لَمْ يَتَخَيَّلْ أَحَدٌ أَنْ تَكونَ دُوَلُ الخَليجِ العَرَبِيِّ هَدَفًا عَسْكَرِيًّا لِلصَّوارِيخِ المُدَمِّرَةِ الإيرانِيَّة، لَقَدْ تَأَثَّروا بِالحَرْبِ جَميعًا مُقْتَنِعينَ بِأَنَّ المِظَلَّةَ الأَميرْكِيَّة، إلى جانِبِ التَّطْبيعِ التَّدْريجِيِّ لِعَلاقاتِهِمْ مَعَ إيرانَ تَضْمَنُ أَمْنَهُم، وَهُمْ لَمْ يَتِمَّ إِبْلاغُهُمْ أَوْ تَحْذيرُهُمْ كِفايَةً بِشَأْنِ حَرْبٍ لَمْ يُريدوها.
لَمْ يَعُدِ الشَّرْقُ الأَوْسَطُ يَقومُ على الأَفْكارِ البَسيطَة، التي تَتَحَكَّمُ بِدُخولِ وَخُروجِ النَّفْطِ وَالغازِ الطَّبيعِيِّ مِنَ المِنْطَقَة، أَوْ مُجَرَّدِ التَّفاوُضِ على حُرِّيَّةِ المِلاحَةِ في مَضيقِ هُرْمُز مِنْ دونِ ضَماناتٍ أَمْنِيَّةٍ مُسْتَدامَة. كانَتِ المِنْطَقَةُ حَتّى العامِ 2016، تَشْهَدُ حالاتٍ مِنَ النِّزاعِ المُسَلَّحِ وَالِاضْطِراباتِ خارِجَ حُدودِ دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيّ، أَدَّتْ إلى مَوْجاتٍ مِنَ النُّزوحِ وَاللُّجوءِ وَانْهِيارٍ في الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ وَالوَحْدَةِ المُجْتَمَعِيَّة، مَعَ كُلِّ ما تَحْمِلُهُ مِنَ النِّزاعَاتِ الأَهْلِيَّةِ إلى الأَزمات، التي كانَتْ قائِمَةً في حالَةِ العِراقِ وَسورْيا وَلُبْنانَ وَالصّومالِ وَاليَمَنِ مِنْ ضَحايا وَدَمارٍ وَتَدَخُّلاتٍ إِقْليمِيَّةٍ وَدَوْلِيَّة.
التحديات تتجاوز الحدود ولا يمكن لأي بلد أن يتعامل معها بمفرده
هَذَا ما حَمَلَ "مُؤَسَّسَةَ الفِكْرِ العَرَبِيِّ" على أَنْ تَجْعَلَ مَوْضوعَ "التَّكامُلِ الأَمْنِيِّ" مِحْوَرَ مُؤْتَمَراتٍ عُقِدَتْ في مِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَأَبو ظَبي، تَمَحْوَرَتْ نَشاطاتُها حَوْلَ مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ وَبِناءِ نَموذَجٍ لِلْأَمْنِ العَرَبِيِّ لِمُواجَهَةِ التَّطَرُّفِ وَالإِرْهابِ وَالتَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّةِ وَمَخاطِرِ حَرْبِ الشَّبَكاتِ الرَّقْمِيَّةِ وَالحُروبِ الفَضائِيَّة. لَكِنَّ الحَرْبَ الإيرانِيَّةَ وَالهَجَماتِ غَيْرَ المُبَرَّرَةِ على دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيِّ أَحدَثَت تَغَيُّرًا في مُسْتَجِدّاتِ البيئَةِ العالَمِيَّة، مَعَ تَعاظُمِ خَطَرِ الميليشْياتِ المُسَلَّحَة، وَتَفاقُمِ الصِّراعاتِ الخارِجِيَّةِ لِتَطالَ اسْتِقْرارَ دُوَلِ المِنْطَقَة، ما باتَ يَعْكِسُ المَزيدَ مِنَ التَّحَدِّياتِ الأَمْنِيَّة، ما يَعْني أَنَّهُ لا توجَدُ جَماعَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ قائِمَةٌ بِذاتِها، قادِرَةٌ على ابْتِكارِ نَماذِجَ تُمَكِّنُها لِوَحْدِها مِنْ تَحْقيقِ الأَمْنِ وَالحِفاظِ على حُدودٍ مَرْئِيَّةٍ هِيَ اليَوْمَ الأَكْثَرُ اسْتِهْدافًا.
ثَمَّةَ مَجْموعَةٌ جَديدَةٌ مِنَ الصُّعوباتِ التي تُواجِهُ تَحْديدًا جَديدًا لِبِناءِ نَموذَجِ الأَمْنِ العَرَبِيِّ لِمُواجَهَةِ حُروبٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا في تَداخُلِها وَتَشابُكِها في ظِلِّ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، وَمِنْ حَيْثُ تَبايُنُ الرُّؤى وَطَبيعَةُ العَلاقاتِ وَالتَّحالُفَاتِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَوْلِيَّة، إِضَافَةً إلى ما طَرَأَ على مَفْهومِ التَّدَخُّلِ الأَميرْكِيِّ وَتَوْظيفِهِ لِصالِحِ حِمايَةِ القُوى الحَليفَة. وَهُناكَ عَلاقَةٌ ارْتِباطِيَّةٌ بَيْنَ مَفْهومِ العَلاقاتِ الخَليجِيَّةِ - الأَميرْكِيَّةِ وَبَرامِجَ تَكْتَسي طابَعًا مُغْلَقًا بِأَغْراضٍ اسْتراتيجِيَّةٍ أُخْرى، قَدْ تَكونُ مُخالِفَةً بِدَلالاتِها، ما يَتَجاوَزُ حُروبَ الشَّبَكاتِ السّابِقَةِ الفَضائِيَّةِ وَالإِلِكْتْرونِيَّة، أَوْ جَرائِمَ التِّقْنِيَةِ العالَمِيَّةِ وَالنِّزاعَاتِ الأَهْلِيَّةِ المُسَلَّحَةِ وَالكَراهِيَةِ وَالعُنْصُرِيَّةِ داخِلَ الدُّوَلِ وَإِضْعافِها في ظِلِّ العَلاقَةِ الِارْتِباطِيَّةِ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة.
لِذَلِك، تَتَقَدَّمُ الحاجَةُ في ظُروفِ المَرْحَلَةِ إلى فِكْرَةٍ بَدَأَتْها المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّة، تَعْتَمِدُ على ديناميكِيّاتِ التَّعاوُنِ مَعَ عالَمٍ مُتَعَدِّدِ الأَقْطابِ وَمَناطِقِ نُفوذٍ تُنْتِجُ تَوازُنًا أَكْبَرَ يُفيدُ الِاسْتِقْرارَ في المِنْطَقَة، بَدَلَ الحِفاظِ على نِظامٍ أَمْنِيٍّ قائِمٍ على قَواعِدِ الحِمايَةِ الأَميرْكِيَّةِ فَقَط. فَالتَّحَدِّياتُ تَتَجاوَزُ الحُدود، وَلا يُمْكِنُ لِأَيِّ بَلَدٍ أَنْ يَتَعامَلَ مَعَها بِمُفْرَدِه، حَيْثُ يُمْكِنُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الِاسْتِجابَةُ لِمَخاطِرِ الحُروبِ وَنَسْجِ عَلاقاتٍ أَوْسَعَ مَعَ آسْيا وَأَفْريقْيا وَروسْيا وَالصّينِ وَدُوَلٍ في الِاتِّحادِ الأوروبِّيِّ تَتَمَسَّكُ بِنَهْجِ التَّعَدُّدِيَّةِ وَالِاسْتِقْلالِيَّة (إِسْبانْيا وَفَرَنْسا وَأَلْمانْيا)، كَيْ لا تَكونَ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ ضَحِيَّةً لِظاهِرَةِ حَرْبٍ مُتَكَرِّرَة.
أثبتت إيران أنها تُشكّل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي العربي
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ تَبَوُّءَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ المَرْتَبَةَ الأولى في مَجالِ اتِّفَاقِيّاتِ الدِّفاعِ المُشْتَرَكِ مَعَ دُوَلِ الخَليج، لا يُعَوِّضُ وجوبَ اعتِمادِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ على أَنْظِمَةِ دِفاعٍ وَتَحالُفاتٍ أُخْرى لِتَعْزيزِ الفُروقاتِ في المُخَطَّطاتِ وَالقُدْراتِ الدِّفاعِيَّة، مِنْ مِثْلِ الإِعْلانِ عَنْ "غُرْفَةِ حَرْبٍ مُشْتَرَكَة" لِإِدارَةِ العَمَلِيّاتِ المُتَقَدِّمَةِ وَالتَّطَوُّراتِ المُحْتَمَلَة (نَموذَجُ اتِّفاقِيَّةِ الدِّفاعِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّةِ وَباكِسْتان)، وَتَحْليلِ مَساراتِ العَلاقاتِ المُقْبِلَةِ مَعَ مِصْرَ وَتُرْكْيا وَدُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ، وَبِناءِ تَحالُفاتٍ أَكْثَرَ تَعَدُّدِيَّةً مِنَ العَلاقَةِ الصَّريحَةِ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة.
لَقَدْ أَثْبَتَتْ إيرانُ بِنَزْعَتِها التَّوَسُّعِيَّةِ الفارِسِيَّةِ وَتَوَجُّهاتِها النَّوَوِيَّةِ وَتَشْجيعِها التَّطَرُّفَ الدّينِيَّ وَتَنْمِيَةَ المَذْهَبِيَّة، أَنَّها تُشَكِّلُ تَهْديدًا حَقيقِيًّا لِلْأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيِّ عُمومًا، وَلِدُوَلِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ على وَجْهِ الخُصوص. وَهَذا ما يَجِبُ وَضْعُهُ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ وَضْعِ النَّموذَجِ العربيِّ الجَديد. فإيرانُ لَمْ تَكْتَفِ بِامْتِلاكِ قُوَّةٍ صاروخِيَّةٍ مُتَفَوِّقَة، بَلْ أَصْبَحَتْ لِضَخامَةِ طُموحَاتِها، وَما تُمارِسُهُ مِنِ اسْتِعْراضِ القُوَّة، تَمْتَلِكُ عَناصِرَ القُوَّةِ الأُخْرى في سَعْيِها لِامْتِلاكِ أَسْلِحَةِ الدَّمارِ الشّامِلِ التي تُهَدِّدُ كُلَّ المُنْجَزِ الحَداثِيِّ في الخَليجِ العَرَبِيِّ على مَدى خَمْسينَ عامًا وَأَكْثَر.
مفهوم الأمن المشترك يجب أن يرقى إلى مستوى التهديدات الهائلة
إِذًا، تَطْرَحُ الحَرْبُ تَحَدِّياتِ إِعادَةِ النَّظَرِ في مَفْهومِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيّ، كَيْفَ يُمْكِنُ تَوَفُّرُهُ، مَعَ مَنْ، وَبِأَيِّ وَسائِل، وَأَيِّ تَحالُفاتٍ وَتَفاهُماتٍ أَوْسَعَ مِنَ المَعْمولِ بِها في ميثاقِ الجامِعَةِ العَرَبِيَّة، وَمِنَ التَّكامُلِ الأَمْنِيِّ المَطْروحِ في مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ. فَإِنَّ النَّظَرِيَّةَ الأَمْنِيَّةَ أَوْ مَفْهومَ الأَمْنِ المُشْتَرَكِ يَجِبُ أَنْ يَرْقى إلى مُسْتَوى التَّهْديدَاتِ الهائِلَة، أَي صِياغَةُ اسْتراتيجِيَّةٍ أَمْنِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ في بيئَةٍ عالَمِيَّةٍ تَعَدُّدِيَّةٍ تَتَّسِمُ بِتَزايُدِ وَتَشابُكِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَمَصالِحِها المُشْتَرَكَة، مَعَ الحاجَةِ في اليَوْمِ التّالي لِحَرْبِ "الغَضَبِ المَلْحَمِيّ" إلى الضَّغْطِ السِّياسِيِّ مِنَ الدُّوَلِ الكُبْرى المُؤَثِّرَةِ لِتَسْوِيَةِ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، بِما يَضْمَنُ الحُقوقَ المَشْروعَةَ لِلشَّعْبِ الفِلَسْطينِيّ، وَإِخْلاءَ المِنْطَقَةِ مِنْ أَسْلِحَةِ الدَّمارِ الشّامِل.
(خاص "عروبة 22")

