صحافة

خطّان تفاوضيّان لا حلّ لبنانيًا بغير تكاملهما

زياد ماجد

المشاركة
خطّان تفاوضيّان لا حلّ لبنانيًا بغير تكاملهما

تتسارع في "الشرق الأوسط" بعد توقّف الحرب الأمريكية الإسرائيلية مؤقتاً على إيران، وتصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، مسارات التفاوض، ومثلها مسارات التصعيد والتحضير لجولة عنف جديدة. ففي وقت تنطلق فيه المفاوضات الايرانية الأمريكية في باكستان، على أساس سلّة تفاهمات مبدئية ومجموعة بنود خلافية جوهرية ليس من السهل الوصول إلى اتفاقات حولها، انطلقت أيضاً اتصالات لبنانية أمريكية إسرائيلية، من دون وقف للنار وفي ظلّ التباسات حول مضمونها وحول علاقتها ببعض البنود التي ستُبحث في أي حال في اجتماعات إسلام أباد.

ويمكن القول في ما خصّ التفاوض الإيراني الأمريكي، إن طهران نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى سلاح لن تتخلّى عنه، لا بل يمكن أن تُضيف إليه باب المندب إن عادت الحرب فتحرّك حلفاؤها الحوثيّون، ويمكن أن تضرب العمق الخليجي العربي لتقول إن خطوط الأنابيب البرية البديلة لإخراج النفط والغاز عبر السعودية إلى البحر الأحمر أو إلى الأردن فإسرائيل لن تُجدي نفعاً.

في المقابل، لن يكون بوسع الإيرانيين الدفاع عمّا تبقّى من برنامجهم النووي العالي التخصيب، ولن يكون بمستطاعهم الحصول على ضمانات تحمي برنامجهم الباليستي، بما يعني أن المسائل المرتبطة بدورهم الإقليمي، وبرفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول والأموال المجمّدة وتنظيم عبور هرمز والرسوم الممكن تقاضيها على ذلك ستكون أبرز مسائل التفاوض الجدّي ليكون الاتفاق حولها مخرجاً مناسباً يحفظ ماء وجه التراجع في المسائل الأُخرى.

والأرجح أن المفاوضين الإيرانيين يدركون أن لعبة كسب الوقت هي لعبة يخوضها الطرف الآخر أيضاً إذ يُعيد تذخير طائراته وبوارجه استعداداً لفشل التفاوض، تماماً كما يعيدون هم تنظيم شؤون نظامهم وهيكليّاته وسيطرته الميدانية وقواعد إطلاق صواريخه وطائراته المسيّرة. ويدرك الإيرانيون كذلك أن إسرائيل تريد تخريب المفاوضات ومواصلة الحرب وأن بعض صقور الإدارة الأمريكية يجارونها في الأمر، وهذا يعني أن لديهم مصلحة في الاتفاق مع نائب الرئيس جيه دي فانس الأقلّ تأثّراً من غيره بالضغوط الإسرائيلية والجمهوري الانعزالي محدود الاهتمام بالشؤون الخارجية، على العكس من الموفدَين ستيف ويتكوف وجاريد كاشنير، اللذين ناورا مرّتين في حزيران/يونيو 2025 وفي شباط/فبراير 2026 واندلعت الحرب كلّ مرة بين جولات مفاوضاتهما.

في المقابل يسعى فانس إلى انتزاع ما يمكن لدونالد ترامب اعتباره إنجازاً يُنهي الحرب، لجهة فتح مضيق هرمز والقبول بالبحث في مصير كمّيات اليورانيوم عالي التخصيب "المفقودة" والتركيز على الشقّ البعيد المدى في البرنامج الباليستي (بعد أن دُمّر أو استُخدم جزء من مخزونه في القصف الإيراني على إسرائيل)، والاتفاق على مبادئ عامة تزعم السعي للسلام الإقليمي والتمنّع عن كل سياسة تدخَل في الجوار أو "زعزعة استقرار". وإذا كان التوصّل إلى صياغات تسووية ممكناً في الشأن النووي بعد كلّ ما جرى، إلّا أنه أصعب في الشأن الباليستي، ويتطلّب التوافق على إجراءات متلازمة في ما خصّ هرمز والعقوبات والأصول والأموال المجمدّة،كما يتطلّب بحثاً يصرّ عليه الإيرانيون في ما خصّ سريان وقف إطلاق النار فيلبنان.

يحيلنا الأمر الأخير إلى الأحوال اللبنانية. ولبنان يبدو اليوم محاصراً بين النيران الإسرائيلية وإشكاليات التفاوض الإقليمي والتوتّر السياسي والطائفي الداخلي. فهناك من ناحية مجازر إسرائيلية متنقّلة طالت العاصمة بيروت، كما تستمرّ في ضرب الضاحية الجنوبية والنبطية وصور وصيدا وأرجاء الجنوب بأكمله مع تدمير ممنهج لقرى وبلدات حدودية بهدف احتلالها ومنع أهلها من العودة حتى إلى ما قد لا يبقى تحت الاحتلال منها.

وهناك من ناحية ثانية مفاوضات لبنانية إسرائيلية برعاية أمريكية ستبدأ في واشنطن وسط ملابسات عديدة. منها أن إسرائيل لن توقف القصف خلالها. ومنها أن أفق المفاوضات غير واضح إذ أن شرط نزع سلاح حزب الله دون وقف الاعتداءات الإسرائيلية ودون اتفاق موازٍ في المفاوضات الأمريكية الإيرانية سيكون متعذّراً. ومنها كذلك أن الفصل بين الأمني والسياسي، أي بين وقف النار وبدء التفاوض على ما يتخطّاه من ترتيبات بين بيروت وتل أبيب يتطلّب إصراراً لبنانياً على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة في الجنوب ضمن جدول زمني، لا تبدو إسرائيل إلى الآن معنية بمجرّد التداول به.

وهناك أخيراً وليس آخراً الوضع اللبناني الداخلي المقبل على المزيد من التأزّم. ذلك أن استمرار اعتماد حزب الله لخطاب تخويني تجاه خصومه، وحملاته ضد رئيس الحكومة نواف سلام تحديداً، لا يمكن أن تبقى بلا تداعيات. وهي إلى كونها خطيرة ومليئة بالإسفاف ومزوّرة للحقائق في ما يخصّ سلام، تكرّس هوّة بين قاعدة الحزب الشيعي المنكوبة والقسم الأكبر من اللبنانيين، لا سيّما المنتمين إلى بيئات سياسية ومناطقية ومذهبية أُخرى، ترى معظمها الحزب وحلفه الإيراني سبباً للحرب الدائرة ومؤدّياتها.

في الوقت نفسه، لا يمكن إعفاء عدد من الأطراف من خصوم الحزب الشيعي من مسؤولياتهم في ما يتعلّق بالتأزّم الداخلي، إذ أن من يراهن منهم علناً أو سراً على البربرية الإسرائيلية للخلاص من الحزب إنما يستدعي بذاته الصدام الأهلي ويعزّز مكانة المتحمّسين له في المقلب الآخر.

لجميع هذه الأسباب، تبدو المصلحة اللبنانية اليوم في أن يتكامل مسارا التفاوض المقبل بين طهران وواشنطن من جهة وبين بيروت وتل أبيب من جهة ثانية، ليكون هناك اتفاق بين الإيرانيين والأمريكيين على القبول بنزع سلاح حزب الله من قبل الجيش اللبناني مقابل وقف جميع الاعتداءات الإسرائيلية. وليكون هناك اتفاق موازٍ في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية على مسار أمني وسياسي متدرّج يضمن وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود البرية وسيادة الدولة اللبنانية وحدها على الأرض وعلى السلاح وعلى قرارات الحرب والسلم.

من دون تكامل كهذا، شروط تحقّقه في أي حال ما زالت شديدة الصعوبة، سيبقى لبنان خاسراً إن لجهة استمرار حرب دولة الإبادة، إسرائيل، عليه، أو لجهة فقدان الدولة لدورها المركزي وبقاء المجتمع مشرّعاً على حملات التخوين والرهانات الإجرامية والعنف الأهلي…

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن