تشعر دول الخليج في الوقت الراهن بالحاجة الماسة إلى وجود مظلة أمنية جديدة توفر لها الحماية اللازمة، بعدما وجدت نفسها بمفردها في خضم صراع طاحن آثر الجميع الابتعاد عن التورط فيه أو الانجرار إليه مرددين بلا مواربة "هذه ليست حربنا". هذا الرفض التام للمشاركة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أو التدخل لإعادة فتح مضيق هرمز الذي يمثل "رئة الحياة" لاقتصادات دول الخليج، جاء من أقوى وأهم وأقرب حلفائها الغربيين، حيث قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إن "الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ليست حربنا، ولن ننجر إلى هذا النزاع"، مؤكدا أن بلاده "تركز على حماية مصالحها الوطنية، وتقليل تداعيات الأزمة على الداخل البريطاني رغم الضغوط".
الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، تبنى الموقف ذاته، وقال الأربعاء الماضي إن بلاده "لن تشارك في الحرب ضد إيران"، مشددا على أن باريس لم يتم التشاور معها قبل شن هذا الهجوم، فيما أكدت وزيرة الدولة الفرنسية لشئون الجيش أليس روفو أن حلف الناتو تحالف دفاعي يقتصر دوره على أمن أوروبا والأطلسي، وليس تنفيذ عمليات في مضيق هرمز، محذّرة من أن ذلك قد يشكل انتهاكًا للقانون الدولي.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي فجر هذا الصراع دون النظر أو التحسب لمآلاته وعواقبه وتداعياته على أمن المنطقة واسقرارها، فقد سارع إلى التهرب من مسؤوليته عن معالجة الكوارث التي تسبب فيها لدول الخليج، خصوصا إعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران منذ بدء العدوان على أراضيها قبل أكثر من شهر، حيث قال في مؤتمره الصحفى فجر الخميس الماضي إن "الدول التي تعتمد على استيراد النفط عبر هذا الممر الحيوي عليها اتخاذ خطوات فعلية لتأمين حركة السفن والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية"، مشددا على أن "بلاده ليست مستعدة للدفاع عن الشرق الأوسط!!".
أمام هذا الواقع الصعب الذي تواجهه دول الخليج، تعالت أصوات الكثير من المسؤولين السابقين والكُتاب والمحللين الخليجيين، بالدعوة إلى ضرورة شروع الدول الأعضاء فى مجلس التعاون الخليجي بتأسيس تحالف دفاعي جديد يشبه حلف الناتو، بهدف توفير الحماية الأمنية لمقدراتها الاقتصادية والتجارية وعلى رأسها مصادر الطاقة التي تعد الشريان الرئيسى لثروتها ودخلها وقوتها.
هناك وجهتا نظر في التعامل مع مثل هذه الدعوات، الأولى تعتقد أنها باتت ضرورة ملحة وحتمية للحفاظ على استقرار دول الخليج وحماية مصالحها الإستراتيجية، ولا يجب التأخر عن تنفيذها على الفور بعدما نأى أقرب وأقوى الحلفاء الغربيين عن التدخل لمساعدتهم في الأزمة الراهنة التي تهدد أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم، وبرروا ذلك بأنها "ليست حربهم"، أما الأخرى فترى أن هذا التوجه نتيجة طبيعية للحظة الانفعال والغضب والقلق الراهنة التي تشعر بها دول الخليج، لكن ما تلبث أن تنطفئ جذوتها بعد انحسار الأزمة واختفاء المخاطر وزوال التهديدات الحالية مثلما حدث ذلك في أحداث سابقة مشابهة.
أغلب الظن أن الحرب الدائرة حاليا بالمنطقة، لن تكون مجرد لحظة عابرة في تفكير دول الخليج التي تشعر بالخذلان الحقيقى من الحلفاء الغربيين خصوصا الولايات المتحدة، بعدما وضعتها في "عين العاصفة" وجرتها إلى آتون صراع عبثي يخدم الأجندة الإسرائيلية ولا يراعي مصالحها الحيوية، بل ولم تقدم المساعدة الحقيقية للحفاظ على أمنها واستقرارها اللذين تعرضا للاهتزاز الشديد جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية، ومن ثم فإنه من المرجح أن تبادر دول الخليج إلى العمل على تفعيل تحالفها العسكري وتعزيز دفاعاتها الجوية بشكل كبير في الفترة المقبلة، وكذلك تنويع تحالفاتها الأمنية بالتوسع في إبرام اتفاقيات تعاون عسكري مع دول من خارج الإقليم، لكن ذلك لا يعني أبدا "الاستغناء عن الولايات المتحدة، أعظم قوة عسكرية واقتصادية وعلمية في العالم اليوم، والتي تنظر لدول الخليج نظرة الحليف، وكذا تنظر لها دول الخليج" مثلما قال الإعلامي السعودي مشارى الذايدي فى مقال نشره منتصف مارس الماضى بجريدة "الشرق الأوسط" السعودية.
على أي حال، من حق دول الخليج البحث عن مظلة أمنية تحقق لها ولمصالحها الأمن المنشود في هذه المنطقة المهمة لمصادر الطاقة في العالم، لكن تلك المظلة يمكن أن تكون أكثر فاعلية فى إطار تعاون دفاعي عربي حقيقي، ووقتها لن تسمع جملة "ليست حربنا" كما سمعتها بقوة خلال الفترة الأخيرة من أقرب حلفائها الغربيين!!
(الشروق المصرية)

