وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة هو أول خبر سعيد يصل منطقتنا المنكوبة منذ زمن. لنهنأ بفترة يتوقف فيها القصف، فحروب الشرق الأوسط تهدأ لكن فقط إلى حين. السلام المستدام مازال بعيدا، والهدن القصيرة هي أفضل المتاح لنا. إسرائيل الدخيل الطامع، وهشاشة التكوين الداخلي لكثير من دول المنطقة، ومشاعر الاستحقاق وطموحات الهيمنة في رؤوس بعض القادة. كل هذه أسباب لغياب الأمن والاستقرار عن منطقتنا.
لو أحصينا صراعات المنطقة لوجدنا قسما كبيرا منها يتمحور حول إسرائيل، وقسما آخر يتمحور حول إيران. الموت لإسرائيل، الموت لأمريكا. هتاف ردده كل تجمع مؤيد للنظام الثوري الإيراني طوال السبعة وأربعين عاما الماضية. هذه دعوة للحرب، ولا أدري ما إذا كان القائمون على أمر إيران الثورية قد فكروا ولو مرة أن إسرائيل وأمريكا قد يأخذان هذا الشعار على محمل الجد. ولد هذا الشعار ضمن فاعليات الحدث المؤسس لسياسة إيران الخارجية، عندما قام طلاب من أنصار الإمام الخميني، بعد انتصار الثورة بشهور قليلة، باحتجاز 52 دبلوماسيا أمريكيا رهائن في سفارة واشنطن في طهران لمدة 444 يوما. لكل النظم الثورية والمستقلة حديثا مشكلات وتوتر مع القوة الأجنبية التي سيطرت على بلادهم فيما مضى. فقط إيران اختارت احتجاز الدبلوماسيين للتعبير عن هذا التوتر.
كانت الثورة في أيامها الأولى، وكانت هناك صراعات دامية بين تيار خط الإمام، وتيارات وطنية، ليبرالية ويسارية، شاركت في صنع الثورة وأرادت المشاركة في صنع مستقبل بلدهم. ذهب أنصار خط الإمام بعيدا نحو السلطة الدينية والاستبداد السياسي والتشدد الاجتماعي. تم توظيف احتجاز الرهائن لتعزيز خط الإمام، وإضعاف الخصوم المطالبين بالديمقراطية والتحرر الاجتماعي. لقد تشكل جانب مهم من السياسة الخارجية الإيرانية، خاصة علاقتها بالولايات المتحدة، في خضم الصراعات السياسية الداخلية المصاحبة للثورة. المفارقة هي أن إيران وجهت عداءها لأمريكا في ظل رئاسة جيمى كارتر، "أنقى" رؤساء أمريكا. كان الرئيس كارتر قد وجه، ولأول مرة، انتقادات قوية لانتهاكات شاه إيران لحقوق الإنسان، وضغط عليه لإتاحة مساحة أوسع للحريات. استجاب الشاه للضغوط، فبدأت الاحتجاجات، وتصاعدت، حتى انتصرت. عاقب الأمريكيون رئيسهم الطيب. اتهمه خصومه بالسذاجة وأسقطوه في الانتخابات التالية.
إيران الجديدة في عداء مع أمريكا، وستطردها ليس فقط من إيران بل من المنطقة كلها. هذا هو الخط السياسي الرسمي لإيران الثورية. أدخلت هذه السياسة إيران في صدام مع دول عدة في المنطقة لها علاقات تعاون اقتصادي واستراتيجي مع الولايات المتحدة. بنت إيران الثورية سياستها الدفاعية على أخذ شركاء أمريكا في المنطقة رهائن، تعتدي عليهم كلما توترت علاقاتها بالولايات المتحدة. في عام 2018 ألغى الرئيس ترامب الاتفاق النووي مع إيران، فردت إيران بالاعتداء على منشآت نفطية وحيوية في السعودية والإمارات. شعور دول الخليج بالتهديد الإيراني ليس أضغاث أوهام. دول الخليج مجبرة على التعامل مع مأزق شديد الصعوبة، فإما التخلي عن التعاون الأمني مع الولايات المتحدة فيصبحون مكشوفين تماما أمام إيران؛ أو تعميق الارتباط بالولايات المتحدة فيصبحون هدفا لانتقامها. البرنامج النووي هو أحد أهم أسباب الصراع الدائر في المنطقة.
إيران عضو في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية التي تلزمها بوضع أنشطتها النووية تحت رقابة الوكالة الدولة للطاقة الذرية. في عام 2002 تم الكشف عن وجود أنشطة نووية سرية لإيران في موقعى نطنز وأراك، وهما موقعان غير مسجلين لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أثارت الأنشطة النووية السرية الشكوك حول الأهداف العسكرية لبرنامج إيران النووي. أنكرت إيران وجود أهداف عسكرية لبرنامجها النووي، واعتذرت عن الفشل في إبلاغ الوكالة الدولية عن المواقع السرية باعتباره خطأ إجرائيًا. في عام 2009 تم الكشف عن موقع نووي سري جديد في فودو، وأصبح من الصعب تصديق الحجج الإيرانية. برنامج إيران النووي يُخيف إسرائيل، ويُخيف أيضا جيران إيران من العرب. هذه هي النقطة التي بدأ عندها مسار التقاء المصالح بين إسرائيل وبعض الدول العربية في الخليج. إيران ليست أول دولة تطور برنامجا نوويا عسكريا سريا. نجحت الهند وباكستان وكوريا الشمالية في بناء القنبلة النووية في سرية تامة، ففرضت الأمر الواقع على العالم.
نشأ توازن ردع نووى بين الدول النووية الجديدة وخصومها، فامتنعت الحرب وساد الاستقرار في جنوب آسيا والشرق الأقصى. فهل من الأفضل لو أن إيران نجحت في بناء قنبلة نووية في سرية تامة، ليتكون توازن ردع يجلب الاستقرار للشرق الأوسط. بدلا من الاستقرار جلب برنامج إيران النووي الحرب للمنطقة. تمسكت إيران بتخصيب اليورانيوم بعد أن كانت قد كسبت ضعف المصداقية وشكوك الجيران.
إيران ليست كجنوب إفريقيا، التي نجحت في بناء قنبلة نووية سرية، لكنها تخلت عنها بعد عودة الديمقراطية وحكم الأغلبية، فكسبت المصداقية والثقة، ولم يعد أحد يقلق من أنشطتها النووية. المشكلة الآن هي أن برنامج إيران النووى لا يحقق الردع والأمن، وانحصرت قيمته في أن أصبح رمزا لكبرياء إيران الوطنية، كما أصبح أيضا سببا للصراع والحرب. إسرئيل عنصرية وتوسعية. أمريكا متغطرسة ومنحازة لإسرائيل. إيران لديها طموحات وأوهام إيديولوجية واختراق أمني. بين كل هؤلاء يضيع الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
(الأهرام المصرية)

