تَفْرِضُ هَذِهِ الإِجْراءاتُ الأميركيةُ تَساؤُلاتٍ جِدِّيَّةً حَوْلَ تَداعِياتِها الآَنِيَّةِ والمُسْتَقْبَلِيَّة، وَحَوْلَ مَآلاتِ عَدَدٍ مِنِ اتِّفاقِيّاتِ التَّعاوُنِ التِّجارِيِّ والاقْتِصادِيِّ المُوَقَّعَةِ بَيْنَ عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة؛ وَفي هَذا السِّياق، لا مَنْدوحَةَ مِنَ الإِشارَةِ إلى اتِّفاقِيَّةِ التِّجارَةِ الحُرَّةِ المُوَقَّعَةِ بَيْنَ الرِّباطِ وَواشِنْطُن، والتي دَخَلَتْ حَيِّزَ التَّنْفيذِ سَنَةَ 2006، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَرَضَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الأَميرْكِيَّةُ نِسْبَةَ 10% كَتَعْرِفَةٍ جُمْرُكِيَّةٍ قارَّة (ثابِتَة) على المُنْتَجاتِ المَغْرِبِيَّةِ مِنْ دونِ أَيِّ اعْتِبارٍ لِمَضامينِ هَذِهِ الاتِّفاقِيَّةِ التي تُعْفي المُنْتَجاتِ المَغْرِبِيَّةَ مِنَ الخُضوعِ لِأَيِّ تَعْرِفَةٍ جُمْرُكِيَّة.
على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الاتِّفاقِيَّةَ عَزَّزَتْ تَضاعُفَ حَجْمِ التَّبادُلِ التِّجارِيِّ بَيْنَ المَغْرِبِ والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الذي بَلَغَ خِلالَ السَّنَتَيْنِ الأَخيرَتَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ 5,5 مِلْياراتِ دولار - جُلُّها عِبارَةٌ عَنْ وارِداتٍ مَغْرِبِيَّة - فَإِنَّ فَرْضَ الرُّسومِ الجَديدَةِ يُشَكِّكُ في مَدى التِزامِ واشِنْطُن بِمَبادِئِ الاتِّفاق، وَقَدْ يَدْفَعُ المَغْرِبَ إلى إِعادَةِ التَّفْكيرِ في التَّفاوُضِ حَوْلَ بَعْضِ بُنودِ الاتِّفاقِيَّةِ أَوِ البَحْثِ عَنْ أَسْواقٍ بَديلَةٍ لِتَعْويضِ أَيِّ خَسائِرَ مُحْتَمَلَةٍ جَرّاءَ تَقَلُّصِ القُدْرَةِ التَّصْديرِيَّةِ نَحْوَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة.
فرض رسوم أميركية جديدة على واردات السيارات المغربية قد يُؤثّر بشكل غير مباشر على القطاع
كَما قَدْ تُطْرَحُ أَسْئِلَةٌ عَديدَةٌ في هَذا الصَّدَدِ حَوْلَ إِمْكَانِيَّةِ تَعامُلِ المَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّةِ بِالمِثْلِ مَعَ البَضائِعِ الأَميرْكِيَّةِ وَفَرْضِ رُسومٍ جُمْرُكِيَّةٍ عَلَيْها، وَذَلِكَ عَمَلًا بِمَبْدَأِ الحِمائِيَّةِ المُضادَّةِ الذي بَدَأَتْ تُلَوِّحُ بِهِ الصّينُ وَبُلْدانٌ أوروبِّيَّةٌ عِدَّةٌ في حالَةِ عَدَمِ تَراجُعِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ عَنْ قَرارِها، وَهُوَ أَمْرٌ لا نَعْتَقِدُ بِحُدوثِهِ بِالنَّظَرِ إلى الِارْتِباطاتِ السِّياسِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ المُتَشَعِّبَةِ بَيْنَ البَلَدَيْن، وَكَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى ضَعْفِ الصّادِراتِ المَغْرِبِيَّةِ نَحْوَ واشِنْطُن، حَيْثُ لا يُمَثِّلُ رَقْمُ المُعامَلاتِ التِّجارِيَّةِ بَيْنَ البَلَدَيْنِ سِوى 3% مِنْ مَجْموعِ المُعامَلاتِ التِّجارِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ مَعَ الخارِج، وَهُوَ ما قَدْ يَدْفَعُ المَمْلَكَةَ إلى التَّرَيُّثِ إلى حينِ تَحَسُّنِ الأَوْضاعِ على المُسْتَوى الدَّوْلِيِّ قَبْلَ الشُّروعِ في طَلَبِ مُراجَعَةِ اتِّفاقِيَّةِ التَّبادُلِ الحُرِّ والرُّسومِ الجُمْرُكِيَّةِ الجَديدَةِ التي فُرِضَتْ على المَغْرِب.
مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، وَبِاعْتِبارِ المَغْرِبِ مَرْكَزًا صِناعِيًّا إِقْلِيمِيًّا في مَجالِ صِناعَةِ السَّيارات، فَإِنَّ فَرْضَ رُسومٍ أَميرْكِيَّةٍ جَديدَةٍ بِنِسْبَةِ 25% على وارِداتِ السَّياراتِ قَدْ يُؤَثِّرُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُباشِرٍ على القِطاع؛ فَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المَغْرِبَ لا يُصَدِّرُ السَّياراتِ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، إِلّا أَنَّ مُصَنِّعينَ أوروبِّيّينَ وَآسْيَوِيّينَ مِمَّنْ يَسْتَثْمِرونَ في المَغْرِبِ وَيَطْمَحونَ إلى اسْتِهْدافِ السّوقِ الأَميرْكِيَّةِ انْطِلاقًا مِنْه، قَدْ يَعْدِلونَ عَنْ مَشَاريعِهِمُ الاسْتِثْمارِيَّةِ وَيَعْمَدونَ إلى إِعادَةِ تَقْييمِ اسْتِثْماراتِهِمْ في المَمْلَكَة، وَبِالتّالي تَفْويتُ فُرْصَةِ تَطْويرِ قِطاعِ الصِّناعاتِ الميكانيكِيَّة، وَخَلْقُ حالَةٍ مِنَ الِارْتِباكِ على مُسْتَوى التَّوَجُّهاتِ الاقْتِصادِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ التي تولي أَهَمِّيَّةً كَبيرَةً لِتَطْويرِ القِطاعِ عَبْرَ آلِيَّةِ الاسْتِثْماراتِ الخارِجِيَّة.
تستدعي التحوّلات تفعيل التعاون العربي المشترك لتقليص ارتهان الاقتصاد العربي لتقلّبات الأسواق الدولية
وارْتِباطًا بِالمَوْضوعِ في المَلَفِّ ذاتِه، يُمْكِنُ التَّساؤُلُ أَيْضًا حَوْلَ مَدى إِمْكانِيَّةِ مُضِيِّ شَرِكَةِ "تِسْلا" لِصِناعَةِ السَّياراتِ في تَنْزيلِ مَشاريعِها في المَغْرِبِ في ظِلِّ السَّعْيِ الواضِحِ لِلرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ دونالْد ترامب لِإِعادَةِ تَوْطينِ الاسْتِثْماراتِ الخارِجِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ داخِلَ البِلاد.
تَسْتَدْعي هَذِهِ التَّحَوُّلاتُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضى مِنْ قِبَلِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تَبَنّي سِياسَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ مَرِنَة، وَتَسْريعَ عَمَلِيَّةِ تَنْويعِ الشُّرَكاءِ والأَسْواقِ وَعَدَمِ الِاعْتِمادِ على شَريكٍ تِجارِيٍّ واحِد، إلى جانِبِ تَفْعيلِ التَّعاوُنِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَكِ سَواءٌ عَبْرَ الاتِّفاقِيّاتِ البَيْنِيَّةِ أَوْ في إِطارِ التَّعاوُنِ العَرَبِيّ، الرّامي إلى إِقامَةِ سوقٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ تُقَلِّصُ مِنَ ارْتِهانِ الاقْتِصادِ العَرَبِيِّ لِتَقَلُّباتِ الأَسْواقِ الدَّوْلِيَّة؛ وَنَوَدُّ التَّذْكيرَ في هَذا الصَّدَدِ بِأَنَّ المَمْلَكَةَ المَغْرِبِيَّةَ سَعَتْ خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْنِ إلى تَنْويعِ شُرَكائِها، خاصَّةً عَبْرَ بَوّابَةِ اتِّفاقِياتِ التَّبادُلِ الحُرِّ مَعَ عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة، مِنْ دونِ أَنْ تُفْلِحَ في تَخْفيفِ قُيودِ التَّبَعِيَّةِ لِلِاقْتِصادِ الأوروبِّيِّ الذي باتَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى مِنَ الدُّخولِ في حَرْبٍ تِجارِيَّةٍ مَعَ الإِدارَةِ الأَميرْكِيَّة، قَدْ تَمْتَدُّ تَأثيراتُها لِتَشْمَلَ الاقْتِصادَ المَغْرِبِيّ، وَإِنْ كانَتْ تَأْثيراتٌ غَيْرَ مُباشِرَةٍ لَكِنَّها حَقيقِيَّةٌ، خُصوصًا في ما يَتَعَلَّقُ بِالاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّةِ وَقِطاعِ السَّياراتِ واسْتِقْرارِ التَّبادُلِ التِّجارِيِّ كَما سَبَقَتِ الإِشارَةُ إلى ذَلِك.
إِنَّ قَرارَ ترامب بِفَرْضِ رُسومٍ جُمْرُكِيَّةٍ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِجْراءٍ اقْتِصادِيٍّ داخِلِيّ، بَلْ لَهُ أَبْعادٌ دَوْلِيَّةٌ سَوْفَ تُؤَثِّرُ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ على التَّوازُناتِ التِّجارِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ العالَمِيَّة، وَهُوَ قَرارٌ يَتَزامَنُ مَعَ تَراجُعِ دَوْرِ المُؤَسَّساتِ الدَّوْلِيَّةِ التي كَانَتْ تَدْعَمُ انْسِيابِيَّةَ التِّجارَةِ العالَمِيَّة، وَعلى رَأْسِها مُنَظَّمَةُ التِّجارَةِ العالَمِيَّة، خاصَّةً بَعْدَ تَعْليقِ الدَّعْمِ والتَّمْويلِ الأَميرْكِيِّ لَها، وَهُوَ ما يُشَكِّلُ تَهْديدًا لِنِظامٍ اقْتِصادِيٍّ بُنِيَ على قَواعِدَ مُسْتَقِرَّةٍ لِعُقود، قَدْ يَقودُ العالَمَ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهول!.
(خاص "عروبة 22")

