صحافة

"المشهد اليوم".. ترامب يُمَدِّدُ وَقْفَ النار ويُبقي إيرانَ "تحتَ الحِصار"!دعمٌ أوروبيٌّ وخليجيٌّ لِلُبنان وإسرائيلُ تُسابِقُ المفاوضاتِ بِتَدميرِ الجنوب.. والشَّرعُ في السعودية


قبلَ ساعاتٍ من انتهاءِ هدنةِ الأسبوعين، قرَّرَ الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب تمديدَ وقفِ النار مع إيران، إفساحًا في المجال أمامَ الدبلوماسيّة والمفاوضات. وهي خطوةٌ قد تُسهمُ في كسبِ المزيدِ من الوقتِ، وتخفيفِ حدّةِ الاحتقانِ، ومنعِ تمدّدِ نطاق المواجهاتِ إلى التصعيدِ الشامل. ويعودُ هذا "التراجعُ" عن التهديدِ بضربِ البُنى التحتيّةِ الإيرانيّةِ في حالِ فشلِ التوصّلِ إلى اتفاقٍ، إلى الجهودِ الباكستانيّةِ المكثّفةِ، التي فعَّلَت مُحرّكاتِها بهدفِ منعِ تجدّدِ القتالِ، وسَعَت بحرصٍ إلى تقريبِ وجهاتِ النظرِ بشأنِ الملفاتِ العالقة. لكنها فشلَتْ في إعادةِ الطرفينِ إلى طاولةِ المحادثاتِ، مع تمسّكِ طهرانَ بـ"خطوطِها الحمراء" من جهةٍ، ورفضِ واشنطن تقديمَ تنازلاتٍ "مجانيّةٍ" من جهةٍ ثانيةٍ، مع إصرارِها على استمرارِ الحصارِ البحريِّ على الموانئِ الإيرانيّةِ وسواحلهِا. وهو أمرٌ وصفَهُ قادةُ إيرانَ بأنّه عملٌ حربيٌّ، وأسهَمَ في زيادةِ نقاطِ التباعدِ والتنافر.

وتتمسّكُ الإدارةُ الأميركيّةُ بحزمةِ شروطٍ يصفُها البيتُ الأبيضُ بأنّها "غير قابلةٍ للتفاوض". ويأتي على رأسِها التزامُ طهرانَ بنقلِ كلِّ مخزونِها من اليورانيومِ المخصّبِ بنسبةِ 60 في المئةِ فأكثرَ إلى خارجِ أراضيهَا، وضمانُ عدمِ استخدامِه في أغراضٍ عسكريّة. إلى جانبِ إعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمز بالكاملِ، وضمانِ عدمِ تعرّضِ السفنُ التجاريّةِ وناقلاتِ النفطِ لأيِّ تهديداتٍ، وصولًا إلى مطالبتِهَا بفكِّ دعمِهَا لوكلائِها في المنطقة. في المقابل، تتمسّكُ طهرانُ بمطلبٍ أساسيٍّ، هو رفعُ الحصارِ عنها، الذي يُكبّدُهَا خسائرَ كبيرةً ويخنقُ اقتصادَها المتداعي أصلًا. كما تُبدي استعدادَهَا لتجميدٍ مؤقّتٍ لبرنامجِهَا النوويِّ لسنواتٍ، مقابلَ اعترافِ واشنطنَ بحقِّهَا في التخصيبِ لأغراضٍ سلميّةٍ، مع المطالبةِ بتعويضاتٍ ماليّةٍ عن الأضرارِ الناجمةِ عن المواجهاتِ الأخيرة. أمّا في ما يتعلّقُ بمضيقِ هُرمز، فتسعَى إيرانُ إلى إبقائِه "ورقةَ ابتزازٍ" تَضمنُ لها بقاءَ يدِها الطولى. وهذا ما من شأنِه أن يُعيدَ رسمَ التوازناتِ في المنطقةِ ويَخلقَ المزيدَ من القلاقلِ، نظرًا إلى الدورِ الحيويِّ لهذا المضيق. ودفعَ ذلك حتى وكالةِ الطاقةِ الدوليةِ إلى التحذيرِ من "أكبرِ أزمةِ طاقةٍ في التاريخِ"، خصوصًا أن الأسواقَ العالميةَ لا تواجهُ فقط نقصًا آنيًا، بل فجوةً تراكميةً سيستمرُّ تأثيرُها حتى في حالِ إقرارِ أيِّ تهدئةٍ مُحتملة. فتداعياتُ هذه الحربِ ستبقَى ماثلةً لفترةٍ من الزمن، ولن تنتهي بمجردِ إعلانِ البلدين عن التوصلِ إلى اتفاق.

وعليه، تبقَى الأنظارُ شاخصةً باتجاهِ العاصمةِ الباكستانيةِ إسلام آباد، التي تحوّلَت خلالَ الأسابيعِ الماضيةِ إلى ما يُشبهُ "الخلية". إذ تزايدَتِ الاتصالاتُ والمباحثاتُ التي يتولاهَا رئيسُ الوزراءِ شهباز شريف مع أطرافِ الحرب. وأعلَنَ شريف، أمسِ الثلاثاءِ، أن بلادَه "ستواصلُ جهودَهَا الجادةَ للتوصلِ إلى تسويةٍ للنزاعِ عبر التفاوض"، معربًا عن أملِهِ في أن يواصلَ الجانبان الالتزامَ بوقفِ إطلاقِ النار. وتجهدُ باكستان لردمِ الفجواتِ، لكنها تصطدمُ بالشروطِ والشروطِ المضادةِ، بينما يتمترسُ كلُ طرفٍ خلفَ مطالبِه ودعوتِه الآخرَ إلى "الإذعان". ويرَى الرئيسُ ترامب أن بلادَه حققَتِ انتصارًا "عظيمًا"، إذ قالَ، في آخرِ تصريحٍ له، إن "البحريةَ الإيرانيةَ بأكملِهَا ترقدُ في قاعِ البحرِ، وقواتُهُم الجويةُ فُنِيَتْ، ودفاعاتُهم مُحيَتْ تمامًا". وأضافَ أن "مختبراتِ إيرانَ النوويةِ ومناطقَ التخزينِ الخاصةِ بهِم دُمِّرَتْ بشكلٍ شامل". وإذ أوضحَ أن الحصارَ المفروضَ لن يُرفعَ حتى التوصلِ إلى تسويةٍ، لفتَ إلى أن "مضيقَ هُرمز مُحاصرٌ ويخضعُ لسيطرةِ الولاياتِ المتحدةِ، بينما يخسرُ الإيرانيون 500 مليون دولارٍ يوميًا". في المقابلِ، نقلَ التلفزيونُ الإيرانيُّ عن المتحدثِ باسمِ مقرِ خاتمِ الأنبياءِ، أن جاهزيةَ طهرانَ كاملةٌ، و"يدُهَا على الزنادِ" في ضوءِ التهديداتِ المستمرةِ من الولاياتِ المتحدة، التي تعتبرُها طهرانُ سببًا كافيًا لتآكلِ الثقةِ وعدمِ البناءِ عليها نظرًا إلى التجاربِ السابقة.

في هذا السيّاقِ، تنظرُ إسرائيلُ بعينِ القلقِ والتوجسِ إلى الإعلانِ الأميركي، تمديدِ وقفِ النارِ مع إيرانَ من دون تحديدِ موعدٍ نهائي. فبحسبِ صحيفةِ "يديعوت أحرونوت"، قد يَفتحُ غيابُ سقفٍ زمنيٍ واضحٍ البابَ أمامَ مدةِ انتظارٍ طويلة. وهذا ما تخشاهُ تلّ أبيب، التي ترَى في هذه الخطوةِ فرصةً لطهرانَ لالتقاطِ الأنفاسِ و"المراوغةِ" بكسبِ المزيدِ من الوقت. وكشفَتْ تقاريرُ عن زيارةِ قائدِ القيادةِ المركزيةِ الأميركيةِ، الأدميرال براد كوبر، إلى إسرائيلَ الأسبوعَ الماضيَ، وجرَى التصديقُ على خططٍ هجوميةٍ مشتركةٍ، وتحديدُ "بنكِ أهدافٍ" استراتيجيٍ داخلَ إيران. وتشملُ الأهدافُ البنيةَ التحتيةَ الوطنيةَ ومنشآتِ الطاقةِ، لممارسةِ أقصَى درجاتِ الضغطِ على طهرانَ، لإجبارِها على التخلي عن طموحاتِهَا النوويةِ وبرامِجِها للصواريخِ الباليستية. وتعودُ هذه "الهواجسُ" الإسرائيليّةُ إلى التحدياتِ التي يواجهُها رئيسُ الوزراءِ بنيامين نتنياهو، مع تعالي الأصواتِ الرافضةِ لأداءِ حكومتِه، والقراراتِ التي تُتّخذ. فضلًا عن "العزلةِ" الخارجيةِ، التي يعاني منها، وزيادةِ الشرخِ في العلاقاتِ التاريخيةِ، وتحديدًا مع دولِ الاتحادِ الأوروبي، بينما هو يسعَى إلى الحفاظِ على مسيرتِه السياسيّةِ بأيِّ ثمن. وأمامَ هذا المشهدِ المُعقّدِ، وغيابِ الأرضيةِ المشتركةِ، و"تضاربِ" الأجنداتِ المرسومةِ، يستمرُ التصعيد. إذ أعلنَتِ الولاياتُ المتحدةُ عن فرضِ ⁠عقوباتٍ ⁠جديدةٍ متعلقةٍ ‌بإيرانَ، ‌شملَتْ ‌أفرادًا ‌وشركاتٍ ‌على صلةٍ بالتجارةِ ⁠والسفرِ الجوي. تزامنًا، أوقفَ الجيشُ الأميركيُّ، أمسِ الثلاثاء، ناقلةَ نفطٍ ثانيةً مرتبطةً بإيرانَ في المياهِ الدولية. وقالَتْ وزارةُ الدفاعِ إن العمليةَ استهدفَتِ الناقلةَ "إم- تي تيفاني"، المُصنفةَ "بلا جنسيةٍ" والخاضعةَ للعقوباتِ، موضحةً أنها كانَتْ تنقُلُ نفطًا إيرانيًا. وجاءَتْ هذه العمليةُ بعد يومينِ من إعلانِ البحريةِ الأميركيةِ إطلاقَ النارِ على سفينةِ "توسكا"، التي ترفعُ العلمَ الإيرانيَ، والسيطرةِ عليها في خليجِ عُمان، في أول حادثةٍ من نوعِها منذ بدءِ تطبيقِ الحصارِ على الموانئِ الإيرانية.

وتحملُ هذه العملياتُ في طياتِها رسائلَ مفادُها أن الولاياتِ المتحدةَ قادرةٌ على فرضِ نفوذِها البحري في هذه المنطقةِ الحيوية. وهو ما يثيرُ مخاوفَ الصينِ أيضًا، التي دعَتْ خلالَ الأيامِ الماضيةِ إلى خفضِ منسوبِ التوترِ والعودةِ إلى الحوارِ، ونبّهَتْ إلى المخاطرِ العالميةِ لما يجري. وكان هذا الأمرُ، إلى جانبِ ما يجري في مضيقِ هُرمز، مدارَ بحثٍ خلالَ الاجتماعِ غيرِ العاديِّ لمجلسِ جامعةِ الدولِ العربيةِ على مستوى وزراءِ الخارجيةِ، الذي عُقدَ بناءً على طلبٍ من البحرين. وأدانَ المجتمعونَ التهديداتِ الإيرانيّةَ الراميةَ إلى إغلاقِ المضيقِ وتعطيلِ الملاحةِ الدوليةِ، مُطالبينَ بإلزامِ طهرانَ بالتعويضِ عن الخسائرِ الاقتصادية. وجدّدُوا استنكارَهم للهجماتِ بالصواريخِ والطائراتِ المُسيّرة ضدّ الأردن والإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عُمان وقطر والكويت، والعراق. وأكدُوا أنَها تُشكّلُ "انتهاكًا جسيمًا لسيادةِ تلك الدول، وتمثلُ خرقًا صارخًا للقانونِ الدولي". ومنذُ اندلاعِ الحربِ على إيرانَ، هذه هي المرةُ الثالثةُ التي ينعقدُ فيهَا مجلسُ الجامعةِ على المستوى الوزاري، لبحثِ التطوراتِ والتداعياتِ الإقليمية. فمَا جرَى منذُ 28 شباط/فبراير الماضي، كشفَ عن معطياتٍ جديدةٍ تُدركُهَا الدولُ العربيةُ عمومًا والخليجيةُ خصوصًا. ومن هنا، تبرزُ تحركاتٌ تهدفُ إلى رسمِ توازناتٍ جديدةٍ وخلقِ تحالفاتٍ إقليميةٍ، خصوصًا في ظلِّ قرارِ إيرانَ استخدامِ جميعِ أوراقِهَا، واستهدافِ العواصمِ الخليجيةِ ومنشآتِها الحيويةِ والمدنيةِ بذريعةِ "الدفاعِ عن النفسِ"، ما أفضَى إلى أزمةٍ لن يكونَ علاجُهَا سهلًا أو يسيرًا. وبحسب تقريرٍ نشرَتهُ صحيفةُ "وول ستريت جورنال"، فإن نصفَ الهجماتِ بالطائراتِ المسيّرةِ التي استهدفَتِ السعوديةَ، والبالغَ عددُهَا 1000 هجمةٍ، انطلقَتْ من داخلِ الأراضي العراقية.

وتحوّلَ العراقُ خلال الحربِ إلى ساحةٍ للفصائلِ المواليةِ لطهرانَ، بينما تشهدُ الحياةُ السياسيةُ جمودًا وشللًا، عقبَ انتخاباتِ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والفشلِ في التوصلِ إلى اتفاقٍ بشأنِ اسمِ رئيسِ الحكومة، في ظلّ تزايدِ الصراعِ الأميركي – الإيراني، ما يُنذرُ بالأسوأ. ولا يختلفُ المشهدُ كثيرًا في لبنانَ، الذي يحاولُ أيضًا مواجهةَ الاحتلالِ الإسرائيلي والنفوذِ الإيراني بالتوازي. ويحدثُ ذلك وسطَ مساعٍ رسميةٍ حثيثةٍ للحفاظِ على مسارِ المفاوضاتِ، على الرغمِ من التهديداتِ والتحريضِ اليومي من وزراءَ ونوابٍ محسوبينَ على "حزبِ الله". وناقشَ رئيسُ الجمهوريةِ جوزاف عون، أمسِ الثلاثاءِ، المستجداتِ مع أميرِ دولةِ قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهدِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ السعودي الأمير محمد بن سلمان. فأكدَ سلمان وقوفَ المملكةِ إلى جانبِ لبنانَ لبسطِ سيادتِه، ودعمِ مساعِيهِ للحفاظِ على مقدّراتِهِ وسلامةِ ووحدةِ أراضِيه. وهو موقفٌ عبّرَ عنْهُ أيضًا أمينُ عامِ مجلسِ التعاونِ الخليجي جاسم البديوي، خلال حضورِه ورعايتِهِ ندوةَ "علاقاتِ مجلسِ التعاونِ مع لبنانَ" تحتَ عنوانِ "التحدياتِ والمُحفِّزاتِ" في الرياض. كما شدّدَ على أن موقفَ المجلسِ ثابتٌ من لبنانَ، وهو داعمٌ له في كل ما يتعلّقُ بتعزيزِ أمنِهِ واستقرارِهِ وتحقيقِ تطلعاتِ شعبِهِ في الأمنِ والاستقرارِ والتنمية. وأوضحَ أنّ الأزمةَ الاقتصاديةَ الممتدةَ منذ سنواتٍ، التي أفضَتْ إلى مشكلاتٍ ماليةٍ وتراجعٍ في مستوى المعيشةِ، تتطلبُ دعمًا دوليًا عاجلًا. هذه المواقفُ التي تصبُّ في صالحِ لبنانَ، تحاولُ الحكومةُ "تجييرَها" لصالحِها. في المقابلِ، جاءَتْ مواقفُ رئيسِ الحكومةِ نواف سلام، التي أطلقَهَا أمامَ وزراءِ خارجيةِ الاتحادِ الأوروبي في لوكسمبورغ، واضحةً ولا تحتملُ أيَّ التباسٍ أو سوءِ تفسير.

فحدّدَ سلامُ في كلمتِه الركائزَ الأساسيةَ، من احتكارِ السلاحِ وتعزيزِ دورِ المؤسسةِ العسكريةِ، ووضعِ حدٍّ للتدخلاتِ الإقليميةِ في الشؤونِ الداخليةِ، إلى طلبِ دعمٍ دولي لمواجهةِ الأزمةِ الإنسانيّةِ غيرِ المسبوقةِ في الجنوبِ، قبل أن يلتقيَ الرئيسَ الفرنسيَ إيمانويل ماكرون في باريس. من جهتِه، أكدَ ماكرون أن أيَ استقرارٍ مستدامٍ في لبنانَ والمنطقةِ لن يتحقّقَ من دونِ انسحابِ إسرائيلَ، وحصرِ سلاحِ "حزبِ الله" بيدِ الدولةِ بدعمٍ من المجتمعِ الدولي، وإطلاقِ عمليةِ إعادةِ إعمارٍ شاملةٍ تُتيحُ عودةَ النازحين، لا سيما في جنوبِ لبنان. وأوضحَ أن "حزبَ اللهِ" ارتكبَ "خطأً استراتيجيًا كبيرًا" حينَ جرَّ لبنانَ إلى الحربِ، داعيًا الحزبَ إلى وقفِ استهدافِ إسرائيلَ والتوقفِ عن الحلولِ مكانَ الدولةِ في ممارسةِ صلاحياتِهَا. وتأتي هذه المواقفُ السياسيةُ والتحركاتُ على أكثرِ من صعيدٍ، فيما يواصلُ الاحتلالُ الإسرائيلي تدميرَ ونسفَ البنَى التحتيةِ، خصوصًا في القرى الواقعةِ ضمنَ ما يُعرفُ بـ"الخطِ الأصفر". إذ يُمعنُ الاحتلالُ في التدميرِ الممنهجِ، محوّلًا هذه البلدات إلى "أرضٍ محروقةٍ" غيرِ صالحةٍ للسكن.

في غضونِ ذلك، يُتوقّعُ أن يُعقدَ اللقاءُ الثاني الذي يُفترضُ أن يجمعَ سفيري لبنانَ وإسرائيلَ لدى الولاياتِ المتحدةِ في واشنطن، غدًا الخميس. وسيطالبُ لبنانُ، خلالَ اللقاءِ، بتمديدِ وقفِ إطلاقِ النارِ من دونِ بروزِ أيِّ معطياتٍ أخرى حول موعدِ وتوقيتِ المفاوضات. وكان لافتًا أمس تطورٌ جديدٌ تمثلَ في إطلاقِ "حزبِ الله"، للمرةِ الأولى منذ وقفِ النار، صواريخَ ومسيّرةً باتجاهِ جنوبِ إسرائيل ردًا على ما وصفَهُ بالـ"الخروقاتِ الفاضحةِ"، بينما أعلنَ الاحتلالُ استهدافَ منصةِ الإطلاق. وبينَ التفاوضِ وحمايةِ لبنانَ من المطامعِ الإسرائيليةِ واستمرارِ التجاذباتِ، يسيرُ لبنانُ وسطَ "حقلٍ من الألغامِ"، محاولًا اتخاذَ خياراتٍ أحلاها مرٌّ. على صعيدٍ آخرَ، تظهرُ "جارةُ" لبنانَ، سوريا، من خلالِ الحركةِ الديبلوماسيةِ التي يُجرِيهَا رئيسُهَا أحمد الشرع. فيسيرُ الرئيسُ السوري "عكسَ التيارِ"، رافعًا شعارَ حيادِ بلادِهِ وتحسينِ علاقتِها بمحيطِها، خصوصًا العربي. وشملَتْ تحركاتُه زيارتَهُ إلى السعوديةِ واللقاءَ الذي عَقدَهُ مع الأميرِ محمد بن سلمان، إذ استعرضَ الجانبان أوجهَ العلاقاتِ الثنائيةَ بين البلدين، وفرصَ دعمِهَا وتطويرِهَا في مختلفِ المجالات.

أما في الأخبارِ العربيةِ الأخرى، فتكرّرَتْ هجماتُ المستوطنينَ في الضفةِ الغربيةِ المحتلةِ، في مشهدٍ باتَ واقعًا يوميًا، وسطَ الاستنكاراتِ الكلاميةِ الدوليةِ، التي لا ترقَى إلى مستوَى الإجرامِ والإرهابِ المُمارس. وفي تطورٍ جديدٍ، باغَتَ مستوطنون إسرائيليون قريةَ المغير، شرق رام الله، بهجومٍ مسلحٍ أسفرَ عن مقتلِ فلسطينيين اثنين، أحدُهما تلميذ. وجاءَ هذا الهجومُ بعد ساعاتٍ من حادثةِ دهسِ سيارةِ أمنٍ إسرائيليّةٍ للطفلِ محمد الجعبري (16 عاماً) في الخليل، ما أدَى إلى وفاتِهِ على الفور. وأمامَ هذه الأحداثِ والوقائعِ، دَعَتْ دولٌ أوروبيةٌ، من بينها إسبانيا وأيرلندا، إلى تعليقِ معاهدةٍ تُنظِّمُ علاقاتِ الاتحادِ الأوروبي مع إسرائيلَ، لكن الاتحادَ بقيَ منقسمًا بشأنِ اتخاذِ مثلِ هذا الإجراء. غيرَ أن مجردَ الحديثِ عنْهَا والبحثِ فيها، يعتبرُ مؤشرًا على التغيرِ في النظرةِ الأوروبيةِ إلى اسرائيلَ، كما يُعتبرُ بمثابةِ إعادةِ تفكيرٍ في جدوى الاستمرارِ في الدعمِ غير المشروطِ لنتنياهو.

وفي الفقرة الصباحية اليومية للصحف، جولة حول أبرز عناوينها وتحليلاتها:

اعتبرت صحيفة "عُمان" العُمانية أن "الصراع الحالي لا يرتبط فقط بحسابات الردع أو النفوذ الإقليمي، أو السعي إلى امتلاك السلاح النووي، وهو ما نفته إيران مرارًا، ويتقاطع مع موقع ومكانة إيران في معادلة الطاقة العالمية، وأهمية دول الخليج العربي في تأمين تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية". وقالت: "لقد أظهرت أزمة مضيق هُرمز، الذي كان مفتوحًا قبل الحرب، والحصار البحري الأميركي الحالي على الموانئ الإيرانية ولجوء إيران إلى إغلاق المضيق مرة أخرى رغم استمرار الهدنة، كيف يمكن لتحرك عسكري أو تهديد عابر أن يُحدث اضطرابًا واسعًا في الاقتصاد العالمي. فكل تصريح أو تغريدة صادرة عن الرئيس الأمريكي، وكل رّد إيراني عليها، يزيد من مستوى التوتر في هذا الممر الحيوي، وينعكس مباشرة على حركة الملاحة، وأسعار النفط والغاز، واستقرار الأسواق، ومواقف الدول المستهلكة والمنتجة على حد سواء".

الأمر عينه تطرقت له صحيفة "الصباح" العراقية، التي أشارت إلى أن "معركة المضيق تحولت إلى حدّ فاصل بين طرفيّ الحرب، إما أن تمهد لسلام دائم وشامل في المنطقة أو أن تتحول إلى مسرح لصراع دام ومنهك يطول تأثيره مختلف أنحاء العالم، ويتسبب في تداعيات أمنية واقتصادية خطيرة، وهو ما تيقن منه الأميركيون أنفسهم عندما أدركوا متأخرين مدى تأثير هذا المضيق الذي يتحكم بحوالي 20% من إمدادات الطاقة في العالم، وهو أيضًا أمر قد اختبروه جيدًا طيلة الفترة الماضية". واعتبرت أن "الأمر في حاجة إلى منطق وسلوك جديد في التعامل مع الجولة القادمة من المفاوضات، خصوصًا أن ايران أظهرت بالفعل قدرة كبيرة على الصمود في مواجهة أكثر من شهر من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وأنها قادرة على تحمل أي ضغط إضافي، لا سيما أن أي حصار جديد من المؤكد أنه سيدفع بأسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع، والذي ستكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وسيبقى الجميع بانتظار جولات التفاوض على أمل أن تمهد لسلام دائم ينهي نيران الحروب".

صحيفة "الراي" الكويتية، من جهتها، رأت أن "الوضع لا يقتصر على تأثير الحصار على إيران وحدها، بل يمتد ليشمل دول الخليج والعالم بأسره. فالمياه الخليجية تُعد شريانًا حيويًا لتدفق الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على أسعار النفط وأسواق الطاقة. وبالتالي، فإن استمرار الحصار أو تصاعده قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما لا ترغب به حتى الدول الكبرى الداعمة لهذه الخطوة". وخلصت إلى أنه "في ظل هذا الانقسام، تتراجع فرص التهدئة، ويزداد خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع، فدول الخليج، من جانبها، تجد نفسها في موقع حساس. فهي من جهة معنية بحماية أمنها واستقرارها، ومن جهة أخرى تدرك أن أي تصعيد كبير سيجعلها في قلب المواجهة. لذلك، تبرز الحاجة إلى موازنة دقيقة بين دعم إجراءات الردع والحفاظ على قنوات الحوار، بما يضمن عدم تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح".

وشددت صحيفة "الدستور" الأردنية على أن "الأردن، يقف مع بلدان الخليج بسياساته الواقعية الموضوعية المتزنة، ورفضًا للخضوع والإملاءات، بما يتعارض مع مصالحنا الوطنية والقومية". وقالت إن "بلدان الخليج العربي تتعرض لهجمات إيرانية، غير منطقية، غير مقبولة، غير قانونية، حتى ولو تحت يافطة وجود قواعد أجنبية على أراضيها، فهذا الوجود له أسبابه، ودوافعه القلق، والإحساس بعدم الطمأنينة، ولذلك يمكن معالجتها بالمنطق وحُسن الجوار وزرع الثقة بدلًا من التوسع والتجاوزات والتطاول، وتجربة الجزر الإماراتية الثلاث نموذج واضح لما يحول دون تعزيز سياسة حُسن الجوار وبناء الثقة".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن