مِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ يُصْدِرَ الرَّئيسُ ترامب مَشْروعَ ميزانِيَّةِ السَّنَةِ المالِيَّةِ 2027 وَالذي قَدْ يَتَضَمَّنُ اقْتِراحًا بِزِيادَةِ ميزانِيَّةِ الدِّفاعِ إلى 1.5 تْريلْيونِ دولار (مُقارَنَةً بِـ 901 مِلْيارِ دولارٍ في عامِ 2025) وَلَوْ وافَقَ الكونْغرِس، سَيَرْفَعُ ذَلِكَ إِجْمالِيَّ الإِنْفاقِ الدِّفاعِيِّ التَّقْديرِيِّ ما بَيْنَ عامَيْ 2027 وَ2036 بِمِقْدارِ 5.8 تْريلْيوناتِ دولار، وَسَيُضيفُ 6.9 تْريلْيوناتِ دولارٍ إلى الدَّيْنِ الوَطَنِيِّ عِنْدَ احْتِسابِ زِيادَةِ تَكاليفِ الفائِدَة، حَسَبَ مَكْتَبِ الميزانِيَّةِ في الكونْغرِس.
ترامب كان قد تعهّد بتخفيض العجز المالي الأميركي لكنّه الآن قد يوصله إلى مستويات قياسية
وَقُبَيْلَ الحَرْبِ بِفَتْرَةٍ وَجيزَة، وَتَحْديدًا في شَهْرِ يَنايِر/كانونِ الثّاني 2026، أَفادَ تَقْريرٌ لِمُنَظَّمَةِ "الِالْتِزامِ بِميزانِيَّةٍ مَسْؤولَة" الأَميرْكِيَّةِ غَيْرِ الحِزْبِيَّة، بِاقْتِرابِ الدَّيْنِ القَوْمِيِّ الأميرْكِي مِنْ مُسْتَوَياتٍ قِياسِيَّةٍ كَحِصَّةٍ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ حَيْثُ بَلَغَ 100% مَعَ عَجْزِ ميزانِيَّةٍ مُرْتَفِعٍ بِقيمَةِ حَوَالَيْ 6% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ.
وَحَذَّرَ التَّقْريرُ مِنْ أَنَّ لِلْعَجْزِ وَالدُّيونِ المُرْتَفِعَةِ العَديدَ مِنَ العَواقِب، بِما في ذَلِكَ أَنَّها يُمْكِنُ أَنْ تَضَعَ ضَغْطًا تَصاعُدِيًّا على التَّضَخُّم، وَتَرْفَعَ أَسْعارَ الفائِدَة، مَعَ إِبْطاءِ نُمُوِّ الدَّخْل، وَتَقْليلِ المَساحَةِ المالِيَّةِ لِلِاسْتِجابَةِ لِلِاحْتِياجاتِ أَوْ حالاتِ الطَّوارِئ، وَالأَخْطَرَ أَنَّ الدُّيونِ المُفْرِطَةَ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَدِّيَ إلى أَزْمَةٍ مالِيَّة.
وَجاءَ هَذا التَّحْذيرُ قُبَيْلَ الحَرْبِ وَما أَعْقَبَها مِنَ الإِعْلانِ عَنِ الطَّلَبِ الطَّارِئِ لِتَمْويلِها وَالزِّيادَةِ الهائِلَةِ في مَشْروعِ الميزانِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ التي طَلَبَها ترامب، وَالذي لِلْمُفارَقَة، كانَ قَدْ تَعَهَّدَ بِتَخْفيضِ العَجْزِ المالِيِّ الأَميرْكِيِّ خِلالَ تَرَشُّحِهِ لِلرِّئاسَة، وَلَكِنَّهُ الآنَ قَدْ يوصِلُهُ إلى مُسْتَوَياتٍ قِياسِيَّةٍ أَوْ قَدْ يَعْمَدُ إلى تَخْفيضِ النَّفَقاتِ في مَجالاتٍ حَسّاسَة.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الأَزْمَةَ الإِيرانِيَّةَ أَدَّتْ إلى صُعودِ الدّولارِ وَزِيادَةِ الإِيراداتِ النَّفْطِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ إِلّا أَنَّها قَدْ تَرْفَعُ التَّضَخُّمَ وَتَدْفَعُ لِزِيادَةِ مُعَدَّلاتِ الفائِدَةِ مِمّا يُفاقِمُ مِنْ خِدْمَةِ الدَّيْنِ الأَميرْكِيّ، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ اعْتادَتْ عَبْرَ قُوَّةِ الدّولارِ على تَمْويلِ هَذا العَجْزِ مِنْ خِلالِ شِراءِ العالَمِ لِلسَّنَداتِ الأَميرْكِيَّة، لَكِنَّ تَقاريرَ أَفادَتْ بِانْخِفاضِ حِصَّةِ مِلْكِيَّةِ الأَجانِبِ لِسَنَداتِ الخِزانَةِ الأَميرْكِيَّةِ إلى 32% مِنْ إِجْمالِيِّ قيمَتِها وَهُوَ أَدْنى نِسْبَةٍ مُنْذُ عامِ 1997، وِفْقًا لِلْمُحَلِّلينَ في "مورْغان سْتانْلي".
بدأت الدول الحليفة لواشنطن تقلق منها وفرنسا سحبت آخر احتياطها من الذهب من مجلس الاحتياطي الفيدرالي
وَيَرى الخَبيرُ الاقْتِصادِيُّ والمُنَظِّرُ الاسْتْراتيجِيُّ "جيفرى ساكس" أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ تُخاطِرُ بِـ"التَّمَدُّدِ الإِمْبَراطورِيِّ" الذي يُنْهِكُ الِاقْتِصادَ المَحَلِّيّ. وَهَذا التَّحَوُّلُ في الأَوْلَوِيّاتِ المالِيَّةِ أَدّى إلى زِيادَةِ العَجْزِ المالِيّ، مِمّا دَفَعَ أَسْعارَ الفائِدَةِ على الرَّهْنِ العَقارِيِّ لِتَتَجاوَزَ 7.5%، وَباتَ المُواطِنُ الأَميرْكِيُّ يَشْعُرُ بِأَنَّ "الأَمْنَ القَوْمِيَّ" باتَ يُقايَضُ بِـ"الأَمْنِ السَّكَنِيّ".
إِنَّ هَذا لا يَعْني بِالضَّرورَةِ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ مُقْبِلَةٌ على أَزْمَةِ دُيونٍ تُهَدِّدُ عَرْشَ الدّولار، وَأَحَدُ الأَسْبابِ الرَّئيسِيَّةِ لِذَلِك، إِضافَةً إلى مُمَيِّزاتِ الِاقْتِصادِ الأَميرْكِيّ، هُوَ في اعْتِمادِ العالَمِ على الدّولارِ كَوَسيلَةِ التَّداوُلِ النَّقْدِيِّ الرَّئيسِيَّة، وَعلى السَّنَداتِ الأَميرْكِيَّةِ كَمَخْزونٍ لِلْقيمَةِ وَقَناةِ اسْتِثْمارٍ مِعْيارِيَّةٍ بِسَبَبِ غِيابِ بَديل، وَلَكِنْ أَيْضًا لِأَنَّ الِاقْتِصاداتِ الكُبْرى الأُخْرى تَعْتَمِدُ على التَّصْديرِ إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَقُوَّةِ الدّولارِ وَاسْتِمْرارِ الِاسْتِهْلاكِ الأَميرْكِيِّ فيهِ مَصْلَحَةٌ لَها.
وَلَكِنْ مَعَ اسْتِمْرارِ التَّقَلُّباتِ السِّياسِيَّةِ وَالِاقْتِصادِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ بَدَأَتْ حَتَّى الدُّوَلُ الحَليفَةُ لِوَاشِنْطُن تَقْلَقُ مِنْها وَتَعْمَلُ على تَنْويعِ خِياراتِها وَقَدْ يَكونُ ذَلِكَ سَبَبًا رَئِيسِيًّا لِشِراءِ البُنوكِ المَرْكَزِيَّةِ لِلذَّهَبِ خِلالَ الفَتْرَةِ الماضِيَة. وَقَدْ يَكونُ لافِتًا في هَذا الصَّدَدِ أَنَّ فَرَنْسا شَريكَ وَاشِنْطُن في حِلْفِ النّاتو قَدْ سَحَبَتْ مُؤَخَّرًا آخِرَ احْتِياطِها مِنَ الذَّهَبِ مِنْ مَجْلِسِ الاحْتِياطِيِّ الفيدْرالِيِّ الأَميرْكِيِّ في نْيويورْك.
الآلة العسكرية الأميركية الهائلة يُـمكن أن تتحوّل إلى عبء على الاقتصاد الأميركي
كَما أَنَّ اليُوانَ الصّينِيَّ الإِلِكْترونِيَّ وَأَنْماطَ الدَّفْعِ الصّينِيَّةَ الإِلِكْترونِيَّةَ الأَرْخَصَ وَالأَسْرَعَ مِنَ التَّحْويلاتِ التي تَمُرُّ عَبْرَ نِظامِ "سْويفْت" تُمَثِّلُ مُنافِسًا لِلدّولارِ كَعُمْلَةِ تَداوُلٍ رَئيسِيَّة، وَقَدْ تَكونُ المُفارَقَةُ أَنَّ أَحَدَ أَسْبابِ قُوَّةِ الدّولارِ هُوَ حِرْصُ الصّينِ على التَّصْديرِ إلى السّوقِ الأَميرْكِيَّةِ وَعَدَمُ رَفْعِها لِسِعْرِ عُمْلَتِها وَتَجَنُّبُها مُنافَسَةَ الدّولارِ لِكَيْ تَسْتَطيعَ مُنْتَجاتُها المُنافَسَةَ سِعْرِيًّا. وَلَكِنْ مَعَ اسْتِمْرارِ التَّباعُدِ الصّينِيِّ - الأَميرْكِيِّ بَدَأَتْ بِكين تُقَلِّلُ نِسَبَ حِيازَتِها لِلْأُصولِ الأَميرْكِيَّة.
وَيَبْدو أَنَّ مِنْ بَيْنِ أَهْدافِ مُغامَراتِ ترامب في فِنِزْويلا وَإِيران، هُوَ الهَيْمَنَةُ على النَّفْطِ لِمُحاصَرَةِ الصّينِ وَتَحْصيلِ الغَنائِمِ الِاقْتِصادِيَّةِ لِتَمْويلِ ميزانِيَّةِ حُكومَتِه، كَما قالَ هُوَ بِشَكْلٍ صَريح، وَلَكِنَّ المُفارَقَةَ أَنَّ حَرْبَ إِيران (وَقَبْلَها الغَزْوُ الأَميرْكِيُّ لِلْعِراق) أَثْبَتَتْ أَنَّ الآلَةَ العَسْكَرِيَّةَ الأَميرْكِيَّةَ الهائِلَةَ مُكْلِفَةٌ لِلْغايَةِ وَأَنَّها يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى عِبْءٍ على الِاقْتِصادِ الأَميرْكِيّ. وَعلى العَكْس، فَإِنَّ أَقْوى عَوامِلِ ثَرْوَةِ وَاشِنْطُن هِيَ القُدْرَةُ على التَّنَبُّؤِ بِسِياساتِها وَسِيادَةِ القانون، حَسْبَما قالَ محمد العرْيان، الِاقْتِصادِيُّ الأَميرْكِيُّ المِصْرِيُّ الأَصْلِ وَالذي حَذَّرَ مِنْ أَنَّ التَّشْكيكَ في هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ تَحْديدًا مِنْ شَأْنِهِ تَقْويضُ مَكانَتِها، وَيَضْغَطُ على الأُصولِ المالِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، وَهُوَ ما يَقومُ بِهِ ترامب بِوَتيرَةٍ مُتَسارِعَة.
لا يَعْني ما سَبَقَ قُرْبَ حُدوثِ أَزْمَةِ دُيونٍ أَميرْكِيَّةٍ بِالضَّرورَة، وَلَكِنَّها تَظَلُّ احْتِمالًا قائِمًا بِنِسَبٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ في تاريخِ أَميرْكَا المالِيّ.
تحتاج الدول العربية إلى المزيد من التنويع في احتياطياتها المالية وعدم تركيزها في الغرب
وَعلى الصَّعيدِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ الحِيازاتِ الخَليجِيَّةَ مِنْ سَنَداتِ الخِزانَةِ الأَميرْكِيَّةِ لَيْسَتْ بِالضَّخامَةِ التي يَظُنُّها البَعْض، إِذْ تَميلُ الصَّناديقُ السِّيادِيَّةُ العَرَبِيَّةُ إلى الأَسْهُمِ وَالمُشارَكَةِ في الشَّرِكاتِ مُباشَرَة، كَما أَنَّ تَراجُعَ الدّولارِ يُقَلِّلُ مِنْ قيمَةِ دُيونِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الفَقيرَة.
وَلَكِنْ في المُقابِل، تَحْتاجُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ إلى المَزيدِ مِنَ التَّنْويعِ في احْتِياطِيّاتِها المالِيَّةِ عَبْرَ زِيادَةِ حِيازاتِ الذَّهَبِ وَالعُمْلاتِ الأُخْرى وَكَذَلِكَ تَنْويعِ الِاسْتِثْماراتِ وَعَدَمِ تَرْكيزِها في الغَرْب، وَلا سِيَّما في الوِلاياتِ المُتَّحِدَة في ظِلِّ ضَبابِيَّةِ وَتَقَلُّبِ المَشْهَدِ السِّياسِيِّ وَالِاقْتِصادِيِّ فيها!.
(خاص "عروبة 22")

