الحَقيقَةُ الأُولى الَّتي يَلْزَمُ التَّذْكيرُ بِها هِيَ أَنَّ ما نَنْعَتُهُ اليَوْمَ بِالذَّكاءِ الاصْطِناعي وَما غَدا مِنَ المُعْتادِ أَنْ نَرْمِزَ إِلَيْهِ بِالحَرْفَيْنِ اللّاتينيَّيْنِ "AI" (Artificial Intelligence) بِاللُّغَةِ الإِنْكليزِيَّةِ - أَوْ(Intelligence Artificielle) بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّة، لَيْسَ بِالأَمْرِ الحَديثِ النَّشْأَة، إِذْ إِنَّهُ لا يَعْدو في نَشْأَتِهِ حُدودَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْن، كَما يَتَوَهَّمُ الكَثيرونَ ذَلِك، بَلْ إِنَّهُ، مِنْ جِهَةِ الأَصْلِ وَالنَّشْأَةِ يَرْجِع، بِالنِّسْبَةِ لِلصّورَةِ الَّتي نَعْرِفُها اليَوْمَ لِلذَّكاءِ الاصْطِناعي، إِلى عُقودٍ سَبْعَة (وَرُبَّما أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ قَليلًا).
في عِبارَةٍ أُخْرى، بِدايَةُ تَشَكُّلِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ نَعْتُ "السّيبرنِطيقا" (La Cybernétique) وَهَذِهِ الأَخيرَةُ تُشَكِّلُ (مُنْذُ عُقودٍ عِدَّة) عِلْمًا قائِمَ الذّاتِ يُدَرَّسُ في غَيْرِ واحِدَةٍ مِنْ كُبْرَياتِ الجامِعاتِ في العالَم. وَما يَسْتَهْدِفُهُ هذا العِلْمُ (= مَجْموعُ التِّقْنِيّاتِ المُعَقَّدَةِ الَّتي تَنْتَظِمُها السّيبرنِطيقا) هُوَ التَّوَصُّلُ إِلى القُدْرَة (أَيِ الكَيْفِيَّة) الَّتي يَغْدو بِمُوجَبِها في وُسْعِ أَنْساقٍ آلِيَّةٍ أَنْ تَتَدَبَّرَ حَرَكِيَّتَها بِكَيْفِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنْ تَدَخُّلِ الإِنْسان. وَأَمّا التَّجَلِّياتُ الواضِحَةُ لِذَلِكَ فَهِيَ "الرّوبوت" (Robot) أَوِ الآلَةُ الَّتي تَقومُ بِإِنْتاجِ فِعْلٍ ذاتِيٍّ في اسْتِقْلالِيَّةٍ عَنِ الجِسْمِ البَشَرِيِّ مَعَ خُضوعٍ لِما يُمْليهِ العَقْلُ البَشَرِيُّ وِفْقَ بَرْنامَجٍ يَقومُ بِالتَّخْطيطِ لَه. يَسْتَطيعُ "الرّوبوت" إِنْجازَ خِدْماتٍ مُحَدَّدَة - وَبِالتّالي يَكونُ في إِمْكانِهِ أَنْ يَنوبَ عَنِ الإِنْسانِ في ذَلِكَ بِالقِيامِ بِمَهامَّ تَبْلُغُ فيها الجَوْدَةُ وَالنَّجاعَةُ دَرَجَةً عالِيَة، فَـ"الرّوبوت" الواحِد، في مَراحِلِ الإِنْتاجِ في المَعْمَل، يَقومُ بِما لا تُطيقُهُ جُهودُ عُمّالٍ كَثيرينَ تَعْمَلُ مُجْتَمِعَةً مُتَضافِرَة (دَعْكَ مِنْ جَوْدَةِ الإِنْتاجِ وَدِقَّتِهِ وَضَخامَةِ حَجْمِه - مِمّا لا يُطيقُهُ الإِنْسان).
حلم الآلة التي تعمل بموجب ما تُقرّره إرادة الإنسان يرقى إِلى أزمنة موغلة في القدم
الحَقيقَةُ الثّانِيَة، هِيَ أَنَّ فِكْرَةَ "الرّوبوت" ذاتَها (وَالأَساسُ فيها تَمَثُّلُ مَبْدَأ المُحَرِّكِ الَّذي يَتَحَرَّكُ بِمُوجَبِ قُوَّةٍ ذاتِيَّةٍ ميكانيكِيَّةٍ يُقَدِّرُها الإِنْسان) تَرْقى إِلى أَبْعَدَ مِمّا أَشَرْنا إِلَيْهِ بِكَثير. ذَلِكَ أَنَّها قَدْ عَرَفَتْ إِرْهاصاتِها الأولى، بَلْ وَحَقَّقَتْ إِنْجازاتٍ هامَّة، في القَرْنِ الـ17 مِمّا لَيْسَ المَقامُ مَجالَ بَسْطِ الإِتْيانِ فيهِ بِالشَّواهِدِ المُؤَيِّدَة. وَأَمّا الحُلْمُ ذاتُه، حُلْمُ الآلَةِ الَّتي تَعْمَلُ بِموجَبِ ما تُقَرِّرُهُ إِرادَةُ الإِنْسان، فَإِنَّهُ يَرْقى إِلى أَزْمِنَةٍ موغِلَةٍ في القِدَمِ لِأَنَّها تَتَّصِلُ بِظُهورِ الإِنْسانِ العالِم (homo sapiens) وَالشَّأْنُ في ذَلِكَ - عَلى سَبيلِ التَّمْثيلِ أَيْضًا - شَأْنُ الطَّيَران (فَقَدْ كانَ مَحْضَ حُلُم، بَلْ جُنون، وَكانَ الفِكْرُ العِلْمِيُّ يُدْرِجُهُ في عِدادِ المُسْتَحيلِ المُضادِّ لِقَوانينِ الطَّبيعَة).
ثُمَّ إِنَّهُ مِنَ المُفيدِ، ثالِثًا وَأَخيرًا، أَنْ نُذَكِّرَ بِحَقيقَةٍ بَسيطَةٍ تَتَّصِلُ بِالعِلْمِ وَبِتاريخِهِ وَتَطَوُّرِه - وَبِالتّالي بِما هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلإِنْسانِ دَرْسٌ وَعِظَةٌ وَتَذْكيرٌ مَعًا. إِنَّ العِلْمَ، مِنْ حَيْثُ هُوَ إِنْتاجٌ لِلْمَعارِفِ وَمُراكَمَةٌ لَها (مَعَ التَّنْقيحِ المُتَّصِلِ لِلأَخْطاءِ الَّتي يَتِمُّ الوُقوعُ فيها) يَسْلُكُ في تَطَوُّرِهِ مَسارًا مُعَقَّدًا فَهُوَ يَمُرُّ بِأَطْوارٍ يَكونُ فيها النَّجاحُ مُتَّصِلًا وَبِأُخْرى يَتَوالى فيها الفَشَل، بَلْ إِنَّ الإِخْفاقاتِ المُتَتالِيَةَ تَفوقُ أَضْعافًا كَثيرَة، وَلِذَلِكَ يُقالُ عَنْ تاريخِ العِلْمِ إِنَّهُ تاريخُ إِخْفاقِ العِلْم. وَما يَحْدُثُ في تاريخِ العِلْمِ هُوَ أَنَّ الجُهودَ تَتَضافَر، وَرُبَّما كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ تَنْسيقٍ بَيْنَ العُلَماء (بَلْ وَرُبَّما كانوا يَجْهَلونَ وُجودَ بَعْضِهِمُ البَعْضَ وَبِما يَحْصُلُ مِنْ نَجاحٍ وَمِنْ إِخْفاقٍ في مَناطِقَ مِنَ العالَمِ بَعيدَةٍ عَنْهُم). ثُمَّ إِنَّ الاكْتِشافاتِ وَالاخْتِراعات (وَبِالتّالي النَّجاحات) تَتَقاطع، فَيُكْمِلُ بَعْضُها البَعْضَ الآخَرَ وَيُصَحِّحُهُ وَهَذا ما تَشْهَدُ بِهِ الكُتُبُ الَّتي تُؤَرِّخُ لِلْعِلْم، في مُخْتَلِفِ مَجالاتِ المَعْرِفَة.
الذكاء الاصطناعي من ثمار العقل البشري وتعبير عن وجوده
ما يَحْدُثُ، في فَتَراتٍ مِنْ تَطَوُّرِ العِلْم، هُوَ تَحَقُّقُ طَفَراتٍ كَيْفِيَّةٍ عُظْمى تُدْخِلُ كُلَّ ما سَبَقَ في عِدادِ مَرْحَلَةِ "ما قَبْلَ العِلْمِ" وَتَجْعَلُ مَعَ الطَّفْرَةِ بِدْءًا جَديدًا تَبْدو الأَشْياءُ مَعَه، لِلْجاهِلِ دونَ العالِم، كَما لَوْ كانَتْ قَدِ انْبَثَقَتْ مِنْ عَدَم - وَالحالُ أَنَّها خاضِعَةٌ لِمَنْطِقٍ ذاتِيٍّ وَلِصَيْرورَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ يَقْدِرُ تاريخُ العِلْمِ عَلى شَرْحِها وَالكَشْفِ عَنْ دَلالَتِها. وَهكَذا نَتَبَيَّنُ أَنَّ ما تَحَقَّقَ مِنَ المَعارِفِ العِلْمِيَّة، بِفَضْلِ الطَّفَراتِ المَعْرِفِيَّة، في القَرْنَيْنِ المُنْصَرِمَيْنِ يَفوق، مِنْ أَوْجُهٍ شَتّى، مَجْموعَ ما تَحَقَّقَ مِنْ مَعْرِفَةٍ عِلْمِيَّةٍ في مَراحِلَ سابِقَةٍ تُحْتَسَبُ بِآلافِ السَّنوات. وَلَيْسَ مِنَ التَّهْويلِ في شَيْءٍ أَنْ نَقولَ إِنَّ ما تَحَقَّقَ مِنِ اكْتِسابِ المَعارِفِ العُظْمى، في العُقودِ الثَّلاثَةِ الأَخيرَة (الهاتِفُ النَّقّال، الشَّبَكَةُ العَنْكَبوتِيَّة، وَالثَّوْرَةُ الرَّقْمِيَّة، بَلْ وَمُنْجَزاتُ الذَّكاءِ الاصْطِناعي ذاتُها) يَكادُ يَفوقُ ما تَحَقَّقَ في تاريخِ العِلْمِ في التّاريخِ البَشَريِّ بِرُمَّتِه.
هَلْ نَحْنُ في حاجَةٍ إِلى إِعْلانِ حَقيقَةٍ أَكْثَرَ أَوَّلِيَّةً وَأَشَدَّ بَساطَة: إِنَّ كُلَّ ما تَحَقَّقَ قَدْ كانَ نَتيجَةً لِعَمَلِ العَقْلِ البَشَريِّ وَتَعْبيرًا عَنْه. الذَّكاءُ الاصْطِناعيُّ مِنْ ثِمارِ العَقْلِ البَشَريِّ وَتَعْبيرٌ عَنْ وُجودِه.
(خاص "عروبة 22")

