بصمات

الإِدْمانُ الرَّقْمِي!

الإِدْمانُ حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ فيزْيولوجِيَّةٌ تَجْعَلُ صاحِبَها في حالٍ مِنَ التَّعَلُّقِ القَسْرِيِّ بِالسّيجارَةِ أَوِ الكُحولِ والمُخَدِّرات، وَفي تَناوُلِ نَوْعٍ مَعْلومٍ مِنَ الصّودا. يَتَجَلّى الإِدْمانُ في الشُّعورِ الْحادِّ بِنَوْعٍ مِنَ النَّقْصِ يَنْتُجُ عَنْهُ اضْطِرابٌ سُلوكِيٌّ أَوْ فيزْيولوجِيٌّ (أَوْ هُما مَعًا)، فَلا سَبيلَ عِنْدَ المُدْمِنِ مِنْ أَجْلِ الخُروجِ مِنْ تِلْكَ الحالِ إِلّا بِإِشْباعِ الحاجَةِ المُلِحَّةِ إلى تَناوُلِ السّيجارَةِ أَوِ اسْتِهْلاكِ المُخَدِّر (بِواسِطَةِ الشُّرْبِ أَوِ الشَّمِّ أَوْ إِنْفاذِ المُخَدِّرِ داخِلَ الجِسْم، بِاسْتِعْمالِ حُقْنَةٍ عَبْرَ الوَريدِ أَوْ تَحْتَ الجِلْد).

الإِدْمانُ الرَّقْمِي!

قَدْ يَكونُ الإِدْمانُ في التَّعَلُّقِ القَسْرِيِّ بِعاداتٍ نَذْكُرُ مِنْها لَعِبَ القِمارِ على نَحْوٍ أَجادَ التَّعْبيرَ عَنْهُ رِوائِيّونَ وَأُدَباءُ كِبارٌ أَذْكُرُ مِنْهُمْ دوسْتويِفْسْكي في رِوايَتِهِ "المُقامِر"، وَأَذْكُرُ نَجيب مَحْفوظ في "ثَرْثَرَةٍ فَوْقَ النّيل" وَفي بَعْضِ قِصَصِهِ القَصيرَة ("نَبوتِ الخَفير"- مَثَلًا). وَحَيْثُ إِنَّ الإِدْمانَ يَخْرُجُ بِالمُدْمِنِ مِنْ حالِ السَّواءِ لِيُلْحِقَهُ بِحالِ الخَلَلِ أَوِ المَرَضِ النَّفْسِيّ (أَوِ النَّفْسِيّ - الفيزْيولوجِيّ) فَإِنَّهُ يَسْتَوْجِبُ العِلاجَ النَّفْسِيَّ وَرُبَّما العِلاجَ النَّفْسِيَّ العُضْوِيَّ في مَراكِزَ عِلاجِيَّةٍ مُتَخَصِّصَة (مَعَ ما يَتَطَلَّبُهُ ذَلِكَ مِنْ إِرْهاقٍ نَفْسِيٍّ - بَدَنِيٍّ مَعًا وَما يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ مَصاريفَ باهِظَةٍ لا تُطيقُها سِوى القِلَّةِ القَليلَةِ مِنَ المُصابينَ بِالإِدْمان، أَمّا الآخَرونَ فَإِنَّهُمْ يَظَلّونَ غارِقينَ في المُسْتَنْقَع).

الإدمان الرقمي ظاهرة لا تنحصر في فئة اجتماعية دون أخرى

وَفي عالَمِنا المُعاصِر، صورَةٌ جَديدَةٌ مِنَ الإِدْمان، لَمْ تَكُنْ مَعْلومَةً وَلا مَأْلوفَةً قَبْلَ عُقودٍ قَليلَةٍ فَقَط، يَصِحُّ نَعْتُها بِـ"الإِدْمانِ الرَّقْمِيّ" (نِسْبَةً إلى العالَمِ الرَّقْمِيِّ أَوِ الِافْتِراضِيّ). صورَةٌ تَجْتَمِعُ فيها كُلُّ المُكَوِّناتِ التي يُقَدِّرُ عُلَماءُ النَّفْسِ وَعُلَماءُ الِاجْتِماعِ أَنَّ وُجودَها ضَرورِيٌّ لِلْحَديثِ عَنْ "الظّاهِرَةِ السّيكولوجِيَّة" أَوِ "الظّاهِرَةِ الِاجْتِماعِيَّة".

لا أَقولُ فَقَطْ إِنَّ "الإِدْمانَ الرَّقْمِيَّ" قَدِ ارْتَقى اليَوْمَ إلى مُسْتَوى "الظّاهِرَةِ" القابِلَةِ لِلْمُلاحَظَة، بَلْ إِنّي أُضيفُ – آسِفًا - أَنَّ هَذِهِ الظّاهِرَةَ قَدْ غَدَتْ مِنَ الشُّمولِ والِانْتِشارِ بِحَيْثُ إِنَّها لا تَنْحَصِرُ في فِئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ دونَ أُخْرى (أَيْ تِلْكَ التي يَنْتَسِبُ إِلَيْها أَشْخاصٌ بَلَغوا مِنَ التَّعْليمِ رُتْبَةً عالِيَةً نِسْبِيًّا، أَوْ إِنَّها تَنْحَصِرُ في فِئَةٍ يَتَوافَرُ لَها مُسْتَوًى عالٍ مِنَ الرَّفاهِ والإِمْكَاناتِ المالِيَّة).

وَلَيْسَ يَخْفى أَنَّ وَراءَ نُشوءِ هَذِهِ الظّاهِرَةِ الجَديدَة، وَكَذا انْتِشارِها السَّرِيع، عَوامِلَ شَتّى مِنْها تَنامي إِمْكاناتِ الوُلوجِ إلى الشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّةِ في اتِّجاهٍ تَصاعُدِيّ، وَمِنْها الِانْتِشارُ الهائِلُ لِلْهَواتِفِ الذَّكِيَّةِ وَلِلْحَواسيب (الثّابِتَة - والنَّقّالَةِ خاصَّة، مَعَ اتِّجاهٍ إلى رُخْصِ أَثْمِنَتِها وَسُهولَةِ الحُصولِ عَلَيْها وَكَذا ارْتِفاعِ جودَتِها). ثُمَّ إِنّي أُثيرُ الِانْتِباه، في مَعْرِضِ حَديثي هَذا، إلى أَنَّ انْتِشارَ الهَواتِفِ الذَّكِيَّة، والحَواسيب، وَكَذا تَوافُرَ إِمْكاناتِ الإِبْحارِ في العالَمِ الِافْتِراضِيّ، لَمْ يَعُدْ مُؤَشِّرًا دالًّا في الحَديثِ عَنِ التَّنْمِيَةِ الشّامِلَة، وُجودًا وَعَدَمًا. فَما أَكْثَرَ الدُّوَلِ التي توجَدُ في أَسْفَلِ سُلَّمِ تَرْتيبِ الدُّوَلِ النّامِيَةِ وَفي الآنِ ذاتِهِ تَتَوافَرُ فيها خدماتُ الشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّةِ وَيَبْلُغُ فيها المُنْتَفِعونَ بِخدماتِ الهَواتِفِ النَّقّالَةِ نِسَبًا مِئَوِيَّةً هائِلَةً تُماثِل، وَقَدْ تَفوق، الخدماتِ المُتاحَةَ في العَديدِ مِنْ دُوَلِ الشَّمال (والشَّأْنُ في المَغْرِبِ كَذَلِك، بَلْ إِنِّي أَزْعُمُ أَنَّها، مِنْ هَذِهِ النّاحِيَة، حالَةٌ تَقْبَلُ التَّعْميمَ على دُوَلٍ كَثيرَةٍ مِنَ العالَمِ العَرَبِيِّ وَكَذا دُوَلٍ كَثيرَةٍ مِنْ أَفْريقْيا وَآسْيا وَأَميرْكا اللّاتينِيَّة).

التلميذ تائه بين شاشة تسرق منه انتباهه ومجتمع يمنحه حرية تدمير ذاته

أَوَدُّ أَنْ أَخْتَتِمَ حَديثِي بِإِشْراكِ القارِئِ في قِراءَةِ مُقْتَطَفاتٍ مِنْ تَقْريرٍ تَرْبَوِيٍّ تَقَدَّمَ بِهِ أَحَدُ المَسْؤولينَ في قِطاعِ التَّرْبِيَةِ والتَّعْليمِ في المَغْرِب، وَأَحْسَبُ أَنَّ ما فيهِ يَصْدُقُ على دُوَلٍ عَديدَة، عَرَبِيَّةٍ وَغَيْرِ عَرَبِيَّة، وَأَنَّهُ يُغْني عَنِ الكَثيرِ مِنَ القَوْلِ في مَسْأَلَةِ "الإِدْمانِ الرَّقْمِيّ"، في الوَقْتِ الذي يَقْرَعُ فيهِ جَرَسَ التَّنْبيهِ إلى الدَّرَجَةِ العُلْيَا مِنَ التَّهْديدِ التي يُشَكِّلُها تَنامي الظّاهِرَة، مَوْضوعِ حَديثِنا:

يَقولُ المُتَحَدِّثُ في التَّقْريرِ المُشارِ إِلَيْه: "في زِياراتي المُتَعَدِّدَةِ لِلْأَقْسامِ والمُؤَسَّساتِ التَّعْليمِيَّةِ أَقِفُ يَوْمِيًّا أَمامَ مَشْهَدٍ يَبْعَثُ على القَلَقِ العَميق. المُشْكِلُ اليَوْمَ لَمْ يَعُدْ في "صُعوبَةِ المَناهِج" أَوْ "نَقْصِ المَعْرِفَة" بَلْ في طَبيعَةِ "العَقْلِ" الذي "يَسْتَقْبِلُ" هَذِهِ المَعْرِفَة".

وَيُضيفُ المُراقِبُ التَّرْبَوِيُّ: "نَحْنُ اليَوْمَ أَمامَ بُنْيَةٍ دِماغِيَّةٍ تَمَّ تَعْديلُها كِيمْيائِيًّا وَسُلوكِيًّا خارِجَ أَسْوارِ المَدْرَسَة، فَهِيَ تَلِجُ القِسْمَ وَهِيَ تُعاني مِنْ إِرْهاقٍ مُسْبَق" (...) مُعَدَّلُ اسْتِهْلاكِ التِّلْميذِ لِمَواقِعِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ في اليَوْمِ الواحِدِ يَتَجاوَزُ سِتَّ ساعاتٍ في أَيَّامِ الدِّراسَة، وَهُوَ في أَيَّامِ العُطَلِ المَدْرَسِيَّةِ يَفوقُ ذَلِك، فَقَدْ يَبْلُغُ 12 ساعَةً في اليَوْم، وَرُبَّما يَفوقُ ذَلِك. ثُمَّ إِنَّ الفاصِلَ الزَّمَنِيَّ بَيْنَ سَماعِ التِّلْميذِ لِلرَّنينِ المُنَبِّه لا يَعْدو الثّانِيَتَيْن. وَأَمّا قُدْرَةُ التِّلْميذِ على الِامْتِناعِ الإِرادِيِّ عَنِ الِاسْتِجابَةِ فَإِنَّها لا تَتَجاوَزُ الخَمْسَ دَقائِق (...) نَحْنُ نُجابِهُ بُنْيَةً ذِهْنِيَّةً مُسْتَنْزَفَة، والتِّلْميذُ تائِهٌ بَيْنَ شاشَةٍ تَسْرِقُ مِنْهُ انْتِباهَهُ وَأُسْرَةٍ تُريحُهُ مِنَ المَسْؤولِيَّة، وَمُجْتَمَعٍ يَمْنَحُهُ حُرِّيَّةَ تَدْميرِ ذاتِهِ بِاسْمِ الحُقوق"!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن