صحافة

"نكبة البيئة" في غزة والتعافي الغائب

حسن أبو طالب

المشاركة

رجل يحمل جثمان طفل استشهد جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

"لم يَعُدِ الخَطرُ مرهوناً بما يسقطُ من السَّماء، بل بمَا يزحفُ بصمتٍ من تحت الأرض"، عبارةٌ صادمةٌ جاءت في تقرير لـ"بي بي سي" عن الأوضاع البيئيةِ الكارثيةِ في قطاع غزة، وتفاقمِ المعاناة الصحية التي تحيط بالسكان. الزواحفُ هنا هي تلك القوارضُ والطفيليَّاتُ التي تتكاثر في البيئاتِ المنكوبة، المليئة بالمخلَّفاتِ من كافة الأنواع، والحال في غزةَ يبدو أحد أكثرِ البيئات المنكوبة في عالم اليوم، والسكانُ لا يملكونَ سوى الانتظار لما يوصف بالإعمار الموعود، وحتى ذلك الحين عليهم البحثُ عن وسائلَ بدائية غالباً لمحاربة القوارض الزاحفة التي لم تعد تخاف من البشر، بل تنهشُ أجسادَهم بكل قوة كما جاءَ في التقرير.

نكبةُ البيئةِ في غزةَ أسبابُها معروفةٌ وأوصافُها تجلب الدَّمعَ إلى العيون، وتقشعّرُ لها الأبدان. نكبةٌ بكلّ ما يعنيه التعبيرُ من قسوةٍ مادية وشعورية تمتد آثارها لعقود عدة. وفي تقاريرِ الوكالةِ الدولية للبيئة التابعة للأمم المتحدة وبعضِ دراساتٍ أكاديمية رصينة اعتمدت وسائلَ الرَّصدِ الفضائي عن بُعد وشهاداتِ الشهود المحليين، تمَّ تقديرُ حجمِ الركام الناتج عن التَّدمير المنهجي للمباني بأنواعها كافة، الذي اعتمده جيشُ الاحتلال على مدارِ عامين متتاليين، يصلُ إلى 62 مليون طن، ينتشر في أكثرَ من 70 في المائة من مساحة القطاع، ناتج عن تدمير 88 في المائة من المباني، ومشكلته الأكبرُ تكمن في المخاطر الصحيةِ التي ترتبط به، حيث انتشار مادة «البستوس» وآثار القنابل الفسفورية واليورانيوم المنضب، التي تسرَّبت في عمق الأرض، ومع تدميرِ محطاتِ الصَّرف الصّحي، باتتِ النواتجُ الصلبةُ أزمةً صحية هائلة، ومع تسرب مياهِها إلى البحر، أصبح التلوثُ البيئي شاملاً براً وبحراً وجواً.

تمتدُّ النكبةُ البيئية لتشملَ اختفاءَ الغطاء الزراعي ككل الذي كان يمثل 45 من مساحة القطاع، ليهبطَ إلى 8 في المائة فقط، مقروناً بتلوث المياه الجوفية وغياب المياهِ النظيفة للشُّرب والاستخدامات الأخرى. التدميرُ المنهجي للبيئة في غزة، وما يصاحبه من تدمير للصحة العامة والنشاط الاقتصادى، يجعلُ التكلفةَ التنموية هائلةً بكل المقاييس، هكذا خلصَ تقريرٌ مشتركٌ لكل من البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، صدر في أبريل (نيسان) الحالي بعنوان "قطاع غزة: تقدير سريع للخسائر والاحتياجات"، تضمن تقديراً أوّلياً لتكلفة إعمار غزة بما قيمته 71.4 مليار دولار للسنوات العشر المقبلة، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة للثمانية عشر شهراً الأولى، التي تعدّ مرحلة التعافى الضرورية بهدف استعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية، وتهيئة الظروف الأولية للانتعاش الاقتصادي، وفقاً للتقرير، الذي يقدر الأضرارَ الماديةَ بحوالي 35 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بحوالي 22.7 مليار دولار.

انهيار البيئةِ في غزةَ يجعل الانتظارَ لوقتٍ غير محدد عنصراً يفاقم النكبةَ الصحيةَ والتنموية والإنسانية في آن واحد، ووفقاً لتقديرات التَّقرير المشارِ إليه فإنَّ غزة تراجعت تنمويّاً ما يقرب من 77 عاماً. معالجةُ هذا الانهيار لا يتوقّفُ على توفير التمويل والخبرات الفنيةِ وحسب، وهما أمرانِ حاسمان وما زالا غائبين عن التفكير وعن التدبير معاً، إذ يتطلَّب أيُّ جهدٍ للتعافي في غزةَ إنهاءَ الاحتلال، والسماح بدخول المواد والآلات والمعدات المطلوبة لتطهير الأرض وإزالة الرّكام وإعادة تدوير الجزءِ الأعظم منه في صورة مادةٍ آمنة لرصفِ الطرق، ومواد أخرى يمكن استغلالُها في البناء بعد معالجتها فنياً، لا سيَّما بقايا مادتي الحديد والألومنيوم. لكن تظلُّ المعضلةُ الأكبر مرتبطةً بالآثار المتولدة عن القنابل ذاتِ المواد الفسفورية واليورانيوم المنضب، وتدمير الألواح الشمسية ونواتجها من مادتي الرَّصاص والسليكون، وكلّها موادُّ شديدة السّمية وتتسرَّب إلى عمق الأرض وتؤثر في تلوث المياه الجوفية، التي تستخدم دون معالجةٍ صحيةٍ في الزراعة والاستخدامات اليومية للأفراد بحكم الضرورة القصوى، ما يفاقم انتشار الأمراض الخبيثة. بعض التقديرات الأكاديمية تشير إلى أنَّ آثار هذا التلوث قد تمتد إلى أكثرَ من مائة عام.

يظلُّ التساؤلُ الأهم، كيف السبيل لتعافي البيئة في غزة؟ تقارير المؤسسات الدولية المعنية بالبيئة تطرح كثيراً من الأفكار والسبل التي لا غنى عنها لاحتواء الآثار الكارثية التي تمكَّنت في بيئة غزة، وثمة اتفاقٌ على وضع خطط واقعية لإدارة النفايات المجتمعية لكسر حلقة القوارض والحشرات، ويمكن أن يلعبَ فيها المجتمع المدني الفلسطيني الدورَ الأكبرَ بدعم من المؤسسات الدولية المعنية بالبيئة، ونشر محطات معالجة المياه الموضعية التي تعمل بالطاقة الشمسية، بدلاً من انتظار الإصلاح الشامل للشبكة المركزية، التي تواجه بدورها عقبات لا حصر لها، وتوفير أدواتِ التعقيم البسيطة مع حملات للتوعية الصحية الوقائية. وتظلُّ إزالة الأنقاض بمثابة المهمة الأكبر التي تتطلَّب معدات وآلات خاصة وحديثة تقنياً، مع توفير التدريب المتخصص والضروري للشباب الفلسطيني لإدارة تلك المعدات، والانخراط في عملية للفرز والتدوير، وبما يقود إلى خفض الحاجة لاستيراد مواد بناء جديدة ومواد لرصف الطرق.

وثمة حاجةٌ ماسَّةٌ وفقاً لخبراء أمميين لعملية كبرى تعنى بتنظيف الأرض، والغسل الحيوي من الآثار السّمية للمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق، عبر مسحٍ إشعاعي وكيميائي شامل، فضلاً عن ضرورة إنشاء مختبر بيئي في غزة. بيد أنَّ العامل الأهم يتعلَّق بالإرادة الدولية الجماعية التي تأخذ الخطوة الأولى لتطهير غزةَ من نكبتها البيئية، إرادة معقودة على مجلس السلام برئاسة الولايات المتحدة، يتطلع الفلسطينيون ومحبو السلام إلى تفعيلها في القريب العاجل.

(الشرق الأوسط)

يتم التصفح الآن