تتعثرُ مفاوضاتُ باكستانَ بين واشنطنَ وطهرانَ وتتراجعُ اتفاقيةُ وقفِ إطلاقِ النارِ في لبنانَ نتيجةَ الخروقاتِ الإسرائيليّةِ المستمرةِ، فيما العالمُ يترقبُ بحذرٍ ويُقيّمُ ماهيةَ المرحلةِ المقبلةِ التي ستفرضُ مقارباتٍ جديدةٍ لم تكنْ في الحسبانِ. وذلك بسببِ ما كشفَتهُ الحربُ على إيرانَ من معطياتٍ على مستوى العلاقاتِ بين الدولِ من جهةٍ وتأثيراتِ إغلاقِ مضيقِ هُرمز، الذي يتعرض لحصارين أميركي وإيراني، ما يهدّدُ مستقبلَ الطلبِ العالميِ على الخامِ والمنتجاتِ النفطيّةِ. فـ"قلبُ" تدفقاتِ الطاقة، الذي كان ينبض بالحياة، دخلَ في "بازارِ" المواقفِ، ويتسابقُ الطرفانِ منْ يصرخُ ويتنازلُ أولًا، مع ارتفاعِ سقفِ المطالبِ لدى الطرفين ورفضِ كلٍّ منهما أن يخطوَ خطوةً واحدةً نحو الآخر. على الرغم من ذلك، تتمسكُ إسلامُ آبادَ بدبلوماسيّتِهَا وتؤكدُ التزامَها أن تكونَ "وسيطًا نزيهًا وصادقًا"، وأن تعمل بلا كللٍ للدفعِ قدمًا نحو سلامٍ مستدامٍ واستقرارٍ دائمٍ في المنطقةِ". وذلك بحسبِ ما جاءَ على لسانِ رئيسِ الوزراءِ الباكستاني شهباز شريف خلالَ اتصالِه الهاتفي بالرئيسِ الإيرانيِّ مسعود بزشكيان، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء زيارة كانت مرتقبة لمبعوثَيهِ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
جاءَ هذا "التراجعُ" بعدَ إنهاءِ وزير خارجية إيران عباس عراقجي زيارته إلى العاصمةِ الباكستانية، حاملًا إليها جواب بلاده الرسمي ومطالبها، في سبيلِ التوصلِ إلى اتفاقٍ لإنهاءِ الحربِ بشكلٍ دائمٍ. ووصفَ عراقجي لقاءاتِه بنظيرِه الباكستاني إسحق دار ورئيس الوزراءِ شهباز شريف وقائدَ الجيشِ عاصم منير، الذي يؤدي دورًا محوريًا في الوساطة، بـ"المثمرة". لكن، على الرغم من ذلك، يم يكُنْ صدى تلك الزيارة "إيجابيًا" في واشنطنَ، التي تلقفَت العرضَ الإيرانيَّ بامتعاضٍ ورفضٍ كاملٍ. ووصلَ الأمرُ بالرئيسِ ترامب إلى القول: "لدينا جميع أوراق القوة. يمكنهم (أي الإيرانيين) الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن نذهبَ في رحلاتٍ مدتها 18 ساعة بعد الآن، للجلوس والتحدثِ عن لا شيء". وإذ رفضَ الربطَ بين عدمِ إرسالِ مبعوثَيْهِ إلى إسلامَ آبادَ لاستكمالِ المفاوضاتِ وبين استئنافِ القتالِ، استهزأَ بقادةِ إيرانَ، بعد إشارته إلى وجود ما أسماه بـ"الاقتتال الداخلي الهائل وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادةِ. لا أحد يعرفُ من المسؤول، من ضمنهم هم أنفسهم". وركّزَت صحيفةُ "وول ستريت جورنال" على الانقساماتِ الداخليةِ الحادةِ في بنيةِ القرارِ الإيرانيّ. واعتبرت أن غياب التوافق بين التيارات داخل طهرانَ يُعرقلُ تقديمَ أي مقترحاتٍ تفاوضيةٍ واضحةٍ. من جهتها، أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى تحولاتٍ داخلَ مراكز القوةِ في إيرانَ، بين مؤسساتٍ أمنيّةٍ واقتصاديةٍ. وتحدّثت عن غيابِ دورٍ حاسمٍ للمرشدِ الأعلَى مجتبى خامنئي في إدارةِ الملفِ خلالَ الفترةِ الحاليةِ، ما زادَ من حالةِ الغموضِ السياسيّ. ويتفرّدُ "الحرسُ الثوري" الإيراني، وفق جميع المؤشرات، بالقرارات، ويرفض تقديم أيّ تنازلات أو المساومة على مطالب إيران، التي يبدو أبرزها تخصيب اليورانيوم ومصير البرنامج النووي. وكما في محادثاتِ عام 2015، يعلنُ الإيرانيون أنّ لديهِم "حقًا" في التخصيبِ بموجبِ معاهدةِ عدمِ انتشارِ الأسلحةِ النوويةِ، وهو حقٌ يرفضون التخليَ عنه.
وبالتالي، باتَ مصيرُ المباحثاتِ معلقًا في انتظارِ "انفراجةٍ" ما، خصوصًا بعدما نقل موقع "أكسيوس" عن ترامب قوله: "بمجرد أن ألغيتُ رحلةَ ويتكوف وكوشنر، خلال 10 دقائق حصلنا على ورقةٍ جديدةٍ كانَت أفضلَ بكثيرٍ من سابقتها". في وقتٍ أفادت فيه وكالةُ أنباءِ "مهر" بأنه يُتوقّع أن يعودَ عراقجي إلى باكستانَ مرةً أخرى بعد انتهاءِ زيارتِه إلى سلطنةِ عُمانَ، وقبلَ أن يتوجَهَ إلى روسيا. وتراهنُ الولاياتُ المتحدة حاليًا على فاعليةِ الحصارِ المستمرِ المفروضِ على الموانئِ والسفنِ الإيرانيّةِ، الذي يشملُ ملاحقةَ ومصادرةَ ناقلاتِ النفطِ التي تحملُ الخامَ، لا سيّما تلك التي تحاولُ التمويهَ عبرَ عدمِ رفعِ أعلامٍ واضحةٍ. وسبقَ لطهرانَ أن طالبَتْ بفكِ الحصارِ كشرطٍ أوليٍّ لاستئنافِ المفاوضاتِ، ما رفضَتهُ الإدارةُ الأميركيةُ باعتباره "ورقةَ قوةٍ" ستجعلُ طهرانَ، في نهايةِ المطافِ، غيرَ قادرةٍ على مواصلةِ الصمودِ أمامَ ضغطِ الحصارِ الاقتصاديّ والنفطيّ الخانقِ، مهما تعالَتِ الأصواتُ التي تخففُ من آثارِ ذلك. وبالتالي، تتداخلُ مساراتُ الحربِ والتفاوضِ، وتتصاعدُ الشكوكُ حولَ جدوَى الجهودِ الدبلوماسيّةِ المبذولةِ في المرحلةِ الراهنةِ. فهي تشهد ُجمودًا قاتلًا، يُراوحُ بين "اللا حرب واللا سلم"، إلى جانبِ استمرار مظاهر التصعيد غير المباشر في مضيق هُرمز، بظل صعوبة تحديد مَن يسيطر على هذا الممر الملاحي الحيوي الذي تحول إلى ورقة ضغط بين كلا الطرفين.
وفرضَت طهرانُ مؤخرًا قواعدَ للعبورِ عبر هُرمزَ، من ضمنها الحصولُ على تصاريحَ لمساراتٍ محدّدةٍ مسبقًا. كما قدّمَ مسؤولون إيرانيون تشريعاتٍ في البرلمانِ لفرضِ رسومٍ على السفنِ الراغبةِ في المرورِ الآمنِ عبر المضيقِ. بينما تتعقبُ البحريةُ الأميركيّةُ السفنَ التجاريةَ المغادرةَ من الموانئِ الإيرانيّةِ، وتواجِهُ تلكَ التي تنجحُ في العبورِ، وتُجبرُهَا على العودةِ أو مواجهةِ خطرِ الاقتحامِ. وفي هذا الإطار، أعلنَت القيادةُ المركزيةُ الأميركيةُ اعتراضَ ناقلة نفطٍ إيرانيّةٍ بواسطةِ المدمّرةِ "يو إس إس رافائيل بيرالتا". وأكدَت إعادة توجيهِ مسار 34 سفينةً منذ 13 نيسان/أبريل الجاري، في خطوةٍ تعكسُ محاولةً أميركيةً لفرضِ قواعدَ جديدةٍ لحركةِ الملاحةِ، وسطَ تحذيراتٍ من تداعياتٍ مباشرةٍ على إمداداتِ الطاقةِ العالميّةِ. وعلى الرغمِ من تأكيدِ الجيشِ الأميركيّ أنه لم تتمكَّن أيُ سفينةٍ إيرانيّةٍ من اختراقِ شبكتِهِ، فإنَّ محللي "لويدز ليست" يقولون إنه ما لا يقلُّ عن 7 سفنٍ مرتبطةٍ بطهرانَ تمكَّنَتْ من اجتيازِ المضيقِ. وينعكسُ هذا الوضعُ على العلاقةِ مع بكين، التي تُعتبرُ من أكثرِ الدولِ المتأثرةِ بالأحداثِ الجاريةِ، إذ زادَتْ من تصريحاتِهَا وحركةِ اتصالاتِهَا مؤخرًا، في محاولةٍ لتقريبِ وجهاتِ النظرِ. لكن واشنطنَ تريدُ تجفيفَ مصادرِ قوّةِ طهرانَ وفرضَ يدها العليا، ما تجلَّى بشكلٍ واضحٍ عبرَ فرضِ وزارةِ الخزانةِ الأميركيةِ عقوباتٍ على مصفاةِ نفطٍ مستقلةٍ في الصين، بسبب شرائِهَا نفطًا إيرانيًا بملياراتِ الدولاراتِ. وأعلنَ مكتبُ مراقبةِ الأصولِ الأجنبيّةِ التابعِ للوزارةِ أنَهُ فرضَ عقوباتٍ أيضًا على نحوِ 40 شركةَ شحنٍ وسفينةٍ تعمل ضمن ما يُعرفُ بـ"أسطولِ الظلِّ" الإيرانيّ.
تأتي هذه العقوباتُ قبلَ زيارةٍ مرتقبةٍ لدونالد ترامب إلى العاصمةِ الصينيةِ، يومي 14 و15 أيار/ مايو المقبل، للقاءِ نظيرِهِ شي جينبينغ، في زيارةٍ هي الأولَى لهُ إلى الصين منذ ثمانية أعوامٍ، بعدَ تأجيلِها سابقًا على خلفيةِ الحربِ مع إيرانَ. وتتمتعُ طهرانُ وبكينُ بعلاقاتٍ استراتيجيةٍ مميزّةٍ، إذْ تلعبانِ أدوارًا مباشرةً وغيرَ مباشرةٍ في دعمِ النظامِ الإيرانيِّ ومحاولتِهِ التحايلَ على العقوباتِ المفروضةِ عليه، التي شكّلَت "رئةً" للتنفسِ والصمودِ، على الرغمِ من الضغوطِ الكبيرةِ الممارسةِ عليه. ولا تغيبُ موسكو عن هذا الحلفِ، خصوصًا أن وزيرَ الخارجيةِ عباس عراقجي سيزورُ روسيا أيضًا ضمنَ جولتِهِ، لاستعراضِ الآراءِ والوقوفِ عند التطوراتِ الإقليميّةِ. في غضونِ ذلكَ، أعلنَتْ الخطوطُ الجويةُ الإيرانيةُ (هما)، أمس السبتِ، استئنافَ رحلاتِهَا الدوليّةَ، بعدَ إعادةِ فتحِ المجالِ الجويِّ الإيرانيِّ تدريجيًا، في خطوةٍ تعكسُ بدءَ عودةِ الحركةِ الجويةِ بعدَ أسابيعَ من التوقفِ. وكذلك الحالُ بالنسبةِ إلى الدولِ الخليجيّةِ، التي عانَتْ من الهجماتِ والمسيراتِ الإيرانيّةِ. إذ بدأَتِ الحياةُ تعودُ تدريجيًا إلى مرافقِهَا ومنشآتِهَا الحيويةِ والمدنيةِ في ظلِّ استمرارِ تقييمِ الأضرارِ والخسائرِ. ووضعَ نظامُ "الثورةِ الإسلاميةِ" هذه الاستهدافاتِ في إطارِ "الدفاعِ عن النفسِ" من دونِ أيِّ اعتبارٍ لعلاقاتِ الجوارِ، فيما يمضي المسؤولونَ الإيرانيونَ في محاولةِ "تطييبِ الخاطرِ" و"ردمِ الهوةِ". إذ حثَّ الرئيسُ الإيرانيُّ، في كلمةٍ خلالَ اجتماعِ مجلسِ الوزراءِ، على تعزيزِ التعاونِ بينَ دولِ المنطقةِ، محذرًا من أن الاستهدافَ لن يقتصرَ على إيرانَ، بل قد يمتدَّ إلى دولٍ أخرى مثل العراق وتركيا وباكستان والسعودية.
تزامنًا، أدانت الرياض واستنكرت بأشد العبارات استهداف موقعين من المراكز الحدودية البرية الشماليّة لدولة الكويت بطائرات مسيَّرة قادمة من العراق. وشدَّد بيان لوزارة الخارجية على رفض المملكة القاطع لانتهاك سيادة الدول ومحاولة تهديد أمن المنطقة واستقرارها، مُجدِّداً تأكيدها على أهمية أن تتعامل حكومة بغداد بمسؤولية مع تلك التهديدات والانتهاكات التي تطال دول الخليج. وسبق لهذه الدول، وتحديدًا السعودية والإمارات والبحرين أن قدمت مذكرات احتجاج واستدعت السفراء والقائمين بالأعمال لديها لإدانة هذه التصرفات، ولكن الكلمة الفصل لا يبدو أنها في متناول الحكومة العراقية، التي ترزح تحت وابلًا من الضغوط بسبب المليشيات المسلّحة الموالية لطهران وغياب التوافق السياسي والذي انعكس من خلال الفشل في الاتفاق على اختيار اسم لرئاسة الحكومة. وتعاني بغداد من انعكاس الحرب على إيران بظل وجود رغبة أميركيّة عارمة بمكافحة الفصائل وتفكيكها، وقد برّز ذلك من خلال الخطوات التي اتخذتها، من الإعلان عن جائزة بـ 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيم "كتائب حزب الله" أبو حسين الحميداوي، مرورًا بوضع 7 فصائل على لائحة العقوبات والإرهاب، وانتهاء بجائزة مماثلة لمن يدلي بمعلومات عن أبو آلاء الولائي زعيم "كتائب سيد الشهداء". ولا يبدو أن "نظام الملالي" في وارد التخلي عن العراق حاليًا او الموافقة على إضعاف نفوذها، تمامًا كما الحال في لبنان، حيث تدور فيه رحى الحرب بظل إنعدام أي أفق مستقبلية.
فعلى الرغم من تمديد الهدنة الهشّة، إلا أن تشهد يوميًا العشرات من الخروقات الإسرائيليّة واستمرار العمليات العسكرية، مما يُهدد فرص بقائها واستمرارها. وأمس، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه أصدر تعليماته للجيش بأن يهاجم "بقوة" أهدافًا لـ"حزب الله" في لبنان، بحجة أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار. وعقب هذا الإعلان، شنّ جيش الإحتلال سلسلة غارات على بلدات حداثا وزبقين وخربة سلم والسلطانية في جنوب البلاد، في حين شهدت العديد من هذه المناطق حركة نزوح لافتة بسبب اضطرار بعض الأهالي لمغادرة القرى التي عادوا اليها. وكانت وزارة الصحة أعلنت عن مقتل 6 أشخاص السبت والذين نجموا عن استهداف بلدة يحمر الشقيف في قضاء النبطية كما بلدة صفد البطيخ في قضاء بنت جبيل. وحصيلة القتلى المستمرة في الارتفاع تترافق مع التفجيرات الضخمة التي ينفذها العدو في العديد من البلدات الجنوبية إلى جانب الهدم اليومي للبنى التحتية بهدف تحويلها إلى ما يسميه "منطقة عازلة" لضمان أمن المستوطنات الشمالية. في المقابل، أعلن "حزب الله" تنفيذ خمس هجمات بمسيّرات على أهدافٍ إسرائيليّة جنوبي لبنان، شملت استهداف آليّتين عسكريّتين، وتجمّعًا لجنود في بلدة القنطرة، وناقلة جندٍ مدرّعة في بلدة رامية. كذلك أعلن إسقاط مُسيّرةٍ إسرائيليّة بصاروخ أرض، جوّ في أجواء منطقة الحوش قرب مدينة صور. وبذلك، يرتفع عدد هجمات الحزب إلى 19 منذ سريان وقف إطلاق النار.
الأوضاع الميدانيّة المقلقة والخوف من تجدّد الحرب تواكبها الاتصالات والمساعي الديبلوماسيّة الحثيثة، وخاصة تلك التي تقودها المملكة العربية السعودية مما يضع لبنان في قلب الاهتمام العربي مجددًا بعد سنوات من "العزلة" والتردي في العلاقات. وجملت زيارة الموفد السعودي إلى لبنان يزيد بن فرحان واللقاءات التي عقدها مع المسؤولين جملة ثوابت أهمها منع اللعب في الساحة الداخلية، ورفض الفتنة والتصدي لكل المحاولات، التمسك بإتفاق الطائف وبالحكومة الحالية وقرارات حصر السلاح. وهذا المسعى يأتي بالتوافق مع فرنسا التي كرّر رئيسها إيمانويل ماكرون طرح فكرة عقد مؤتمر لدعم لبنان. وتحاول الحكومة الحالية الاستفادة من هذا الجو "الداعم" وتتمسك بثلاث ثوابت اساسيّة: وقف الحرب، الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان ورفض "الخط الأصفر" أو خلق إسرائيل لمنطقة أمنية كما والأهم بوقف التدمير الممنهج وعمليات النسف الكامل للقرى الجنوبية. وهذه التطورات لم تمنع من تحريف الانظار عن الزيارة التي قام بها رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" السابق وليد جنبلاط إلى دمشق واللقاء الذي عقده مع الرئيس السوري أحمد الشرع. وهذا اللقاء ليس الأول من نوعه فقد سبق لحاكم "المختارة" أن أعلن الانفتاح على "سوريا الجديدة"، ولكنه يأتي في توقيت مفصلي ومهم جراء الأحداث الحالية في لبنان وبظل المخاطر الإسرائيليّة المستمرة. وانكفأت سوريا في التورط بالصراعات الجارية بل اكتفت بتقديم الدعم والحفاظ على علاقاتها العربية وتقويتها كما بالكشف عن أنفاق لتهريب الأسلحة والقبض على خلايا ربطتها بـ"الحزب" كما أكدت الاستمرار في محاكمة رموز النظام السابق والقبض على من تبقى منهم وأبرزهم المطلوب الأبرز في مجزرة التضامن التي وقعت في دمشق عام 2013، أمجد يوسف.
في الأخبار الأخرى، يتواصل حصد أرواح المدنيين في قطاع غزّة بظل الاعتداءات الاسرائيليّة المتواصلة والاعتراف الصريح من جيش الاحتلال بتصفية عناصر من الشرطة الفلسطينيّة بهدف إبقاء حالة الشلل والفوضى وتعطيل أي مفاعيل لتطبيق اتفاق وقف النار وخطة الرئيس ترامب والالتزام ببنودها. ورغم هذا الواقع المأساوي، أُغلقت، مساء أمس، صناديق الاقتراع في كافة مراكز التصويت بالضفة الغربية المحتلة ومدينة دير البلح وسط قطاع غزّة، إيذانًا ببدء فرز الأصوات لاختيار ممثلي الهيئات المحلية وسط ترّقب شعبي لما ستسفر عنه هذه الانتخابات في ظل التحديات السياسيّة والميدانيّة الراهنة. أما في أوكرانيا فقد شنّت روسيا موجة عنيفة من الهجمات أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، في تصعيد ميداني جديد يأتي مع استمرار تعثر المساعي الدولية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب التي دخلت عامها الخامس. دوليًا، أفادت وسائل إعلام أميركية بإجلاء الرئيس ترامب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض من قبل فريق حراسته، على خلفية حادث إطلاق نار في موقع الحفل دون معرفة الكثير من الملابسات بعد.
كل هذه التطورات كانت محور اهتمام الصحف العربية الصادرة اليوم، الأحد، وإليكم موجزٌ بأبرزها:
لفتت صحيفة "الغد" الأردنية إلى أن ارتدادات الحرب "ما تزال في بدايتها، ونحن أمام مرحلة من مسربين، الأول استيعاب الوضع الناشئ حتى لو توقفت الحرب ونحن بحاجة إلى شهور حتى استرداد استقرار الأسواق، والثاني استمرار الوضع القائم الآن بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمالات توسع الحرب، وتورط الكل في حروب الممرات البحرية"، متحدثة من انعكاسات ذلك على عمان التي – وبحسب رأيها – " لا يجوز ترك الأردن وحيدًا ليدفع ثمن حرب إيران مع واشنطن وتل أبيب، بسبب الخطر الناجم عن هذا المشهد على الكل".
وكتبت صحيفة "الوطن" البحرينية "يقف مضيق هُرمز بوصفه أكثر من ممر ملاحي؛ فهو اليوم ورقة تفاوض رئيسيّة، ورسالة أمنيّة بليغة، ومؤشر اقتصادي عالمي بالغ الحساسية. ولذلك يحضر كعقدة مركزية في أي مسار بين واشنطن وطهران، حيث تربطه إيران بمصالحها وحقوقها وسيادتها، بينما تراه الولايات المتحدة والعالم شريانًا حيويًا يجب أن يبقى مفتوحًا أمام تدفق التجارة والطاقة". وقالت "من هنا يفرض هذا الواقع التنسيق الخليجي كضرورة سياسية وأمنية واقتصادية في وقت واحد؛ تنسيقًا يحدّد الخطوط الحمراء بوضوح، ويوثّق أي سلوك عدواني، ويصوغ سردية متماسكة قائمة على الوقائع، ويحمي دور الوساطة من التحوّل إلى هدف مستباح".
بدورها، رأت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "الموقف الروسي تجاه الحرب الأميركيّة - الإسرائيليّة على إيران لا يرقى إلى المستوى الذي بلغه التعاون العسكري والاستراتيجي بين الدولتين. ومن أهم تجليات هذا التعاون إقامة لجان عسكرية مشتركة بين الدولتين، وإجراء تدريبات مشتركة بحرية وبرية في إطار ما يمكن اعتبارها شراكة استراتيجية لم نر لها أثرًا خلال الحرب"، موضحة أن "موقف موسكو تجاه هذه الحرب يقتصر على دعم لفظي لإيران في وقت كان مفترضًا أن ينعكس التقدم الكبير الذي حدث في العلاقات الثنائية على هذا الموقف. لم تقدم روسيا أي دعم عسكرى لإيران في هذه الحرب، بعكس مساندة طهران لموسكو في حربها على أوكرانيا".
هذا واعتبرت صحيفة "الثورة" السورية أن "إيران لا تتحرك كدولة صاحبة قضية واضحة، ولا كمشروع سياسي يعرف ما يريد. هي أقرب إلى تنظيم أيديولوجي مسلح، يتعامل مع الدولة كغنيمة، ومع القانون الدولي كخدعة مؤقتة، ومع العلاقات الدولية كمساحة للابتزاز لا للتعاون"، مشيرة إلى أنه "عند جمع المشهد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والأردن واليمن والخليج، تظهر الصورة كاملة. إيران حضرت في كل ساحة تقريبًا، لكنها لم تترك خلفها نموذجًا ناجحًا واحدًا. في العراق نفوذ بلا دولة. في سوريا استثمار ضخم انتهى بانسحاب مرتبك. في لبنان ذراع مسلحة أنهكت الدولة ثم انكشفت هشاشتها. في فلسطين شعار كبير بلا ثقة حقيقية بالحلفاء. في اليمن ورقة أذى بلا مشروع. وفي الخليج خسارة لجوار كان يمكن أن يكون بوابة استقرار ومصالح"، وفق تعبيرها.
(رصد عروبة22)

