صحافة

"المشهد اليوم".. لبنانُ أمامَ أسبوعَيْنِ حاسِمَيْن وترامب لِـ"حِصارٍ إيرانيٍّ طَويل"!"قِمَّةُ جدّة" تُناقِشُ مَضيقَ هُرمُز والتطوّرات.. والإماراتُ تُعلِنُ انسحابَها مِن "أوبِك" و"أوبِك بْلَسْ"


من مشاهد تشييع عدد من اللبنانيين الذين قضوا خلال الغارات الإسرائيليّة في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

تتوالى التطورات في المنطقةِ التي تسير على صفيحٍ ساخنٍ فس انتظار ما ستؤولُ إليه المفاوضات "المُتعثّرة" بين واشنطنَ وطهرانَ. وتنعكس هذه التطورات على الساحةِ اللبنانيّةِ أيضًا في ظلِّ مواصلة الاحتلال الإسرائيليّ خرقه لاتفاق وقف النار وتصعيد العمليات العسكرية، ما يعني عمليًا سقوط الهدنة الهشّة. في المقابل، تتزايد الضغوط على الحكومة اللبنانيّة من أجل حصر سلاح "حزب الله"، الذي لا يبدو في وارد تقديم "أيّ تنازلات". على العكس، هو يرفع سقف مواجهته للدولة ويُوجّه إليها اتهاماتٍ بشأن موضوع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي تفتقر، من وجهة نظره، إلى الإجماع الوطنيّ. وهذه السردية عينها، يتنكر لها الحزب الذي أخذ قرار الحرب مرتين، مرة لإسناد غزّة ومرة للثأر للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي، من دون الرجوع إلى أحد، على الرغم من علمه الكامل بأن تلّ أبيب ستستغل الأمر لتدمير لبنان وفرض شروط تعجيزيّة عليه. وتشير هذه الأحداث إلى أننا أمام أسبوعين حاسمَين من التّوتر، فيما قرى الجنوب تشهد نيرانًا لا ترحم ونسفًا متواصلًا في انتظار ما ستؤول إليه المباحثات اللبنانيّة – الإسرائيليّة.

ويرفض لبنان الرسميّ، حتى الساعة، المقترح الأميركي بعقد لقاءٍ بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، خوفًا على الداخل المُشتعل أصلًا ولتفادي "الوقوع في المحظورِ". في السياق عينه، أُعلِنَ عن إرجاء اللّقاء الذي كان مرتقبًا بين الرّؤساء الثّلاثة، اليوم الأربعاء، بذريعة التصعيد الإسرائيليّ وما يرافقه من إخلاء وتدمير وتهجير. لكن الحقيقة أبعد من ذلك، إذ يعكس إلغاء اللقاء غياب التفاهم بشأن ماهية المرحلةِ المقبلة وكيفية مقاربة الموضوع، خصوصًا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري "يتماشى" مع موقف "حزب الله" ويرفض المسار التفاوضي المباشر أيضًا. ولا تملك البلاد حاليًا ترف الوقت للتوصل إلى تفاهماتٍ كبيرةٍ، لأن تل أبيب تُعيد رسم الخريطة السياسية، وتنتظر من لبنان أن يفشل بهدف إسقاط الهدنة والعودة إلى القتال، بذريعة عدم أداء المعنيين لواجباتهم في منع الهجمات على الجنود الإسرائيليّين أو وقف إطلاق الصّواريخ. وفي هذا الإطار، اعتبر وزير الأمن الإسرائيليّ، يسرائيل كاتس، أنّ الرئيس عون، "يقامر بمستقبل بلاده"، مشدّدًا على أنّ وقف إطلاق النّار لن يستمرّ في ظلّ تواصل الهجمات. كما أوضح أنّ على الحكومة اللّبنانيّة ضمان نزع سلاح "حزب الله" أوّلًا جنوب نهر اللّيطاني، ثمّ في كامل لبنان. أما وزير الخارجيّة الأميركيّ، ماركو روبيو، فاعتبر أن من "حقّ إسرائيل الدّفاع عن نفسها"، معلنًا أن "الحلّ الذي يتّفق عليه الطّرفان هو وجود جيش لبنانيّ يمتلك القدرة على ملاحقة الحزب داخل البلاد، ونزع سلاحه، وتفكيكه".

ويدرك لبنان بكاملِ فئاتِه أهميةَ إيجاد حلٍ مستدامٍ، لكن تطبيقه لا يزال مُعقدًا في ظلِّ النفوذِ الإيرانيّ والضغوط الأميركيّة - الإسرائيليّة. بينما نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مصادر مطلعة، أن تركيا تعمل على التوسّط للتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة ولبنان بشأن "حزب الله"، إلا أن واشنطن لم تقدم بعد موقفًا واضحًا من المبادرة، فلم تُعلن قبولها أو رفضها. ومن المُستبعد أن تلعب أنقرة دورًا ما، بسبب الخلافات العميقة بينها وبين تلّ أبيب، التي ترفض ترسيخ الأخيرة انخراطها في الشرق الأوسط، لا سيّما في المناطق المحاذية لإسرائيل. ومن السياسة إلى الميدان، الذي يشهد سقوطًا فعليًا لاتفاق وقف النار، إذ شنّت قوات الاحتلال سلسلةً من الغاراتِ على مختلفِ المناطقِ الجنوبيّةِ، ما أسفر عن عدد من القتلى والجرحى، فيما أنذر سكان ستّ عشرة بلدة بالإخلاء، في مشهدٍ يُعيد الجنوب إلى منطقِ الحرب المفتوحة. كما فجّر العدو نفقًا كبيرًا في بلدة القنطرة، بذريعة استخدامه كمنطقة تجمّع لـ"قوة الرضوان". وحذّرت الجبهة الداخليّة سكان البلدات الحدودية والشمال والجولان المحتل، باحتمال سماع دوي انفجارٍ ضخم، وتلقى السكان إشعارات عن هزة أرضيّة مُحتملة. وتعيثُ إسرائيل خرابًا واسعًا، وتستمر في سياسة نسف المنازل والبنى التحتيّة، فتشهد العديد من القرى تدميرًا كاملًا وممنجًا يُعيد إلى الأذهان ما حصل في قطاع غزّة. فضلًا عن استهداف فرق الإنقاذ، إذ قتلت غارة إسرائيليّة، مساء أمس، ثلاثة من مسعفي الدفاع المدني إثر استهداف مبنى في بلدة مجدل زون جنوبي البلاد.

جرائم الحرب هذه تُرتكب في ظلّ غياب دور المؤسسات الدوليّة القادرة على لجم المخططات الإسرائيليّة ومحاسبتها على الانتهاكات المستمرة. ويبدو الملف اللبناني مُعلّقًا "على حبال" المفاوضات الباكستانية بين واشنطن وطهران، التي تشهد ركودًا يحول دون التوصل إلى اتفاقٍ يُنهي الحرب ويفتح مضيق هُرمز، الذي بات يشكّل "ورقة ضغط" يمكن أن تُسهم في إخماد القتال أو إعادة اشتعاله. وضمن هذا المسار، أشار الرئيس دونالد ترامب إلى أن إيران أبلغت واشنطن بأنها في "حالة انهيار"، وتريد منها فتح المضيق سريعًا، في معرض الكشف عن جزءٍ من المقترح الإيراني الذي قدمه وزير الخارجية عباس عراقجي عبر الوسيط الباكستاني. ولا يمكن لهذا العرض أن يبصر النور. فطهران تسعى إلى تقسيم القضايا والفصل بينها، بهدف فك الحصار عن موانئها وسفنها أولًا. لكن لا يمكن للإدارة الأميركية الاستغناء عن الحصار بوصفه أداة ضغط فعالة، فهو "يُؤتي ثماره بشكلٍ مثالي" وفق توصيفٍ سابقٍ لترامب، ما يجعل التراجع عنه مشروطًا بمكاسب كبيرة. وأبرز هذه المكاسب هي تخلي إيران عن التخصيب وتسليم مخزون اليورانيوم المُخصب، ما يفسر استمرار التردّد الأميركيّ في التعاطي مع المقترح الإيرانيّ.

بالتزامن، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين، أن ترامب أصدر تعليمات لمساعديه بالاستعداد ‌لفرض ‌حصار مطول ‌على ⁠إيران. وبحسب التقرير، قضّل الرئيس الأميركي، في اجتماعاتٍ عقدت في الآونة الأخيرة، مواصلة الضغط على ⁠الاقتصاد الإيراني ‌وصادرات ‌النفط عبر ‌منع الشحن ‌من وإلى موانئها. كما أشار التقرير إلى أن ترامب يعتقد أن الخيارات الأخرى، ومن ضمنها استئناف القصف أو ⁠الانسحاب ⁠من الصراع، تنطوي على مخاطر أكبر من الإبقاء على الحصار. هذا وفرضت الحكومة الأميركيّة ​عقوباتٍ جديدةٍ طالت هذه المرة ⁠35 ​كيانًا وفردًا ⁠لدورهم في ⁠النظام المصرفي ‌الموازي ‌في ​إيران. ‌واتهمتهم ‌بتسهيل تحويل ‌عشرات المليارات من الدولارات، ⁠المرتبطة بالتهرّب ⁠من العقوبات، ورعاية إيران للإرهاب. وتُعقّد هذه الخطوات المتخذة المباحثات بين الجانبين، على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها إسلام آباد. لكن جميع محاولاتها فشلت في تقريب وجهات النظر، في ظلّ الحديث عن وجود مستويات عدة في إيران، وأجنحة متنازعة في ما بينها، ما يُصعّب التفاهمات. ووفق تحليل لوكالة "رويترز"، فإن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله "الجريح" مجتبى، أدخلا البلاد في نظامٍ مختلفٍ يُهيمن عليه قادة "الحرس الثوري"، ويتّسم بغياب مرجعيةٍ حاسمةٍ وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار. و"الصراع الخفي" ووجود أجندات متعدّدة بين من يرفض التنازل مثل "الحرس الثوري"، ومن هم أكثر براغماتية، كما هو حال الوزير عراقجي، يعني أننا أمام مسارٍ طويلٍ ومُعقدٍ من المباحثاتِ، على الرغم من الخسائر الكبيرة على الضفتين، وما تسببه من تداعيات لدول المنطقة.

في غضون ذلك، طالبت عشرات الدول، خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن في نيويورك عُقدت بطلب من البحرين، بإعادة فتح مضيق هُرمز فورًا. وفي كلمته، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش من أن الطرق البحرية العالميّة - التي شكلت لقرون شرايين التجارة العالميّة - باتت اليوم تواجه ضغوطًا هائلة تهدد الأمن والاستقرار الدوليين. وإذ دعا إلى احترام حقوق الملاحة، قال "افتحوا المضيق. اسمحوا بمرور السفن، دون فرض رسوم، ودون تمييز. اسمحوا باستئناف حركة التجارة. اسمحوا للاقتصاد العالمي بأن يتنفس". وأجمعت الكلمات التي ألقيت على ضرورة إيجاد حل سريع، بينما أرجع المندوبيْن الروسي والصيني ما يجري إلى الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة "غير المبرّرة" على إيران. وكانت الأصوات الاوروبيّة تصاعدت في الآونة الأخيرة ضد استمرار مفاعيل الحرب "دون جدوى"، وأخرها من قبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي وجه انتقادًا لاذعًا لواشنطن بإعتبارها لا تملك "استراتيجية حقيقيّة" في النزاع القائم ما يجعلها تتعرض "للإذلال" من قبل الإيرانيين، فيما ردّ عليه الرئيس ترامب معتبرًا أنه "لا يفقه ما الذي يتحدث عنه". وهذه التصريحات والتصريحات المضادة تضع الجميع في حالة من التأهب لتحديد الخطوات المقبلة، خاصة أن تأثيرات الحرب طالت الجميع دون استثناء. ومن هنا تتحرك الدول بهدف "كسر" الجمود، في وقت يقوم وزير الخارجية الفرنسي بجولة خليجيّة موسعة من أجل مناقشة المستجدات الراهنة وتداعياتها. وتأتي هذه الجولة بعد زيارات مماثلة قام بها كل من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ونظيرته الإيطالية جيورجينا ميلوني.

وضمن إطار متّصل، عُقدت في جدّة قمة تشاورية خليجيّة برئاسة ولي العهد السعوديّ الأمير محمد بن سلمان، بهدف الإطلاع ومنافشة الأوضاع الإقليميّة الراهنة، خصوصًا المتصلة بالتصعيد في المنطقة، في وقت أكد المجتمعون ضرورة استعادة أمن الملاحة في مضيق هُرمز، معلنين عن إدانتهم بشدّة الاعتداءات الإيرانيّة السافرة التي تعرضت لها دول مجلس التعاون والأردن. وأتت هذه القمة "المفاجئة" بظل محاولات دول الخليج العربي تقييم المرحلة السابقة وتحديد الخطوات اللاحقة، خصوصأ أن الحرب على إيران أربكت اقتصاداتها وجعلتها في مرمى "النيران"، رغمًا أن العديد من عواصمها حاولت منع حصول ذلك. ولكن هذه القمة التي خرجت بتكرّار المواقف السابقة دون أي جديد برز فيها عاملان، الأول غياب سلطنة عُمان، والثاني التمثيل الإماراتيّ الذي اقتصر على وزير الخارجية عبدالله بن زايد آل نهيان، بينما حضر كل من ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني. وبالتزامن مع القمة ومخرجاتها، كان الحدث الاستثنائيّ الذي أعلنت عنه الإمارات، والذي تمثّل، بإنسحابها من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) وتحالف "أوبك بلس" ابتداءً من الأول من أيار/مايو 2026، في تطورٍ يأتي في سيّاق اضطراباتٍ واسعةٍ بأسواق الطاقة العالميّة نتيجة الحرب في إيران، والتوترات المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هُرمز.

فالقرار المتخذ وبهذا التوقيت الحساس له ما له من تداعيات ومخاطر، رغم تأكيد الإمارات أن الانسحاب لا يغيّر التزامها باستقرار الأسواق، وأنها ستواصل زيادة الإنتاج "بشكل تدريجيّ ومدروس". وبإنتظار ما ستحمله هذه الخطوة سواء على صعيد النظام النفطي أو العلاقات الخليجيّة – الخليجيّة، خاصة أن هذه الدول تلعب دورًا كبيرًا في تأمين الإمدادات العالميّة واستقرار الأسعار. فالسعودية هي أكبر منتج داخل "أوبك"، وتلعب دور القوة القيادية في قرارات الإنتاج والتوازن السعري على ?

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن