اختار رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز التغريد خارج السرب، برفض الانضمام إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والاعتراف بدولة فلسطين، رسميا في مايو 2024، قبل أن يدعم في يونيو من العام نفسه المسار القانوني الذي فتحته جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية لمحاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي على عمليات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في غزة. الزعيم الاشتراكي المولود في 29 فبراير عام 1972، الذي درس الاقتصاد ومارس لعبة كرة السلة في صدر شبابه، وصفه البعض بأنه "صعب المراس"، وبالتالي ليس غريبًا أن يناطح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا يهاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليرفع صوته عاليًا: "لا للحرب" مع إيران، و"لا" للعدوان على غزة ولبنان.
سانشيز "المتمرد" على المواقف الأوروبية التقليدية التي تنحاز بلا قيد أو شرط في كثير من الأوقات إلى جانب إسرائيل، كان لديه من الشجاعة ليعلن تحديه للرئيس الأمريكي، رافضا دعم القوات الأمريكية في حرب إيران، معتبرًا أن "الأزمة التى أفرزتها الحرب غير الشرعية فى الشرق الأوسط تظهر فشل القوة الغاشمة"، لأن "منطق القوة فى النهاية يجعل العالم أكثر ضعفًا". هذه الرؤية التى عبر عنها سانشيز خلال الاجتماع الذى عقده قادة الاتحاد الأوروبى قبل أيام فى العاصمة القبرصية نيقوسيا، وسعيه لعالم متعدد الأقطاب بزيارة إلى الصين قبل أسبوعين فى تقارب واضح مع بكين، يبدو أنها كانت وراء تهديد واشنطن بتعليق عضوية إسبانيا فى حلف شمال الأطلسى "الناتو".
ووفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤول أمريكي فإن رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" احتوت على خيارات أمام واشنطن لمعاقبة دول أعضاء في "الناتو" لم تدعم العمليات الأمريكية في الحرب على إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، وبين الخيارات الواردة في الرسالة تعليق تولى الدول "صعبة المراس" مناصب مهمة أو مرموقة في الحلف الأطلسي. ورغم استبعاد مسؤول في "الناتو" مثل هذا السيناريو، لأن "المعاهدة التأسيسية للحلف الموقعة في عام 1949 لا تنص على أي أحكام لتعليق العضوية أو طرد أي عضو"، أعرب سانشيز عن عدم "القلق" من التهديد الأمريكي قائلا: "نحن نعمل على أساس وثائق رسمية ومواقف يعلن عنها رسميا من قبل حكومة الولايات المتحدة"، مؤكدًا أن موقف حكومته واضح: "تعاون كامل مع الحلفاء، ولكن دائما فى إطار الشرعية الدولية".
حالة الغضب من رئيس وزراء إسبانيا ليست قاصرة على الرئيس الأمريكي، إذ إن الموقف فى تل أبيب أشد حنقًا على الزعيم الاشتراكي الإسباني، خاصة بعد أن اقترح سانشيز أمام "قمة القوى التقدمية" التي عقدت في برشلونة قبل أيام، فسخ اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل الموقع عام 2000، والذي يشكل أساس العلاقات السياسية والاقتصادية بين الطرفين. أمام تلك القمة التي ضمت قادة يساريين من أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، قال سانشيز إن "حكومة تنتهك القانون الدولى لا يمكن أن تكون شريكا للاتحاد الأوروبي"، وذلك بعد أيام من استبعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إسبانيا من مركز التنسيق المدني العسكري المرتبط بخطة سلام غزة بقيادة الولايات المتحدة.
ولأن الإسرائيليين لا يستحون من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي ارتكبوها في غزة وأوقعت أكثر من 70 ألف فلسطيني، ها هي إحدى منظماتهم تعلن أنها طلبت من المحكمة الجنائية الدولية النظر في اتخاذ إجراءات قانونية بحق رئيس الوزراء الإسباني، بزعم "المساعدة في ارتكاب جرائم حرب" من خلال صادرات إلى إيران!!
وتتهم الدعوى الإسرائيلية التي أقامتها في الأيام الأخيرة منظمة تدعى "شورات هدين" التي تتخذ إجراءات قانونية في كل أنحاء العالم ضد من تسميهم أعداء إسرائيل، إسبانيا بتوفير "مكونات يحتاج إليها النظام في طهران ووكلائه لأغراض عسكرية". تهديد سانشيز بالعقاب لن يجدي نفعًا،على ما يبدو، فقد خرجت إسبانيا، في ظل الحزب الاشتراكي، من عباءة أصحاب القلوب الضعيفة التي ترتعد من واشنطن وتل أبيب، لتقف حكومتها في "الجانب الصحيح من التاريخ".
(الشروق المصرية)

