في المَنْطِقَةِ العَرَبِيَّة، حَيْثُ تَرْتَفِعُ دَرَجاتُ الحَرارَةِ بِنَحْوِ ضِعْفَيْ المُتَوَسِّطِ العالَمِيّ، لَمْ يَعُدِ التَّبْريدُ رَفاهِيَّة. في أَجْزاءٍ واسِعَةٍ مِنْ عالَمِنا، يُسَجِّلُ الصَّيْفُ 40 دَرَجَةً مِئَوِيَّة، فَيُصْبِحُ التَّبْريدُ ضَرورَةً مَعيشِيَّةً وَصِحِّيَّةً واقْتِصادِيَّة. وَمِنْ هُنا يَبْرُزُ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"اقْتِصادِ التَّبْريد"، وَهُوَ مَنْظومَةٌ مُتَكامِلَةٌ لا تَقْتَصِرُ على أَجْهِزَةِ التَّكْييفِ داخِلَ المَنازِل، بَلْ تَمْتَدُّ إلى الكَهْرَباء، والمِياه، والغِذاء، والصِّحَّة، وَسَلاسِلِ الإِمْداد، وَحَتّى إِنْتاجِيَّةِ العَمَل.
تَضاعَفَ الطَّلَبُ على الكَهْرَباءِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقِيا نَحْوَ ثَلاثِ مَرّاتٍ مُنْذُ مَطْلَعِ الأَلْفِيَّة، وَيُتَوَقَّعُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِنَحْوِ 50 في المِئَةِ إِضافيةً بِحُلولِ عام 2035. والأَكْثَرُ دَلالَة، أَنَّ التَّبْريدَ يَسْتَهْلِكُ اليَوْمَ نَحْوَ رُبْعِ الكَهْرَباءِ السَّنَوِيَّةِ في المَنْطِقَة، وَيُشَكِّلُ قُرابَةَ نِصْفِ الطَّلَبِ في ساعاتِ الذُّرْوَةِ الصَّيْفِيَّة. وَهَذَا يَعْني أَنَّ الضَّغْطَ الأَكْبَرَ على الشَّبَكاتِ لا يَأْتي مِنَ الِاسْتِهْلاكِ العادِيّ، بَلْ مِنْ فَتراتِ الحَرِّ القُصْوى، حينَ يُصْبِحُ التَّكْييفُ مَسْأَلَةً يَوْمِيَّةً مُلِحَّة.
التبريد بات شرطًا لاستمرار النشاط الاقتصادي
لَكِنَّ اقْتِصادَ التَّبْريدِ لا يَقْتَصِرُ على ما يَحْدُثُ داخِلَ المَنازِل، إِنَّما يَمْتَدُّ أَثَرُهُ إلى حِفْظِ الغِذاءِ وَتَقْليلِ هَدْرِه، وَإلى سَلامَةِ الأَدْوِيَةِ واللِّقاحات، وَإلى كَفاءَةِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ الحَسّاسَة.
تُشيرُ تَقْديراتٌ دَوْلِيَّةٌ إلى أَنَّ نَحْوَ 14 في المِئَةِ مِنَ الغِذاءِ عالَمِيًّا يُفْقَدُ قَبْلَ وُصولِهِ إلى الأَسْواق، وَيُعْزى جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلى ضَعْفِ سَلاسِلِ التَّبْريد، وَلا سِيَّما في المَناطِقِ الحارَّة، ما يَجْعَلُ التَّبْريدَ جُزْءًا مِنْ مُعادَلَةِ الأَمْنِ الغِذائِيّ، لا مُجَرَّدَ خِدْمَةٍ لوجيسْتِيَّة.
في هَذا السِّياق، يَتَحَوَّلُ الحَرُّ إلى بَنْدٍ اقْتِصادِيٍّ ثابِتٍ في ميزانِيّاتِ الأُسَر. تَتَضَخَّمُ فاتورَةُ الكَهْرَباءِ في شَكْلٍ مَلْحوظٍ خِلالَ أَشْهُرِ الصَّيْف، وَقَدْ تُـمَثِّلُ نِسْبَةً مَلْحوظَةً مِنْ دَخْلِ الأُسْرَةِ خِلالَ ذُرْوَةِ الحَرّ، وَلا سِيَّما في البُلْدانِ ذاتِ الدَّخْلِ المُتَوَسِّطِ أَوِ التي تُعاني مِنْ ضَعْفٍ في الشَّبَكات. وَفي هَذِهِ الحالات، لا تَقْتَصِرُ التَّكْلِفَةُ على الفاتورَةِ الرَّسْمِيَّة، بَلْ تَشْمَلُ اشْتِراكاتِ المُوَلِّداتِ الخاصَّةِ وَتَكْلِفَةَ البَطّارِيّات، ما يُضاعِفُ العِبْءَ المالِيَّ وَيَجْعَلُ التَّبْريدَ واحِدًا مِنْ أَثْقَلِ بُنودِ الإِنْفاقِ اليَوْمِيّ.
لَكِنَّ التَّكْلِفَةَ لا تُقاسُ فَقَطْ بِما يُدْفَع، بَلْ أَيْضًا بِما يُفْقَد. يَضْغَطُ الحَرُّ الشَّديدُ على الإِنْتاجِيَّةِ وَساعاتِ العَمَل، وَلا سِيَّما في الأَنْشِطَةِ المَكْشوفَةِ مِثْلَ البِناءِ والزِّراعَةِ والنَّقْل.
تُشيرُ تَقْديراتُ "مُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدَّوْلِيَّة" إلى أَنَّ الإِجْهادَ الحَرارِيَّ قَدْ يُؤَدّي إلى فُقْدانِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ في المِئَةِ مِنْ إِجْمالِيِّ ساعاتِ العَمَلِ عالَمِيًّا بِحُلولِ عام 2030، مَعَ تَرَكُّزِ الخَسائِرِ في المَناطِقِ الحارَّة. وَهَذا يَعْني أَنَّ التَّبْريدَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ وَسيلَةٍ لِلرّاحَة، بَلْ باتَ شَرْطًا لِاسْتِمْرارِ النَّشاطِ الاقْتِصادِيِّ نَفْسِه.
دعم الطاقة في البلدان العربية يفوق أكثر من ضعفَي ما يُنفق على الصحة والتعليم مُجتمِعَيْـن
وَلا يَقَعُ العِبْءُ على الأُسَرِ وَحْدها. تَتَحَمَّلُ الدَّوْلَةُ بِدَوْرِها قِسْمًا كَبيرًا مِنَ التَّكْلِفَة، عَبْرَ دَعْمِ الكَهْرَباءِ أَوْ تَغْطِيَةِ عَجْزِ شَرِكاتِ الطّاقَةِ أَوْ تَمْويلِ التَّوَسُّعِ في الإِنْتاجِ والنَّقْلِ والتَّوْزيع. وَخِلالَ الأَعْوامِ 2021 – 2022 - 2023، بَلَغَ دَعْمُ الطّاقَةِ في البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ نَحْوَ 206 مِلْياراتِ دولارٍ سَنَوِيًّا، بِمُتَوَسِّطٍ يُقارِبُ سَبْعَةَ في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، وَهَذا يَفوقُ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفَيْ ما يُنْفَقُ على الصِّحَّةِ والتَّعْليمِ مُجْتَمِعَيْن. ويُؤَكِّدُ هَذا الرَّقْمُ أَنَّ التَّبْريدَ لَمْ يَعُدْ مَسْأَلَةَ اسْتِهْلاكٍ فَرْدِيّ، بَلْ أَصْبَحَ مِنْ مَسائِلِ المالِيَّةِ العامَّةِ التي تَمَسُّ اسْتِقْرارَ الميزانِيّاتِ الحُكومِيَّة.
المُفارَقَةُ أَنَّ هَذَا الدَّعْم، على الرَّغْمِ مِنْ ضَخامَتِه، لا يُحَقِّقُ دائِمًا العَدالَةَ المَرْجُوَّة. في الكَثيرِ مِنَ الحالات، تَسْتَفيدُ الشَّرائِحُ الأَعْلى دَخْلًا مِنَ الجُزْءِ الأَكْبَرِ مِنَ الكَهْرَباءِ المَدْعومَةِ بِحُكْمِ اسْتِهْلاكِها الأَعْلى. وَهَكَذا يَتَحَوَّلُ الدَّعْمُ مِنْ أَداةٍ لِلْحِمايَةِ الاجْتِماعِيَّةِ إلى آلِيَّةٍ غَيْرِ دَقيقَةٍ قَدْ تُعَمِّقُ التَّفاوُتَ بَدَلًا مِنْ تَقْليصِه. أَمّا بَيْعُ الكَهْرَباءِ بِأَسْعارٍ أَقَلَّ مِنْ تَكْلِفَتِها الفِعْلِيَّةِ فَيَعْني أَنَّ جُزْءًا مِنَ الفاتورَةِ لا يَخْتَفي، بَلْ يُرَحَّلُ إلى المالِيَّةِ العامَّةِ أَوْ إلى الِاسْتِثْماراتِ المُؤَجَّلَةِ في البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة.
كَذَلِكَ يُشَكِّلُ التَّبْريدُ ضَغْطًا مُتَزايِدًا على الشَّبَكاتِ الكَهْرَبائِيَّة، كَوْنُهُ يُمَثِّلُ نَحْوَ نِصْفِ الطَّلَبِ في ساعاتِ الذُّرْوَة، ما يَعْني أَنَّ الدُّوَلَ مُضْطَرَّةٌ إلى بِناءِ قُدُراتِ إِنْتاجٍ وَنَقْلٍ ضَخْمَةٍ لِتَلْبِيَةِ احْتِياجاتٍ لا تَسْتَمِرُّ إِلّا لِفَتَراتٍ مَحْدودَةٍ مِنَ العام.
بَلَغَ الِاسْتِثْمارُ في قِطاعِ الكَهْرَباءِ في المَنْطِقَةِ نَحْوَ 44 مِلْيارَ دولارٍ في عام 2024، وَيُتَوَقَّعُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِنَحْوِ 50 في المِئَةِ بِحُلولِ عام 2035، مَعَ تَوْجيهِ نَحْوَ 40 في المِئَةِ مِنْ هَذا الإِنْفاقِ إلى الشَّبَكاتِ وَحْدَها، في مُحاوَلَةٍ لِتَفادي الِانْقِطاعاتِ وَضَمانِ اسْتِمْرارِيَّةِ الخِدْمَة.
يجب تقديم دعم مباشر للفئات الأكثر حاجة بدل الدعم الشامل
لا يَكْمُنُ الحَلُّ فَقَطْ في إِنْتاجِ المَزيدِ مِنَ الكَهْرَباء، بَلْ كَذَلِكَ في اسْتِخْدامِها بِكَفاءَةٍ أَكْبَر. الكَثيرُ مِنْ أَجْهِزَةِ التَّكْييفِ في المَنْطِقَةِ لا تَزالُ أَقَلَّ كَفاءَةً مِنْ نَظيراتِها في البُلْدانِ المُتَقَدِّمَة، كَما تَفْتَقِرُ المَباني في الأَغْلَبِ إلى العَزْلِ الحَرارِيِّ المُناسِب. وَثَمَّةَ حُلولٌ أَكْثَرُ تَقَدُّمًا مِثْلُ التَّبْريدِ المَرْكَزِيِّ في المُدُنِ والمُجَمَّعاتِ الكَبيرَة. وَيَجِبُ اعْتِمادُ سِياساتِ تَسْعيرٍ أَكْثَرَ ذَكاءً تَسْتَنِدُ إلى حِمايَةِ الِاسْتِهْلاكِ الأَساسِيّ، وَتَحْميلِ الِاسْتِهْلاكِ المُرْتَفِعِ تَكْلِفَةً أَكْبَر، مَعَ تَقْديمِ دَعْمٍ مُباشِرٍ إلى الفِئاتِ الأَكْثَرِ حاجَةً بَدَلًا مِنَ الدَّعْمِ الشَّامِل. وَيُمَثِّلُ الِاسْتِثْمارُ في الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ فُرْصَةً لِلْمِنْطِقَة، نَظَرًا إلى تَزامُنِ ذُرْوَةِ الطَّلَبِ على التَّبْريدِ مَعَ ذُرْوَةِ الإِشْعاعِ الشَّمْسِيّ.
(خاص "عروبة 22")

