صحافة

أوكرانيا وسوريا وإعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط

خالد العزي

المشاركة
أوكرانيا وسوريا وإعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط

في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، تسعى الدول الإقليمية إلى إعادة تقييم تحالفاتها وتعزيز دورها في مشهد معقد يتسم بالتوترات المستمرة والتهديدات الأمنية المتزايدة. في هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق في 5 نيسان 2025 لتفتح بابًا جديدًا من التعاون بين سوريا وأوكرانيا.

هذه الزيارة التي تزامنت مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وازدياد التوترات الإقليمية، تسلط الضوء على الفرص التي قد توفرها هذه الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. من التعاون العسكري والدفاعي إلى تعزيز الأمن الغذائي والاقتصادي، تُمثل زيارة زيلينسكي بداية لفصل جديد في العلاقات السورية-الأوكرانية، وتطرح تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، ومكانتها في الاستراتيجيات الدولية الجديدة. في هذا السياق، تبرز فرص وتحديات متعددة قد تؤثر على مستقبل المنطقة برمتها.

فيما يتعلق بالأمن الغذائي، قد تصبح سوريا شريكًا استراتيجيًا لأوكرانيا، التي تعتبر واحدة من أكبر دول العالم في إنتاج الحبوب. سوريا، التي تعاني من نقص حاد في المواد الغذائية بسبب سنوات الحرب، يمكنها الاستفادة بشكل كبير من خبرات أوكرانيا في الزراعة والإنتاج الزراعي. هذه الشراكة يمكن أن تؤدي إلى تعزيز التجارة الزراعية بين البلدين، وتبادل السلع الغذائية، مما سيسهم في تحسين الأوضاع المعيشية في سوريا.

ومع ذلك، لا يخلو التعاون بين سوريا وأوكرانيا من التحديات. أحد أبرز هذه التحديات هو الموقف الروسي من تعزيز العلاقات السورية الأوكرانية. روسيا كانت الحليف الرئيسي للنظام السوري خلال الحرب، وأي تقارب بين سوريا وأوكرانيا قد يثير غضب موسكو، التي تسعى للحفاظ على هيمنتها في المنطقة. إضافة إلى ذلك، فإن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها سوريا قد تكون عائقًا إضافيًا، حيث تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء اقتصادها، وهو ما يتطلب توفير الدعم المالي الدولي.

أحد أبرز جوانب التعاون الذي قد يجلب فائدة كبيرة لسوريا هو الاستفادة من الخبرات التي اكتسبتها أوكرانيا خلال سنوات الحرب، خصوصًا في مجال إعادة بناء البنى التحتية. أوكرانيا قد تكون قد مرّت بتحديات مشابهة في تأهيل شبكات الكهرباء والبنية التحتية بعد تعرضها لهجمات واسعة. سوريا، التي دمرت بنيتها التحتية بسبب الحرب، يمكنها الاستفادة من هذه الخبرات في ترميم المدن المدمرة، وإعادة تأهيل القطاعات الحيوية مثل شبكات الكهرباء، والاتصالات، والمياه، ما يعزز من استقرارها الاقتصادي.

تعزيز التعاون الدفاعي بين سوريا وأوكرانيا يعد من أبرز الجوانب الاستراتيجية. يمكن لسوريا الاستفادة من الخبرات الأوكرانية في مجال التصنيع العسكري، بما في ذلك في مجالات الطائرات العسكرية، الصواريخ الموجهة، وتنظيف الألغام ومخلفات الحروب. كما أن التعاون في تعزيز التدريب العسكري وبناء القدرات الحربية السورية يعد أمرًا مهمًا في ظل سعي سوريا لتطوير منظومتها الأمنية الخاصة، على غرار ما قامت به أوكرانيا. هذا التعاون يمكن أن يساهم في تعزيز قدرة سوريا على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.

إن العلاقة المتوازنة بين أوكرانيا والدول العربية هي عنصر حاسم في تعزيز التعاون بين الطرفين. بالإضافة إلى الدعم العسكري، يعد التعاون الاقتصادي جانبًا مهمًا في هذه العلاقة. الدول العربية، من خلال قدرتها على تأمين التمويل، يمكنها توفير دعم كبير لأوكرانيا في سعيها لإعادة بناء قدراتها الدفاعية وصناعاتها العسكرية. كما أن هذا التعاون يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للتبادل التجاري بين أوكرانيا والدول العربية، ويعزز التعاون في مجالات أخرى مثل الطاقة والزراعة.

الشراكة مع الدول العربية قد تمنح أوكرانيا القدرة على تنويع مصادر دعمها المالي والعسكري، مما يقلل من اعتمادها على الغرب. وهذا بدوره يوفر لأوكرانيا هامشًا أكبر من المناورة في استراتيجياتها العسكرية والسياسية. من جانب آخر، تعتبر الولايات المتحدة أن التعاون بين أوكرانيا والدول العربية يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ففي ظل التهديدات التي تمثلها إيران وحلفاؤها في المنطقة، بما في ذلك حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، فإن تعزيز التعاون مع أوكرانيا يوفر لدول الشرق الأوسط القدرة على مواجهة هذه التهديدات بشكل أكثر فعالية. هذا التعاون يمنح الدول العربية فرصًا لتعزيز أمنها ومواردها العسكرية، وبالتالي تحقيق استقرار أكبر في المنطقة.

إذا كان التعاون بين أوكرانيا والدول العربية مدفوعًا بالمصالح المشتركة في الأمن والاقتصاد، فإنه يعكس أيضًا استراتيجيات أوسع للقوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. من خلال استغلال الموارد المالية الكبيرة للدول العربية وتقديم الدعم العسكري والتقني، تستطيع أوكرانيا لعب دور محوري في المنطقة، مما يجعلها شريكًا ذا قيمة استراتيجية. في الوقت نفسه، يعزز هذا التعاون من قدرة أوكرانيا على مواجهة تحدياتها الاقتصادية والعسكرية، ويمنحها استقلالية أكبر في اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية، بعيدًا عن الضغوط الغربية.

إن زيارة زيلينسكي إلى دمشق تفتح الباب أمام تعاون غير تقليدي بين سوريا وأوكرانيا، خاصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن الغذائي. هذا التعاون يمكن أن يسهم بشكل كبير في استقرار سوريا في ظل التحديات الإقليمية والدولية. في حين أن هذه الزيارة قد تعزز مكانة سوريا الإقليمية وتفتح لها آفاقًا جديدة، إلا أن هناك العديد من العوائق التي قد تعترض هذا التعاون، خاصة من القوى الكبرى التي لا ترغب في حدوث تحولات غير محسوبة في التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن