِ قَواعِدَ لَمْ تَتَنَكَّرْ صَراحَةً لِوُجودِها، ولَمْ تَتَصَرَّفْ بِأُحادِيَّةٍ فَجَّةٍ تَكْسِرُها. ولَعَلَّنا نَذْكُرُ كَيْفَ جَرَتْ وَقائِعُ العُدْوانِ على العِراقِ مَطْلَعَ القَرْنِ بِمُبَرِّراتٍ كاذِبَة، لَكِنْ مِنْ خِلالِ تَشْغيلٍ شَكْلِيٍّ لِتِلْكَ القَواعِدِ انْتَهى بِإِصْدارِ قَرارٍ مِنْ مَجْلِسِ الأَمْنِ يُشَرِّعُ لِلْعُدْوان. أَمّا اليَوْم، فَلَمْ تَعُدْ تَكْتَفي بِمُمارَسَةِ النُّفوذِ عَبْرَ القَواعِد، بَلْ باتَتْ تَتَصَرَّفُ خارِجَها، وتَمْنَحُ نَفْسَها أَحْيانًا الحَقَّ في تَفْسيرِها وأَحْيانًا اخْتِراعِها، مُفْتَرِضَةً أَنَّ تَفَوُّقَها العَسْكَرِيَّ الطّاغِيَ يَصْلُحُ مَنْبَعًا لِلْحُقوقِ وبَديلًا لِلْقَوانين، فَأَسْقَطَتْ كُلَّ القَواعِدِ لِيُسْقِطَ عَنْها العالَمُ جُلَّ الأَقْنِعَة.

لَنْ تَرْبَحَ أَميرْكا مِنَ

لَنْ نَتَحَدَّثَ هُنا عَنْ جَدْوى القَواعِد، على الرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّتِها الشَّديدَة، ولا عَنْ غِيابِ العَدالَةِ على الرَّغْمِ مِنْ أَوْلَوِيَّتِها المُطْلَقَة، بَلْ سَنَطْرَحُ سُؤَالًا عَمَلِيًّا وهُوَ: هَلْ تَسْتَطيعُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ أَنْ تَكْسَبَ في نِظامٍ عالَمِيٍّ بِلا قَواعِدَ أَكْثَرَ مِمّا كَسَبَتْهُ بِالفِعْلِ مِنَ النِّظامِ المُؤَسَّسِ على قَواعِد، حَسْبَما يَرى الرَّئيسُ دونالد ترامب؟.

لَقَدْ أَدْرَكَ ترامب أَنَّ بِلادَهُ باتَتْ عاجِزَةً عَنْ مُواجَهَةِ الصُّعودِ الصّينِيِّ مِنْ داخِلِ النِّظامِ القائِمِ بِكُلِّ ما يَفْرِضُهُ مِنْ ضَوابِطَ وقُيود، ولِذَا قَرَّرَ أَنْ يَهْدِمَهُ كَيْ يَحْرِمَ الصّينَ مِنَ السُّلَّمِ الذي صَعِدَتْ عَلَيْه، مُتَوَهِّمًا أَنَّ تَكْلُفَةَ هَدْمِ النِّظامِ القائِمِ وإِعادَةِ بِنائِهِ أَقَلُّ مِنْ تَكْلُفَةِ مُزاحَمَةِ الصّينِ لِأَميرْكا على قِمَّتِه.

سوف تكتشف أميركا أنّ انتصاراتها الصغيرة لن تُحقّق لها العوائد التي تُنقذها من أزمة ديونها

يَتَصَوَّرُ ترامب أَنَّ أَميرْكا قادِرَةٌ على الجَمْعِ بَيْنَ النِّظامِ وبَيْنَ الفَوْضى، أَيْ على بِناءِ نِظامٍ جَديد، قابِلٍ لِلاسْتِمْرار، لَكِنْ مِنْ دونِ أَنْ تَخْضَعَ هِيَ لِأَيِّ قَواعِدَ واضِحَةٍ كَتِلْكَ التي حَكَمَتْ عَمَلَ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ بِكُلِّ وِكالاتِها وهَيْئاتِها، أَوْ مَرْجِعِيّاتٍ إِنْسانِيَّةٍ عامَّةٍ كَتِلْكَ المُؤَسَّسَةِ على مَفْهومِ السِّيادَةِ الوَطَنِيَّةِ واحْتِرامِ الحُدودِ الدَّوْلِيَّة، وتَجْريمِ فِكْرَةِ الحَرْب، وأَوْلَوِيَّةِ القانونِ الدَّوْلِيِّ الإِنْسانِي. كَما يَتَوَهَّمُ أَنَّ القُوى المُناوِئَةَ لِأَميرْكا سَوْفَ تَقْبَلُ بِاسْتِمْرارِ حُرِّيَّتِها المُطْلَقَةِ في التَّعاطي مَعَ القَضايا العالَمِيَّةِ خارِجَ أَيِّ حُدودٍ مَرْعِيَّةٍ أَوْ أُطُرٍ مَرْجِعِيَّة، اللَّهُمَّ سِوى حُدودِ قُوَّتِها العَسْكَرِيَّة، ومَرْجِعِيَّةِ أَخْلاقِهِ هُوَ الشَّخْصِيَّة.

هُنا مَكْمَنُ الخَطَأِ القاتِل، الذي يُهَدِّدُ مُسْتَقْبَلَ عالَمِنا. فَالصّينُ التي اسْتَطاعَتْ مُزاحَمَةَ أَميرْكا مِنْ داخِلِ النِّظامِ الرّاهِن، تَسْتَطيعُ أَنْ تُزاحِمَها مِنْ داخِلِ النِّظامِ الجَديد، وأَنْ تُساوِمَها حَوْلَ قَواعِدِه، لِأَنَّها صَعِدَتْ بِالفِعْلِ إلى أَعْلى دَرَجاتِ السُّلَّم، وصارَ بِمَقْدورِها رَفْضَ الخُضوعِ لِأَيِّ قَواعِدَ لا تَراها عادِلَة.

قَدْ تَبْدو الوِلاياتُ المُتَّحِدَة، في عالَمٍ بِلا قَواعِد، مُنْتَصِرَةً ولَوْ لِفَتْرَةٍ قَصيرَة، تَكْسَبُ خِلالَها بَعْضَ الصِّراعاتِ المَحْدودَةِ مِنْ دونِ تَكْلُفَة، كَحالَةِ فِنِزْويِلا، أَوْ بِتَكْلُفَةٍ يُمْكِنُ احْتِمالُها كَما تَتَوَهَّمُ في المُواجَهَةِ الحالِيَّةِ مَعَ إيران، لَكِنَّها سَوْفَ تَكْتَشِف، وتِلْكَ مُفارَقَة، أَنَّ انْتِصاراتِها الصَّغيرَةَ تَظَلُّ قَليلَةَ الجَدْوى، ولَنْ تُحَقِّقَ لَها العَوائِدَ التي تُنْقِذُها مِنْ أَزْمَةِ دُيونِها، وأَنَّ تَحْقيقَ عَوائِدَ كَبيرَةٍ يَقْتَضي الدُّخولَ في صِراعاتٍ كَبيرَةٍ عَبْرَ نِطاقٍ جُغْرافِيٍّ واسِع، وأَنَّ الثَّمَنَ المُتَرَتِّبَ على ذَلِكَ يَجْعَلُ العائِدَ غَيْرَ مُجْدٍ.

في النظام عديم القواعد يتحوّل العالم إلى مناطق نفوذ

أَمّا الِاكْتِشافُ الأَكْثَرُ مَرارَةً فَهُوَ أَنَّ الصّينَ سَتَظَلُّ قادِرَةً مِنْ داخِلِ هَذَا النِّظامِ عَديمِ القَواعِدِ على خَوْضِ الصِّراعاتِ الصَّغيرَةِ نَفْسِها التي تَخوضُها، والحُصولِ مِنْها أَيْضًا على مَكاسِبَ تُوازي مَكاسِبَها، ما يَحولُ دونَ أَنْ تُحَقِّقَ أَميرْكا أَيَّ قيمَةٍ مُضافَةٍ على حِسابِها، وعِنْدَها يَتَحَوَّلُ العالَمُ إلى مَناطِقِ نُفوذ، فَتَتَصَرَّفُ الصّينُ بِحُرِّيَّةٍ في شَرْقِ آسْيا، والهِندُ في جَنوبِها، وروسْيا في القَلْبِ الأوراسِيّ، والبَرازيلُ في أَميرْكا اللّاتينِيَّة... إِلَخ.

في تِلْكَ اللَّحْظَةِ الفارِقَة، سَيَتَعَيَّنُ على أَميرْكا الِاخْتِيارُ بَيْنَ مَسارَيْن:

أَوَّلُهُما التَّراجُعُ إلى الخَلْف، أَيْ مُحاوَلَةُ تَبْريدِ الصِّراعِ العالَمِيّ، والعَوْدَةُ إلى ما تَبَقّى مِنْ مُؤَسَّساتِ الأُمَمِ المُتَّحِدَة، وهُوَ خِيارٌ سَتَدْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلِيًّا قِيادَةٌ أَميرْكِيَّةٌ جَديدَةٌ أَكْثَرُ خِبْرَةً وكَفاءَةً ومَسْؤولِيَّةً تُجاهَ العالَم، ولَنْ يَجْرِيَ الِاعْتِرافُ بِهِ نَظَرِيًّا إِلّا بَعْدَ الخَلاصِ مِنْ إِرْثِ ترامب الثَّقيل.

وثانيهما الهُروبُ إلى الأَمام، عَنْ طَريقِ خَوْضِ صِراعاتٍ أَكْبَرَ وحُروبٍ أَشْرَس، لِإِجْبارِ القُوى الكُبْرى المُناوِئَةِ على احْتِرامِ القَواعِدِ الجَديدَةِ التي انْفَرَدَتْ هِيَ بِوَضْعِها، مِنْ دونَ أَنْ تَلْتَزِمَ بِها، أَيْ حِرْمانِها مِنَ التَّحَرُّكِ كَأَقْطابٍ في مَجالاتِها الحَيَوِيَّة. وهُنا يَبْدو الصِّراعُ المُباشِرُ مَعَ الصّينِ بِالذّات، مُرَجَّحًا بِشِدَّةٍ حَوْلَ تايْوان.

الصبن تجمع أوراقها استعدادًا للحظة فارقة ستعيد عالمنا إلى أجواء القَرن التاسع عشر

وعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الصّينَ لَدَيْها مِنَ الحِكْمَةِ ما يَكْفي لِتَأْجيلِ المُواجَهَةِ مَعَ أَميرْكا أَبْعَدَ مَدًى زَمَنِيٍّ مُمْكِن، وهُوَ ما يُفَسِّرُ حِيادَها السَّلْبِيَّ تُجاهَ فِنِزْويلا، والإِيجابِيَّ تُجاهَ إيران، فَالأَغْلَبُ أَنْ تُحارِبَ الصّينُ بِشَراسَةٍ في حالِ انْدَلَعَ صِراعٌ حَوْلَ تايْوان، بَلْ إِنَّ حِيادَها الحالِيَّ رُبَّما يَجِدُ تَفْسيرَهُ في كَوْنِها تَسْتَبْقي قُوَّتَها وتَجْمَعُ أَوْراقَها اسْتِعْدادًا لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ الفارِقَة، التي سَتُعيدُ عالَمَنا إلى أَجْواءِ القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَر، حَيْثُ النِّظامُ الدَّوْلِيُّ مُتَعَدِّدُ الأَقْطاب، المَحْكُومُ فَقَطْ بِتَوازُناتِ القُوَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن