صحافة

الحرب وراء نهر الليطاني.. حسابات الميدان وصراع الممرات

معتمر أمين

المشاركة
الحرب وراء نهر الليطاني.. حسابات الميدان وصراع الممرات

بين دويّ الانفجارات في ضواحى بيروت وهدير الدبابات التي تعبر ضفاف نهر الليطاني، يعيش لبنان اليوم واحدًا من أعقد فصول تاريخه المعاصر وأكثرها مصيرية. فالحرب الحالية ليست جولة قتال تقليدية بين فصيل مسلح وجيش نظامي، بل هي ساحة تكسير عظام إقليمية ودولية تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ ورسم معادلات السيطرة على الموارد والحدود والممرات الاستراتيجية. وفي خضم هذا المشهد، ينقسم المحللون بين قراءتين متناقضتين للواقع؛ قراءة أولى شديدة القتامة ترى في المشهد انكسارًا استراتيجيًا للبنان وضياعًا لسيادته وموارده لصالح قضم إسرائيلى ممنهج، وقراءة ثانية ترى تحت الرماد بذور تحول استراتيجي مغاير قد يقلب الطاولة في المدى المتوسط بفعل استنزاف الاحتلال وصمود الميدان. وبين هاتين المقاربتين نبدأ التحليل.

فى القراءة الأولى للمشهد، تبدو الصورة شديدة القتامة؛ إذ تشير الوقائع الميدانية إلى أن إسرائيل تمكنت فى عام 2026 من تحقيق أهداف استراتيجية وأطماع تاريخية ظلت تراود مخيلة قادتها منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، ثم رافقت مراحل نشأة إسرائيل وتطور مشروعها السياسي والأمني تحت قيادة ديفيد بن غوريون ومن جاء بعده. إن تمكن الدبابات الإسرائيلية من عبور نهر الليطاني والسيطرة على قلعة الشقيف التاريخية يمثل تحولًا جغرافيًا وعسكريًا بالغ الخطورة؛ فهذه القلعة التي ترتفع قرابة 700 متر فوق سطح البحر تحولت اليوم إلى برج مراقبة طبيعي يكشف جنوب لبنان بأكمله ويحرم المقاومة من إحدى أهم مزاياها الاستخباراتية.

كما يعيد هذا المشهد إلى الأذهان غزو عام 1982، حين حشدت إسرائيل تحت قيادة مناحم بيغن قوات عسكرية ضخمة، وبرز خلال تلك الحرب عجز الجنرال أرييل شارون وقواته المدرعة عن اقتحام هذه القلعة طيلة أربعة أيام كاملة، رغم تفوقهم العددي والتسليحي، أمام صمود ثلاثين مقاتلًا فلسطينيًا فقط حتى نفاد ذخيرتهم بالكامل. الأخطر من ذلك هو البعد المائي والجيوسياسي للصراع. فإسرائيل، التي تعتمد بنسبة تناهز 80% من احتياجات مياه الشرب لديها على تحلية مياه البحر، تبدو وكأنها نفذت خطتها المؤجلة للسيطرة على نهر الليطاني الذي ينبع من منطقة بعلبك ويصب فى البحر المتوسط.

ولم تكتفِ بالليطانى، بل بسطت سيطرتها على نهر الوزاني واستولت على اثنتي عشرة قرية لبنانية، لتقوم بتحويل مجاري المياه عبر شبكة أنابيب جاهزة نحو المستوطنات الإسرائيلية. وما يضاعف من قتامة هذه الصورة هو المشهد التفاوضي؛ إذ يتبين، وفق هذا الطرح، أن إعلانات وقف إطلاق النار والتسريبات المتعلقة بالتهديد باجتياح الضاحية الجنوبية لبيروت لم تكن سوى مناورات سياسية لفرض شروط "اليوم التالي"، وحصر التفاوض في مصير الضاحية دون الاقتراب من الخط الأصفر الذي رسمته إسرائيل. وفي المقابل، يظل الاحتلال مستقرًا في الجنوب ومستحوذًا على مصادر المياه دون أي حديث جدي عن انسحابه.

وفي ظل خسارة إسرائيل أكثر من 1200 جندي خلال مغامرة عام 1982، يبدو مشهد عام 2026 مختلفًا في نظر أصحاب هذه القراءة، نتيجة تراجع قوة الردع لدى حزب الله بعد سلسلة من الاختراقات الأمنية، لا سيما عملية "البيجر"، وما تبعها من اغتيال حسن نصر الله، فضلًا عن افتقار الجيش اللبناني للقدرة على خوض مواجهة مباشرة ضد الاحتلال أو حتى نزع سلاح حزب الله. وبذلك يصبح لبنان، كدولة ومؤسسات، خارج الحسابات الحقيقية للصراع، ويتحول إلى ساحة مفتوحة لتمرير خطة نتنياهو الخمسية، المقسمة بين إدارة الحرب، وفصل لبنان عن محيطه الإقليمي، وكسب الوقت، وتحويل الأراضي اللبنانية إلى ورقة ضغط تُستخدم فى معركة إخضاع البرنامج النووي الإيراني.

وتصل هذه الخطة، بحسب هذا التصور، إلى هدفها الأبعد والأكثر أهمية، والمتمثل في مد جسر بري يبدأ من إسرائيل مرورًا بلبنان ثم سوريا، وصولًا إلى تركيا وأوروبا، بما يعيد رسم خريطة التجارة والنقل في شرق المتوسط. في المقابل، تبرز القراءة الثانية للمشهد لتطرح منظورًا مغايرًا تمامًا، يرى في التطورات الراهنة مخاضًا لنقطة تحول استراتيجية قد تقلب الموازين لصالح لبنان على المدى المتوسط، لا سيما مع ظهور بوادر أزمة تسليحية خانقة تضرب معسكر الاحتلال.

فرغم الخسائر الجغرافية الظاهرة، تحول الميدان إلى مستنقع استنزاف يومي؛ حيث بات المكوث الإسرائيلي في المرتفعات، مثل قلعة الشقيف، مكلفًا للغاية ومكشوفًا أمام الطائرات المسيّرة. وقد أجبر ذلك قوات الاحتلال على إخلاء بعض المواقع المرتفعة والنزول ليلًا نحو القرى المجاورة بحثًا عن الحماية، لتقع في كمائن منظمة تنفذها المقاومة وتكبدها خسائر متصاعدة. ويتعزز هذا المأزق العسكري الإسرائيلي، بحسب أنصار هذه القراءة، بصمود دفاعي يعتمد على ما يمكن تسميته بالتوزيع الفسيفسائي اللامركزي لمنصات الصواريخ والقواعد القتالية في الجبال والوديان، إلى جانب الاستعمال المكثف للمسيّرة الانتحارية المزودة بأنظمة تصوير حراري للعمل الليلي.

وقد فرضت هذه الأدوات نمطًا من الحرب غير المتكافئة أربك الحسابات الميدانية وقلّص إلى حد كبير من فعالية التفوق البري التقليدي الذي يعتمد عليه الاحتلال في إدارة المعارك والسيطرة على الأرض. واللافت هنا هو تراجع مخزونات الأسلحة والذخائر نتيجة الوتيرة المتسارعة للقتال واتساع نطاق الجبهات. وقد دفع ذلك الكونغرس الأمريكي، عبر الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلى السعى بصورة عاجلة لإقرار "قانون تفويض الدفاع لدمج الإنتاج المشترك"، بما يسمح بتوسيع نطاق الإنتاج العسكرى المشترك. ووفق هذا القانون، تنتقل العلاقة من نموذج المعونة العسكرية التقليدية إلى نموذج الشراكة التصنيعية المباشرة بين شركات الصناعات العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية، بما يتيح مشاركة التكنولوجيا والإنتاج وتوفير كميات كبيرة من الذخائر والمعدات لتعويض أي نقص قد يهدد استمرارية العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وهكذا يرتبط المشهد الجنوبي بملفات دولية شديدة التعقيد، حيث تسعى قوى كبرى، وفي مقدمتها الصين، إلى استغلال هذا المأزق بما يخدم مصالحها وممراتها التجارية العابرة للقارات، عبر تعطيل أي مشروع منافس يمكن أن يعيد تشكيل طرق التجارة العالمية. وفي هذا السياق، تبدو خطة نتنياهو الرامية إلى بناء ممر بري بديل يمتد عبر سواحل لبنان وسوريا وصولًا إلى تركيا وأوروبا جزءًا من صراع أوسع على الجغرافيا الاقتصادية العالمية، ما يحول المستنقع اللبناني في نهاية المطاف إلى ساحة مواجهة بين مشاريع دولية كبرى تتجاوز حدود المنطقة نفسها. وبذلك يجد لبنان نفسه اليوم في قلب إعصار جيوسياسي لا يرحم الضعفاء.

فالسردية الأولى، القائمة على الوقائع المباشرة وتوازنات القوة الراهنة، تعكس خسارة فادحة تفرض على اللبنانيين مواجهة حقيقة مُرّة عنوانها تآكل السيطرة على الموارد المائية والجغرافية لصالح احتلال يتمدد بلا كوابح. لكن السردية المقابلة تذكرنا فى الوقت نفسه بأن الميدان يبقى دائمًا الحكم النهائي في الصراعات الطويلة، وأن كلفة الاحتلال والاستنزاف المستمر في جبال الجنوب، إلى جانب تشابك مصالح الطاقة الدولية والممرات التجارية الكبرى، قد تجعل من هذا التوغل عبئًا استراتيجيًا يصعب استدامته على المدى المتوسط.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن