بصمات

هَلْ مِنْ دَوْرٍ لِلمُثَقَّف؟

غابَ أو كادَ أَنْ يَغيبَ النِّقاشُ حَوْلَ دَوْرِ المُثَقَّفِ بِالمُقارَنَةِ مَعَ النِّقاشاتِ الَّتي أُثيرَتْ قَبْلَ نِصْفِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمان. في تِلْكَ الفَتْرَةِ كانَتْ لا تَزالُ التَيّاراتُ السِّياسِيّةُ وَالإيدْيولوجِيّةُ حاضِرَةً مِنْ يَسارِيّةٍ وَليبيرالِيّة، وكانَ المُثَقَّفونَ يُصَنَّفونَ تَبَعًا لِتَوَجُّهاتِهِمُ العَقائِدِيّةِ أَوِ الفِكْرِيّة.

هَلْ مِنْ دَوْرٍ لِلمُثَقَّف؟

يَرْجِعُ انْحِسارُ التَيّاراتِ العَقائِدِيّة، إلى أَسْبابٍ مُتَعَدِّدَة، أَبْرَزُها هُوَ انْحِسارُ الصِّراعِ بَيْنَ العالَمَيْنِ الاشْتِراكِيِّ وَالرَّأْسِمالِيّ، بَعْدَ انهيارِ الاتِّحادِ السّوفْياتِيِّ في نِهايَةِ ثَمانينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، فَأَصْبَحَ التَّنافُسُ العالَمِيُّ يَدورُ حَوْلَ الإِنْتاجِ وَالمَوْقِعِ المالِيِّ لِهذِهِ الدَّوْلَةِ أَوْ تِلْك.

والسَّبَبُ الآخَرُ هُوَ اكْتِمالُ، أَوْ ما يُظَنُّ أَنَّهُ اكْتِمالُ بِناءِ الدَّوْلَةِ بِمُؤَسَّساتِها في المَجالاتِ كافَّة. فَلَمْ يَعُدْ لِلْمُثَقَّفِ الدَّوْرُ الذي كانَ لَهُ في أَطْوارِ بِناءِ الدَّوْلَةِ في العالَمِ العَرَبِيِّ مُنْذُ بِداياتِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر.

أَمّا السَّبَبُ الثّالِثُ فَهُوَ القَمْعُ المَنْهَجِيُّ لِلْمُثَقَّفِ النَّقْدِيِّ وَالمُعْتَرِضِ وصاحِبِ الرَّأْي، إِمّا عَنْ طَريقِ الاحْتِواءِ في مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ أَوْ في الإِقْصاءِ وَالتَّهْميشِ وَالنَّفْيِ الطَّوْعِيِّ أَوِ الإِجْباريِّ أَوِ السِّجْن. وَعلى هَذا النَّحْوِ نَكونُ قَدْ عُدْنا إِلى ما قَبْلَ الحِقْبَةِ الَّتي انْخَرَطَتْ فيها المُجْتَمَعاتُ العَرَبِيّةُ في الحَداثَة.

المثقّف تطوّر دوره مع تطوّر بناء الدولة ومؤسساتها

في الدَّوْلَةِ التَّقْليدِيّةِ السّابِقَةِ لِلْحَداثَة، كانَ "المُتَعَلِّمونَ" أَيِ الذينَ يُحْسِنونَ الكِتابَةَ وَالقِراءَة، وَيُتْقِنونَ نَوْعًا مِنْ أَنْواعِ المَعْرِفَة، يَنْقَسِمونَ إِلى قِسْمَيْن: عُلَماءُ الدّينِ أَوِ الفُقَهاء، وَهُمْ الذينَ يُفَسِّرونَ الشَّريعَة؛ وَالمُدَرِّسونَ الذينَ يُلَقِّنونَ الطَّلَبَةَ عُلومَ الدّينِ وَاللُّغَة. أَمّا القِسْمُ الآخَرُ فَهُمْ الكُتّابُ الذينَ يَعْمَلونَ في إِدارَةِ الدَّوْلَةِ كَمُحاسِبينَ بِالدَّرَجَةِ الأولى، مِنْ دونِ أَنْ يَكونوا جُزْءًا مِنَ السُّلْطَة، حَتّى لَوِ ارْتَفَعَ أَحَدُهُمْ إِلى مَرْتَبَةِ الوِزارَةِ الَّتي تَبْقى حِكْرًا على الحاكِمِ والِيًا أَوْ سُلْطانًا.

وَمَعَ الحَداثَة، ظَهَرَتْ شَخْصِيَّةٌ جَديدَةٌ وَهِيَ صاحِبُ الرَّأْي، وَقَدْ بَرَزَ مَعَ الإِصْلاحاتِ الأولى ذاتِ الطّابِعِ العَسْكَرِيِّ في كُلٍّ مِنَ الدَّوْلَةِ العُثمانِيّةِ وَمِصْرَ وَتونِس. وَلِهَذا كانَتِ الحُدودُ غائِبَةً بَيْنَ العَسْكَرِيِّ وَالنَّهْضَوِيّ، طالَما أَنَّ الإِصْلاحاتِ كانَتْ ذاتَ طابَعٍ عَسْكَرِيّ، وَهَكَذا فَإِنَّ عَلي مُبارَك، على سَبيلِ المِثال، تَلَقّى تَعْليمًا مُبَكِّرًا في الأَزْهَرِ ثُمَّ أُرْسِلَ في بَعْثَةٍ لِلتَّدْريبِ العَسْكَرِيّ، ثُمَّ تَوَلّى مَهامَّ عَسْكَرِيّةً وَوِزارِيّةً وَكانَ في الوَقْتِ ذاتِهِ نَهْضَوِيًّا لَهُ مُؤَلَّفاتٌ بارِزَة. وَالمَثَلُ الآخَرُ هُوَ خَيْرُ الدّينِ التّونِسِيِّ الذي كانَ مَمْلوكًا وَتَدَرَّجَ في المَهامِّ العَسْكَرِيَّةِ ثُمَّ الحُكومِيَّة، وَكانَتْ لَهُ فَتْرَةٌ مِنَ الإِقامَةِ في أوروبّا، مِثْلَ علي مُبارَك، فَاطَّلَعَ على المَدَنِيَّةِ الحَديثَةِ وَأَلَّفَ كِتابًا هُوَ مِنْ أَبْرَزِ ما كَتَبَ نَهْضَوِيٌّ في القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ وَهُوَ "أَقْوَمُ المَمالِكِ في مَعْرِفَةِ أَحْوالِ المَمالِك".

ذَلِكَ كانَ الدَّوْرُ الأَوَّلُ لِمَنْ يُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ المُثَقَّف. وَكانَ دَوْرُهُمْ بِناءَ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ المُبَكِّرَة. أَمّا المَرْحَلَةُ الثّانِيَةُ فَتَأْتي في النِّصْفِ الثّاني مِنَ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ مَعَ افْتِتاحِ مَدارِسَ لِلْحُقوقِ في كُلٍّ مِنْ إِسْتامبولَ وَالقاهِرَةِ ثُمَّ في بَيْروتَ (الجَامِعَةِ اليَسوعِيّة) وَبَغْدادَ وَدِمَشْق. فَبَرَزَ آنَذاكَ رِجالُ القانونِ الذينَ شارَكوا في صِياغَةِ الدُّسْتورِ وَبِناءِ المُؤَسَّساتِ وَإِنْشاءِ الأَحْزابِ اللّيبيرالِيّة، إِلى أولَئِكَ الذينَ دَرَسوا في جامِعاتِ أوروبّا. فَاضْطَلَعَ "المُثَقَّفُ" بِدَوْرٍ تَنْويرِيٍّ وَالتَّعْريفِ بِالمَذاهِبِ الفِكْرِيّةِ وَالتّاريخِ وَالآداب.

في تِلْكَ الأَثْناء، أَي في مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأولى، ظَهَرَ ما يُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ المُثَقَّفُ الإيدْيولوجِيُّ الذي يُبَشِّرُ بِعَقيدَةٍ اشْتِراكِيَّةٍ أَوْ قَوْمِيَّة، وَيَدْعو إِلى التَّغْييرِ وَبِناءِ الأُمّةِ على أُسُسٍ مِنَ الفِكْرِ وَالتّاريخ.

وَعلى هَذا النَّحْوِ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْتِجَ بِأَنَّ المُثَقَّف، أَوْ مَنْ هُوَ بِمَثابَةِ صاحِبِ الرَّأْيِ، قَدْ تَطَوَّرَ دَوْرُهُ مَعَ تَطَوُّرِ بِناءِ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّساتِها.

هل يمكننا أن نُعيد صياغة دور المثقّف وصاحب الرأي ليتصدى إِلى ما يُحيط بنا من أخطار؟

وَمَعَ اكْتِمالِ بِناءِ المُؤَسَّسات، مِنْ جَيْشٍ وَإِداراتٍ وَنِظامٍ مالِيٍّ وَتَعْليمِيٍّ، وَحينَ أَصْبَحَ لِكُلِّ دَوْلَةٍ عَلَمٌ وَنَشيدٌ وَكُرْسِيٌّ في الأُمَمِ المُتَّحِدَة، لَمْ يَعُدْ أَصْحابُ السُّلْطَةِ بِحاجَةٍ إِلى صاحِبِ الرَّأْيِ (المُثَقَّف)، وَكانَ أَمامَهُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ كَخَبيرٍ في مَجالِ اخْتِصاصِه، حُقوقيًّا أَوْ مالِيًّا أَوْ إِعْلاميًّا، أَوْ أَنْ يَذْهَبَ إِلى التَّعْليمِ الثّانَوِيِّ أَوِ الجّامِعِيّ، بِحَيْثُ نَكونُ قَدْ رَجَعْنا إِلى ما قَبْلَ مَرْحَلَةِ الحَداثَة، فَإِمّا أَنْ تَكونَ مُدَرِّسًا (مِثْلَ رِجالِ الدّين) أَوْ خَبيرًا (مِثْلَ كُتّابِ الدَّوْلَةِ العُثمانِيّة).

فَهَلْ يُمْكِنُنا إِزاءَ الأَوْضاعِ الَّتي تَمُرُّ بِها البُلْدانُ العَرَبِيّةُ في مَشْرِقِها وَمَغْرِبِها، وَإِزاءَ ما يُحيطُ بِنا مِنْ أَخْطارٍ وُجودِيَّة، أَنْ نُعيدَ صِياغَةَ دَوْرِ المُثَقَّفِ وصاحِبِ الرَّأْي، لِيَتَصَدّى إِلى ما يُحيطُ وَيَحيقُ بِنا مِنْ أَخْطار؟. أَلَيْسَ الحِوارُ وَالتَّواصُلُ هُما أُولَى الخُطُواتِ الَّتي يَنْبَغي أَنْ نُبادِرَ إِلَيْها؟.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن