رُبَّما كُنْتَ تَعْلَمُ بِالفِعْلِ أَنَّ الإِسْلامَ شَهِدَ عَصْرًا ذَهَبِيًّا لِلعُلومِ خِلالَ العُصورِ الوُسْطى في أوروبا، حَيْثُ حَقَّقَ عَدَدًا لا يُحْصى مِنَ الِاكْتِشافاتِ العِلْمِيَّةِ والطِّبِّيَّة، وَهَذا هُوَ السَّبَبُ في اسْتِخْدامِنا لِمُصْطَلَحاتٍ مِثْلَ "Algebra" أَوْ "الجَبْر". وَلَكِنْ ما قَدْ لا تَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّ بَعْضًا مِنْ أَوائِلِ نَماذِجِ "الخَيالِ العِلْمِيِّ الأَوَّلِيَّة" (Proto-science fiction) قَدْ خَرَجَتْ مِنْ رَحِمِ العالَمِ الإِسْلامِيّ.
تُعْتَبَرُ رِوايَةُ "فْرانْكِشْتاين" لِـ"ماري شيلي" (Mary Shelley) أَوَّلَ عَمَلٍ حَقيقِيٍّ في الخَيالِ العِلْمِيّ، لِأَنَّها رِوايَةٌ قائِمَةٌ على التَّخْمينِ العِلْمِيِّ اسْتِنادًا إلى اكْتِشافاتِ عَصْرِها. لَكِنْ، ثَمَّةَ أَعْمالٌ سابِقَةٌ تَحْتَوي على العَديدِ مِنَ السِّماتِ التي نَعْتَبِرُها اليَوْمَ مُمَيَّزَةً لِلخَيالِ العِلْمِيّ.
أَوَّلُ هَذِهِ الأَعْمالِ "تاريخٌ حَقيقِيٌّ" لِـ"لوقيان السَّميساطيّ" (Lucien de Samosate)، وَهُوَ كاتِبٌ سورِيٌّ عاشَ في القَرْنِ الثّاني لِلميلاد. تَتْبَعُ هَذِهِ الرِّوايَةُ مُسافِرًا يُنْقَلُ عَبْرَ إِعْصارٍ مائِيٍّ إلى القَمَر، حَيْثُ يَلْتَقي بِمُجْتَمَعاتٍ غَريبَةٍ وَكائِناتٍ عَجيبَة. لَكِنْ هُناكَ أَيْضًا عَدَدٌ مِنَ الأَعْمالِ المُبَكِّرَةِ التي يُمْكِنُ تَصْنيفُها كَـ"خَيالٍ عِلْمِيٍّ بِدائِيّ" جَاءَتْ مِنَ العالَمِ الإِسْلامِيّ، مِنْها:
1 - حَيّ بْنُ يَقْظان لِـ"ابْنِ طُفَيْل"
هَذَا العَمَلُ مِنَ القَرْنِ الثّاني عَشَرَ الميلادِيِّ لَيْسَ خَيالًا عِلْمِيًّا بِالمَعْنى الدَّقيق، لَكِنَّهُ يَحْتَوي على عُنْصُرٍ عِلْمِيٍّ قَوِيّ، وَقَدْ أَثَّرَ في رِوايَةِ روبِنْسون كْروزو لِدانِيال ديفو (Daniel Defoe)، والتي بِدَوْرِها أَثَّرَتْ في العَديدِ مِنْ كُتّابِ الخَيالِ العِلْمِيّ.

في هَذِهِ القِصَّة، يولَدُ طِفْلٌ وَحيدٌ على جَزيرَةٍ تَرْعاهُ غَزالَة، وَيُطَوِّرُ الفَهْمَ التَّجْريبِيَّ والمَنْهَجَ العِلْمِيَّ عَبْرَ المُلاحَظَةِ وَحْدَها. وَقَدْ أَصْبَحَ هَذا الكِتابُ شائِعًا في أوروبا في القَرْنِ السّابِعِ عَشَر، وَرُبَّما ساهَمَ في انْطِلاقِ الثَّوْرَةِ العِلْمِيَّة.
2 - الرِّسالَةُ الكامِلِيَّةُ لِـ"ابْنِ النَّفيس"
كُتِبَ هَذا النَّصُّ في القَرْنِ الثّاني عَشَرَ رَدًّا على عَمَلِ ابْنِ طُفَيْل. تَدورُ القِصَّةُ حَوْلَ شَخْصٍ يَعيشُ وَحيدًا في جَزيرَةٍ صَحْرَاوِيَّة، لَكِنَّهُ نَشَأَ عَبْرَ "التَّوَلُّدِ التِّلْقائِيّ"، وَهِيَ عَمَلِيَّةٌ يَتِمُّ وَصْفُها بِالتَّفْصيل. وَيَخوضُ هَذا الشَّخْصُ رِحْلَةً لِفَهْمِ العالَمِ عَبْرَ التَّجْرِبَة، مِمّا يَقودُهُ إلى رُؤًى روحِيَّةٍ.

وَيَنْتَهي الكِتابُ بِوَصْفٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَوَّلُ تَصْويرٍ خَيالِيٍّ لِنِهايَةِ العالَم (القِيامَة). علمّا أَنَّ مُؤَلِّفَ هَذا العَمَلِ يُذْكَرُ أَيْضًا على أنّهُ مُكْتَشِفُ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ الرِّئَوِيَّة.
3 - الرَّجُلُ في القَمَرِ لِـ"فْرانْسيس غودْوين"
يُعَدُّ هَذَا العَمَلُ مِنَ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ أَحَدَ أَبْرَزِ المُرَشَّحينَ لِيَكونَ أَوَّلَ عَمَلِ خَيالٍ عِلْمِيٍّ بِدائِيٍّ بِاللُّغَةِ الإِنْجليزِيَّة، وَيَحْكي قِصَّةَ رَجُلٍ يُسافِرُ إلى القَمَرِ على مِنَصَّةٍ تَحْمِلُها الإِوَز، وَيَجِدُ هُناكَ حَياةً ذَكِيَّة.
وَيُشيرُ الباحِثُ جيمْس أ. هيريك في كِتابِهِ "الأَساطيرُ العِلْمِيَّةُ" إلى أَنَّ غودْوين (Francis Godwin) تَأَثَّرَ بِالعالِمِ والفَيْلَسوفِ الإِيطالِيِّ جورْدانو بْرونو (Giordano Bruno)، الذي تَحَدَّثَ عَنْ احْتِمالِ وُجودِ حَياةٍ في عَوالِمَ أُخْرى، والذي بِدَوْرِهِ تَأَثَّرَ بِأَفْكارِ نيكولاس كوزا (Nicolaus Cusanus) الذي دَرَسَ الفَلْسَفَةَ الإِسْلامِيَّةَ في رِحْلاتِه.
4 - حُلمُ السُّلطاناتِ لِـ"رُقَيَّة سَخاوَت حُسَيْن"
وَأَخيرًا، إِلَيْكُمْ واحِدًا مِنْ أَوائِلِ كُتُبِ الخَيالِ العِلْمِيِّ النِّسْوِيِّ التي كُتِبَتْ على الإِطْلاق، والذي نُشِرَ عامَ 1905.
تَصِفُهُ صَحيفَةُ "الغارْدِيان" بِأَنَّهُ "يُشْبِهُ فيلمَ (كَوْكَبِ القِرَدَة) وَلَكِنْ على أَساسِ النَّوْعِ الِاجْتِماعِيّ، حَيْثُ تُقْلَبُ الأَدْوارُ وَيُحْبَسُ الرِّجالُ بَعيدًا في مُسْتَقْبَلٍ مُتَطَوِّرٍ تِقْنِيًّا". في هَذا العالَم، تَمَكَّنَتِ العالِماتُ مِنِ اكْتِشافِ كَيْفِيَّةِ اسْتِغْلالِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ وابْتِكارِ السَّيّارَاتِ الطّائِرَة!.
(خاص "عروبة 22")

