صحافة

أين سوريا من جحيم الحرب الدائرة حولها؟

بكر صدقي

المشاركة
أين سوريا من جحيم الحرب الدائرة حولها؟

دخلت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، والإسرائيلية على حزب الله في لبنان، شهرها الثاني، مع توسع رقعة الحرب إلى دول الخليج العربية التي ما زالت تتلقى القسم الأكبر من الصواريخ والمسيرات الإيرانية. يمكن القول إن كل دول المنطقة تقريباً قد تأثرت مباشرةً بتداعيات الحرب، بما في ذلك تركيا. سيكون غريباً أن تبقى سوريا وحدها الدولة الناجية منها. صحيح أن سلطة دمشق قد تمكنت، إلى الآن، أن تنأى بنفسها عن تداعيات الحرب، لكنها تبقى في مرمى النيران ويمكن أن تنال نصيبها من تداعياتها في أي لحظة. وقد شكلت المظاهرات الشعبية التي خرجت للتنديد بقرار الكنيست الإسرائيلي بشأن إعدام الأسرى الفلسطينيين، أول تحد جدي للسلطة.

صحيح أن موضوع المظاهرات لا علاقة مباشرة له بالحرب، لكنه لمس حدوداً حساسة قابلة لاستدعاء ردود فعل لا يمكن السيطرة عليها. فالشعارات المعادية لإسرائيل والرموز الجهادية الظاهرة من شأنها أن تثير حفيظة الدول الغربية التي احتضنت السلطة وقد تدفعها إلى إعادة النظر في رهانها عليها، ناهيكم عن إسرائيل نفسها التي لا تحتاج إلى ذرائع أصلاً لمواصلة اعتداءاتها أو تدخلاتها الفظة في سوريا. أي أن من شأن تداعيات تلك المظاهرات أن تسلب السلطة المصدر الرئيسي لشرعيتها أي الاعتراف الدولي بها، في وقت تعاني فيه من فقدان الشرعية الداخلية في نظر قسم كبير من السوريين ممن لا يثقون بها.

وأظهر الاعتداء على سفارة دولة الإمارات في دمشق، أثناء تلك المظاهرات، فقدان السلطة سيطرتها على جمهورها المؤيد، وهو ما ينذر بمزيد من تآكل هذا التأييد المتراجع أصلاً كما تشير معطيات عديدة. وعموماً يمكن القول إن خروج هذه المظاهرات كان خبراً سيئاً بالنسبة للسلطة التي واظبت على سياسة عدم توتير العلاقة مع إسرائيل منذ استيلائها على السلطة، وخاضت مفاوضات مباشرة معها بهدف استعادة اتفاق فصل القوات الذي تجاوزته إسرائيل.

يضاف إلى ذلك اتهامات إسرائيلية للسلطة بفشلها في ضبط تهريب السلاح إلى حزب الله في لبنان، إلى جانب ضغوط أمريكية، وربما من دول أخرى، على السلطة لدفعها إلى المشاركة في الحرب على حزب الله لنزع سلاحه بالقوة، الأمر الذي يبدو أن سلطة دمشق استطاعت تجنبه إلى الآن. ويبدو أن الحشود العسكرية على الحدود مع لبنان لم تكف لإقناع الأمريكيين والإسرائيليين بهذا الخصوص.

أما من جهة إيران فقد وجه مسؤولوها اتهامات صريحة بشأن ما زعمته من اختباء خبراء عسكريين أمريكيين في مواقع ومطارات سورية، بل وفي القصر الرئاسي نفسه! وهو ما يعني أن إيران يمكن أن تستهدف تلك المواقع بصواريخها البالستية على غرار ما تفعله مع دول الخليج والأردن والعراق.

كلما طال أمد الحرب، ويبدو أنها ستطول، ارتفعت احتمالات أن تمتد نيرانها إلى مناطق إضافية، ومنها سوريا الواقعة بين فكي الكماشة الإسرائيلي والإيراني. غير أن تداعياتها الأبعد قد تتجاوز الاعتبارات الأمنية إلى أخرى اقتصادية إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أكلاف الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج قد تدفعها إلى الانكفاء عن تطوير العلاقات مع سوريا، بعدما كانت آمال السلطة معلقة على وعود تلك الدول بشأن الاستثمار في الفرص الاقتصادية لإعادة الإعمار. مع العلم أن تلك الوعود بقيت في الهواء حتى قبل نشوب الحرب الراهنة، بسبب عدم اليقين بشأن قدرة سلطة دمشق على توفير بيئة استثمارية آمنة، نابع من غموض توجهات السلطة بشأن المرحلة الانتقالية ومؤشرات مقلقة بشأن ترتيب البيت الداخلي السوري، ومظاهر الفساد والمحسوبية وغياب القانون.

بدلاً من مواجهة هذه التحديات بجدية يواصل الإعلام المؤيد للسلطة ضخ الأوهام كالنفخ في تصريح نسب للمبعوث الأمريكي توماس براك بشأن احتمال تشكيل سوريا ممراً بديلاً لنقل النفط الخليجي بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز. وكأن المضيق سيظل مغلقاً سنوات يستلزمها بناء الأنابيب، أو كأن الحرب على إيران ستمتد لسنوات.

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بحربين مدمرتين، في أوكرانيا والخليج، بدا مستغرباً أن يقوم أحمد الشرع بزيارتين لألمانيا وبريطانيا، وان يأتي الرئيس الأوكراني لزيارته في دمشق برفقة وزير الخارجية التركي هكان فيدان. البيانات الرسمية الصادرة عن تلك الزيارات لا تعطينا شيئاً بشأن الموضوعات التي تم التباحث بشأنها، باستثناء إعلان المستشار الألماني عن نية حكومته بإعادة ثمانين بالمئة من اللاجئين السوريين إلى بلدهم. لا يمكن فصل تلك الاتصالات عن تداعيات الحرب، وعلينا الانتظار لمعرفة ما قد يترتب عليها.

(القدس العربي)
?

في ظل ما أظهرته إيران من عدوانية تجاه العرب وعدم فعالية القواعد الأميركية في حماية الخليج العربي، هل تؤيد تشكيل "ناتو" عسكري عربي؟



الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن