لا يزال العراق، بعد أكثر من 140 يوما على إجراء الانتخابات، وبعد ما يقرب من 110 يوما من مصادقة المحكمة الاتحادية العليا على نتائج الانتخابات، و95 يوما تقريبا على انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب العراقي، من دون رئيس جمهورية، ولا حكومة كاملة الصلاحيات، كل هذا والمنطقة تشهد حربا إقليمية تورط بها العراق مباشرة، بسبب الحرب بالوكالة التي تجري على أراضيه؛ ليس بين الميليشيات الوكيلة لإيران في العراق والولايات المتحدة وحسب، بل بينها وبين الدولة العراقية نفسها!
وفقا للدستور العراقي، ثمة توقيتات فيما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس مجلس الوزراء؛ فالمادة 71/ ثانيا/ ب تقرر أن “يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوما” من تاريخ أول انعقاد لمجلس النواب. فيما قررت المادة 76 أن يكلف رئيس الجمهورية المرشح لتشكيل مجلس الوزراء “خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية”، وأن يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزارته “خلال مدة أقصاها ثلاثون يوما من تاريخ التكليف”؛ أي أن المدة الدستورية المفترضة لإنجاز ذلك كله لا تتجاوز 75 يوما من تاريخ الجلسة الأولى لمجلس النواب!
وقد وضّحنا في مقال سابق أن هذه التوقيتات تنظيمية وليست إلزامية، وبالتالي لا يمكن أن يترتب عليها أي جزاء، لأنه قد تكون هناك حالة استعصاء سياسي في تحقيق شرط الثلثين لانعقاد الجلسة الاولى لانتخاب رئيس الجمهورية، كما حصل عام 2022، وبالتالي غياب إمكانية الالتزام بمدة الثلاثين يوما الواردة في النص الدستوري، ومن ثم سيكون ترتيب جزاء على هذا الاستعصاء الناتج عن إرادة الأعضاء المنتخبين في مجلس النواب، عبث محض، خاصة وأن لا أحد في العراق يحترم الدستور أصلا ، بل هناك تواطؤ جماعي على استخدامه كأداة سياسية فقط! ولكن الوضع المتفجر في المنطقة، وتداعيات ذلك المباشرة على العراق، كان يفرض على القوى السياسية التعاطي بعقلانية مع تلك التوقيتات التنظيمية، ولكن الجميع يعرف أن لا مكان للعقل والمنطق في العراق!
في هذا السياق، ووفقا للنصوص الدستورية نفسها، كان يفترض أن تبقى الحكومة القائمة حكومة تصريف الأمور اليومية/ تصريف الأعمال، لحين التصويت على الحكومة الجديدة، لكن هذه المادة الدستورية تنازعت مع مادة أخرى وردت في قانون الانتخابات الصادر عام 2023 الذي نصت المادة 19/ ثانيا منه، على أن يؤدي المرشحون الفائزون في مجلس النواب اليمين الدستورية “خلال مدة أقصاها 30 يوما” من تاريخ الجلسة الأولى لمجلس النواب. وكان يفترض، دستوريا وقانونيا ومنطقيا، استثناء الوزراء الفائزين من هذا الشرط، لحين تشكيل الحكومة الجديدة. لكن الوزراء سارعوا إلى تأدية اليمين الدستورية، بينهم وزير الدفاع نفسه، لنكون أمام وزارة فقدت أكثر من ثلث أعضائها تدير دولة عمليا هي في حالة حرب، وتعيش أزمة مالية هي الأخطر بعد العام 2003!
ووفقا لقانون الإدارة المالية الاتحادية لعام 2019، كان يفترض بمجلس الوزراء “مناقشة مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية وإقراره وتقديمه إلى مجلس النواب في منتصف شهر تشرين الأول من كل سنة”، لكن الوزارات العراقية المتتالية لم تلتزم بهذه المادة القانونية، وبضمنها الوزارة الحالية، التي كان يفترض بها تقديم مشروع قانون الموازنة قبل أكثر من شهر من تاريخ تحولها إلى حكومة تصريف أعمال، وكان ذلك بقرار غير دستوري أصدرته المحكمة الاتحادية العليا في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 (وهو القرار الذي وصفناه في مقال سابق بأنه كان انقلابا صريحا على الدستور) وهذا يعني عمليا أننا على الأغلب سنواجه وضعا شبيها تماما بوضع العام 2014، عندما تسبب تأخير تشكيل الحكومة إلى عدم تشريع قانون للموازنة العامة في تلك السنة!
على الأرض، بات واضحا للجميع ما كنا نقوله على مدى سنوات، عن الخطر الذي تشكله الدولة الموازية/ الميليشيات في العراق، ليس فقط تلك الوكيلة لإيران وتأتمر بأوامر الحرس الثوري الإيراني، بل أيضا تلك التي تأتمر بأوامر زعمائها الدينيين أو السياسيين داخل العراق. وما جرى خلال الشهر الأخير، وصولا إلى مهاجمة مؤسسات الدولة نفسها، وعجز الدولة/ الحكومة ليس عن مواجهتها بل عن مجرد تسميتها، أو توصيف ما تقوم به بالعمل الارهابي! فبعد قصف إحدى هذه الميليشيات لقاعدة جوية عراقية قبل أيام، وهو هجوم أدى الى تدمير طائرة تابعة للقوة الجوية العراقية من طراز (Antonov – 132) ، صدر بيان عن وزارة الدفاع تحدث عن “إدانة العمل الإجرامي الجبان”، وأن الوزارة “لن تتهاون في ملاحقة كل من تسول له نفسه المساس بأمن وسيادة العراق”!
الفاعل السياسي الشيعي، إذا، لايزال مُصرّاً على عدم التخلي عن “دولته الموازية” ومُصرّاً على تحصينها وحمايتها وتمويلها من المال العام، ولا يزال يتوهم أنها الضمانة الوحيدة للإبقاء على فكرته المتهافتة حول الحاكمية الشيعية، وبالتالي ضمان بقائه هو نفسه في السلطة. وهو لا يزال يرى أنه ليس ثمة موقف أمريكي نهائي بشأن وجود هذه الدولة الموازية، ويعتقد أن الأمريكيين يستخدمون ورقة الميليشيات فقط من أجل الضغط على الإيرانيين، وبالتالي هي ورقة قابلة للمساومة في سياق تطورات الحرب، ونتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية!
عمليا، وبعيدا عن التصريحات التي يطلقها رئيس مجلس النواب، وبعض القوى السياسية، لا إمكانية حقيقية للحديث عن انتخاب رئيس جمهورية وتكليف مجلس وزراء قبل نهاية الحرب القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فمخرجات هذه الحرب ستفرض شروطها على عملية انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس الوزراء، وهو ما يعني مزيدا من التأخير في حسم هذا الموضوع!
يظهر فشل الدولة العراقية وهشاشتها مع كل أزمة جديدة، ويتمظهر هذا الفشل من خلال تعاطي القوى السياسية المختلفة مع هذه الأزمات ليس من خلال مصالح الهويات الفرعية، القومية والمذهبية للفاعلين السياسيين، بل ومن خلال مصالحهم الشخصية المباشرة، بعيدا عن منطق الدولة. وبالنظر إلى المؤشرات؛ من عدم احترام الدستور والقانون، إلى فوضى الصلاحيات والاختصاصات، إلى تحول المحكمة الاتحادية إلى أداة سياسية، وتحول سلطات الدولة ومؤسساتها إلى إقطاعيات للقائمين عليها، ومنطق الصفقات الذي يحكم كلّ شيء، كل هذه المؤشرات، وغيرها، إنما تكرس هذا الفشل وتؤكد تلك الهشاشة!
(القدس العربي)

