الحَضارَةُ الغَرْبِيَّةُ هِيَ في أَساسِها تَنْطَلِقُ مِنْ فَلْسَفَةٍ كَوْنِيَّةٍ حَديثَة، تَتَحَدّانا نَحْنُ العَرَبَ والمُسْلِمينَ في مَنْظوراتِنا الثَّقافِيَّةِ والدّينِيَّةِ والاِجْتِماعِيَّة، وَبِخاصَّةٍ في ظِلِّ حَقائِقَ صادِمَةٍ وَمُحْرِجَةٍ في واقِعِنا العَرَبِيِّ المَعيش. أَبْرَزُها:
- حَقيقَةُ أَنَّنا لَيْسَ لَدَيْنا فَلْسَفَةٌ عَصْرِيَّةٌ مُتَكامِلَة، نُقَدِّمُ مِنْ خِلالِها مَنْظورَنا الحَضارِيّ، وَتُضيءُ طَريقَنا حاضِرًا وَمُسْتَقْبَلًا، بِخُصوصِيَّتِنا العَرَبِيَّةِ والإِسْلامِيَّة.
- عَمَلِيًّا، نَحْنُ لا نُساهِمُ - إِلّا نادرًا - في إِنْتاجِ الفِكْرِ الأَصيل، وَلا العُلومِ والتِّكْنولوجْيا، بَلْ نَسْتَهْلِكُ ما تُنْتِجُهُ أَنْظِمَةُ الحَضارَةِ الغَرْبِيَّة.
- لَمْ نَزَلْ، على الرَّغْمِ مِنْ تَجارِبِنا الحَديثَةِ الكَثيرَة، نَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الفَشَلِ والنَّجاح، وَلا نُمَثِّلُ حَقيقَةً القِيَمَ الحَضارِيَّةَ المُعاصِرَةَ في السِّياسَةِ والاِجْتِماعِ والاِقْتِصاد (قِيَمِ الحُرِّيَّةِ والدّيموقْراطِيَّةِ والعَدالَةِ والمُساواة، والتَّنَوُّع؛ فَضْلًا عَنْ قِيَمِ العَقْلِ والنَّقْدِ والعِلْمِ والعَمَل...).
- لَيْسَ لَدَيْنا مِنْ إِنْتاجِنا الفِعْلِيِّ سِوى تُراثٍ لا نُحْسِنُ فَهْمَه؛ وَيَتَطَلَّبُ تَجْديدَ الاِسْتيعابِ وَإِعادَةَ الصِّياغَة.
حين تتخلّف حضارة عريقة تتخلّف معها قيمها ومعاييرها
يَبْرُزُ سُؤالٌ أَساسِيٌّ في هَذا الإِطار: حينَ تَتَخَلَّفُ حَضارَةٌ عَريقَةٌ مِثْلَ حَضارَتِنا العَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ وَتَحُلُّ مَحَلَّها حَضارَةٌ ثَوْرِيَّةٌ في كُلِّ شَيْءٍ تَقْريبًا - كالحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ الحَديثَةِ التي ساهَمَتْ حَضارَتُنا في تَأْسيسِها - فَهَلْ تَتَخَلَّفُ مَعَها قِيَمُها وَمَعاييرُها وَإِنْتاجُها الحَضارِيّ! وَلا تَكونُ لَها جَدْوى مُمْكِنَة؟!.
وَيَسْتَمِرُّ التَّساؤُل: إِذا ما أَرَدْنا اللَِّحاقَ بِحَضارَةِ العَصْر، هَلْ نُصْلِحُ وَنُرَمِّمُ بِناءَنا الحَضارِيَّ القَديم؟ أَمْ نَهْدِمُه؟ وَنُعيدُ بِناءَهُ مِنْ جَديد؟ أَمْ ماذا؟ ثُمَّ مَنِ الذي سَيُرَمِّم؟ أَوْ يَهْدِم؟ وَيُعيدُ البِناء؟ نَحْنُ أَمْ غَيْرُنا؟ هَلْ لَدَيْنا القُدْرَةُ على ذَلِك؟!.
لَعَلَّ الأَجْدى والأَسْلَم، القِيامُ بِكُلِّ العَمَلِيّاتِ المَذْكورَةِ المُحْتَمَلَة، بِالتَّوازي. فَالإِصْلاحُ والتَّرْميمُ لِما يَتَطَلَّبُ الإِصْلاحَ والتَّرْميم، والهَدْمُ وَالإِزالَةُ لِما يَتَطَلَّبُ الهَدْمَ والإِزالَة، وَإِعادَةُ البِناءِ أَوِ التَّأْسيسُ الجَديدُ لِما نَحْتاجُ إِلَيْهِ في ذَلِك. وَهَذِهِ عَمَلِيّاتٌ تَقَدُّمِيَّةٌ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ إِلّا بِالمُشارَكَةِ مَعَ الآخَرِ المُتَقَدِّمِ في حُضورِ تَعْزيزِ الذّات، وَتَنْمِيَةِ القُدْرات، واسْتِغْلالِ الإِمْكانِيّاتِ البَشَرِيَّةِ والطَّبيعِيَّة. يوجِبُ الأَمْرُ الاِنْطِلاقَ مِنْ دَعائِمَ مَتينَةٍ لِلفِكْر، وَقَواعِدَ رَصينَةٍ لِلرُّؤْيَة، في تَصَوُّرٍ حَضارِيٍّ فَلْسَفِيٍّ مُتَكامِل؛ يَعْتَمِدُ على عَقْلٍ مُتَجَدِّدٍ، وَيَسْتَضيءُ بِمَزيجٍ مِنْ أَنْوارِ الماضي والحاضِرِ والمُسْتَقْبَل.
وَبِما أَنَّ عَصْرَنا الحالِيَّ هُوَ عَصْرُ المَعْلوماتِ والمَعْرِفَةِ الرَّقْمِيَّة، تَفْرِضُ "المَعْلوماتِيَّة" (Informatics) بِمَفْهومِها الشّامِل، حُضورَها في صَميمِ الفِكْرِ والتَّفْكيرِ البَشَرِيّ، فَهِيَ التي رَسَمَتْ صورَةَ الحَضارَةِ المُعاصِرَة، وَتَغَلْغَلَتْ في نَسيجِها الاِجْتِماعِيِّ والاِقْتِصادِيِّ والثَّقافِيِّ والسِّياسِيّ؛ ما يَعْني ضَرورَةَ البَدْءِ بِفَلْسَفَتِها الكَوْكَبِيَّةِ وَتَطْويعِها بِخُصوصِيَّتِنا الذّاتِيَّة.
المعلوماتية تشمل نماذج الأنظمة البشرية الطبيعية التي تتماسّ في تفاعلها مع الأنظمة الآلية المحوسبة
نَموذَجُ "المَعْلوماتِيَّة"، يَرْتَبِطُ بِمُخْتَلِفِ بُنى الأَنْظِمَةِ الطَّبيعِيَّةِ والمُصَنَّعَةِ حاسوبِيًّا وَتَفاعُلِها مَعَ بَعْضِها البَعْض. وَمِنْ حَيْثُ مَفْهومُها المَعْرِفِيّ، فَهِيَ "دِراسَةُ التَّرْكيبِ والخَوارِزْمِيّاتِ والسُّلوكِ والتَّفاعُلاتِ المُخْتَلِفَةِ لِلأَنْظِمَةِ الطَّبيعِيَّةِ والحاسوبِيَّةِ المُهَنْدَسَة". أَيْ أَنَّ المَعْلوماتِيَّةَ لَيْسَتْ تِكْنولوجْيا المَعْلوماتِ والاِتِّصالاتِ فَحَسْب، كَما قَدْ يَرى البَعْض، وَلَكِنَّها تَشْمَلُ نَماذِجَ الأَنْظِمَةِ البَشَرِيَّةِ الطَّبيعِيَّةِ التي تَتَماسُّ في تَفاعُلِها مَعَ الأَنْظِمَةِ الآلِيَّةِ المُحَوْسَبَة؛ فَيَحْدُثُ التَّأْثيرُ المُتَبادَلُ بَيْنَهُما بِصورَةٍ قَوِيَّة، في شَكْلٍ تَطَوُّرِيٍّ مُتَزايِد، يَنْعَكِسُ في شَتّى مَظاهِرِ حَياتِنا.
تُشيرُ الدِّراساتُ إلى أَنَّ النُّمُوَّ الفِكْرِيَّ المُرْتَبِطَ بِالمَعْلوماتِيَّةِ يَزْدادُ بِما يُقارِبُ (8%) سَنَوِيًّا. وَأَصْبَحَتِ المَعْلوماتِيَّةُ حَقيقَةً ثَقافَةً قائِمَةً بِذاتِها، نَظَرًا لِخَصائِصِها الاِسْتِخْدامِيَّةِ وَمَزاياها الفائِقَة. وَمَعَ تَفاقُمِ المُشْكِلاتِ الإِنْسانِيَّةِ النّاجِمَةِ عَنْ تَعاظُمِ اسْتِخْداماتِ المَعْلوماتِيَّةِ في حَرَكَةِ المُجْتَمَعاتِ وَتَحَكُّمِها في تَحَوُّلاتِ التَّغَيُّرِ المُخْتَلِفَة، بَرَزَتِ المَخاوِفُ مِنْ "طُغْيانِ التِّكْنولوجْيا"، وَهَيْمَنَةِ الآلِيَّةِ المَعْلوماتِيَّةِ على حاضِرِ وَمُسْتَقْبَلِ الإِنْسانِيَّة، فَتَغَيَّرَ النَّظَرُ في العُقودِ الأَخيرَةِ لِمَفْهومِ المَعْلوماتِيَّةِ مِنَ النّاحِيَةِ الفَلْسَفِيَّة، وَأَصْبَحَ المُفَكِّرونَ يُعيدونَ النَّظَرَ بِشَأْنِها!.
كَيْفَ نُدْرِكُ ذَواتِنا مِنْ خِلالِ المَعْلوماتِيَّة، وَنُطَوِّرُ فَهْمَنا لِأَنْفُسِنا؟ كَيْفَ نَسيرُ إلى عالَمٍ أَرْقى بِسَيْطَرَةٍ إِنْسانِيَّة، وَلا تَضيعُ البوصَلَةُ في يَدِ هَذِهِ الآلَةِ الجَبّارَة، والتي تَتَطَوَّرُ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ؟ وَمِنْ ثَمَّ باتَتْ فَلْسَفَةُ المَعْلوماتِيَّةِ تُعْنى بِالمَنْظورِ النَّقْدِيِّ لِلطَّبيعَةِ المَفاهيمِيَّةِ والمَبادِئِ الأَساسِيَّةِ لِلتِّقْنِيَّةِ وَتَطْبيقاتِها.
وَلِذا، تُعْتَبَرُ فَلْسَفَةُ المَعْلوماتِيَّةِ مِنْ ضِمْنِ الفَلْسَفَةِ التَّطْبيقِيَّة، وَمَنْشَطًا خاصًّا بِالعَمَلِيّاتِ الأَخْلاقِيَّة، كَمَجْموعَةِ الأَفْكارِ المُنْضَبِطَةِ قِيَمِيًّا لِتَسْييرِ السُّلوكِ الإِنْسانِيِّ في أَعْمالِ وَأَنْشِطَةِ المَعْلوماتِيَّةِ بِأَنْواعِها. إِنَّها تَخْتَصُّ تَحْديدًا بِأَخْلاقِيّاتِ المَعْلوماتِ والحاسوبِ والشَّبَكاتِ الإِلِكْتْرونِيَّةِ وَما يَشْمَلُها مِنْ تَطْبيقاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ في مَجالِ تِكْنولوجْيا المَعْلوماتِ والاِتِّصالاتِ وَفَضاءِ الإِنْتِرْنِت. إِنَّها، عِلْمِيًّا، حَقْلٌ فَلْسَفِيٌّ جَديد، كَغَيْرِها مِنْ حُقولِ فَلْسَفَةِ الأَخْلاقِيّاتِ الأُخْرى، مِثْلَ "الأَخْلاقِيّاتِ البِيولوجِيَّة"، "أَخْلاقِيّاتِ الأَعْمالِ والمال"، "أَخْلاقِيّاتِ المُحْتَرِفينَ"، إِلَخ.
والحَقيقَة، أَنَّ هُناكَ عَوامِلَ عِدَّةً ساهَمَتْ في ظُهورِ فَلْسَفَةِ المَعْلوماتِيَّة، مِنْها:
- نُزوعُ كَثيرٍ مِنَ المُحْتَرِفينَ والهُواةِ في المُؤَسَّساتِ المَدَنِيَّةِ والعَسْكَرِيَّة، لِسوءِ اسْتِعْمالِ الآلَةِ المَعْلوماتِيَّة.
- الحاجَةُ إلى ضَرورَةِ تَدَخُّلِ الفِكْرِ البَشَرِيِّ الحَكيمِ في تَوْجيهِ وَتَرْشيدِ أَعْمالِ المَعْلوماتِيَّة، بَلْ في قَراراتِ وَخِياراتِ تَصْنيعِها وَإِنْتاجِها واسْتِخْدامِها وَتَوْظيفِها التَّوْظيفَ الأَمْثَل، حَتّى يُمْكِنَ تَعْزيزُ بَقاءِ الإِنْسانِ مُسَيْطِرًا على الآلَة.
لا بدّ من رسم سياسات مُتحكّمة في تطوير واستخدام المنتجات المعلوماتية
- تَزَايُدُ خُطورَةِ الآلَةِ المَعْلوماتِيَّةِ بِوُصولِ الذَّكاءِ الاِصْطِناعِيِّ إلى دَرَجاتٍ فائِقَةٍ مِنَ التَّطَوُّر، وَظُهورُ مُؤَشِّراتٍ جادَّةٍ لِإِمْكانِيَّةِ إِحْلالِ الآلَةِ مَحَلَّ الإِنْسان. الأَمْرُ الذي يَفْرِضُ ضَرورَةَ تَدَخُّلِ التَّرْشيدِ والتَّوْجيهِ الإِنْسانِيّ.
أَمْسى الأَمْرُ مُحْرِجًا جِدًّا في صِناعَةِ التِّكْنولوجْيا المَعْلوماتِيَّةِ المُعاصِرَة! وَكانَ لا بُدَّ مِنْ رَسْمِ سِياساتٍ مُتَحَكِّمَةٍ في تَطْويرِ واسْتِخْدامِ المُنْتَجاتِ المَعْلوماتِيَّة، مِنْ خِلالِ سَنِّ القَوانينِ وَوَضْعِ اللَّوائِحِ والضَّوابِطِ المُخْتَلِفَة. ما يَعْني إِعادَةَ النَّظَرِ جِدِّيًّا فيما يُعْرَفُ بِـ"التِّكْنولوجْيا الفَوْقِيَّة": السِّياساتِ والتَّشْريعاتِ والمُخَطَّطاتِ وَالإِجْراءات، وَبِالأَخَصِّ في بُلْدانِنا العَرَبِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

