تتوالَى التطوراتُ في المنطقةِ التي تسيرُ على صفيحٍ ساخنٍ في انتظارِ ما ستؤولُ إليهِ المفاوضاتُ "المُتعثّرةُ" بينَ واشنطنَ وطهرانَ. وتنعكسُ هذه التطوراتُ على الساحةِ اللبنانيّةِ أيضًا في ظلِّ مواصلةِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ خَرقَهُ لاتفاقِ وقفِ النارِ وتصعيدِ العملياتِ العسكريةِ، ما يعني عمليًا سقوطَ الهدنةِ الهشّةِ. في المقابلِ، تتزايدُ الضغوطُ على الحكومةِ اللبنانيّةِ من أجلِ حصرِ سلاحِ "حزبِ الله"، الذي لا يبدُو في واردِ تقديمِ "أيِّ تنازلاتٍ". على العكسِ، هو يرفعُ سقفَ مواجهَتِهِ للدولةِ ويُوجّهُ إليها اتهاماتٍ بشأنِ موضوعِ المفاوضاتِ المباشرةِ مع إسرائيلَ، التي تفتقرُ، من وجهةِ نظرِهِ، إلى الإجماعِ الوطنيِّ. وهذه السرديةُ عينُها، يتنكرُ لهَا الحزبُ، الذي أخذَ قرارَ الحربِ مرتينِ، مرةً لإسنادِ غزّةَ ومرةً للثأرِ للمرشدِ الإيرانيِّ السابقِ علي خامنئي، من دونِ الرجوعِ إلى أحدٍ، على الرغمِ من علمِهِ الكاملِ بأن تلّ أبيب ستستغلُ الأمرَ لتدميرِ لبنانَ وفرضِ شروطٍ تعجيزيّةٍ عليه. وتشيرُ هذه الأحداثُ إلى أننا أمامَ أسبوعينِ حاسمَينِ من التّوترِ، فيما قرَى الجنوبِ تشهدُ نيرانًا لا ترحمُ ونسفًا متواصلًا في انتظارِ ما ستؤولُ إليهِ المباحثاتُ اللبنانيّةُ – الإسرائيليّةُ.
ويرفضُ لبنانُ الرسميُّ، حتَى الساعةِ، المقترحَ الأميركيَّ بعقدِ لقاءٍ بينَ رئيسِ الجمهوريةِ جوزاف عون ورئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو، خوفًا على الداخلِ المُشتعلِ أصلًا ولتفادي "الوقوعِ في المحظورِ". في السياقِ عينِهِ، أُعلِنَ عن إرجاءِ اللّقاءِ الذي كان مرتقبًا بينَ الرّؤساءِ الثّلاثةِ، اليومَ الأربعاءِ، بذريعةِ التصعيدِ الإسرائيليِّ وما يُرافقُهُ من إخلاءٍ وتدميرٍ وتهجيرٍ. لكنَ الحقيقةَ أبعدُ من ذلكَ، إذ يعكسُ إلغاءُ اللقاءِ غيابَ التفاهمِ بشأنِ ماهيةِ المرحلةِ المقبلةِ وكيفيةِ مقاربةِ الموضوع، خصوصًا أن رئيسَ مجلسِ النوابِ نبيه بري "يتماشَى" مع موقفِ "حزبِ اللهِ" ويرفضُ المسارَ التفاوضيَ المباشرَ أيضًا. ولا تملكُ البلادُ حاليًا ترفَ الوقتِ للتوصلِ إلى تفاهماتٍ كبيرةٍ، لأنَ تلَ أبيبَ تُعيدُ رسمَ الخريطةِ السياسيةِ، وتنتظرُ من لبنانَ أن يفشلَ بهدفِ إسقاطِ الهدنةِ والعودةِ إلى القتالِ، بذريعةِ عدمِ أداءِ المعنيينَ لواجباتهِم في منعِ الهجماتِ على الجنودِ الإسرائيليّينَ أو وقفِ إطلاقِ الصّواريخِ. وفي هذا الإطارِ، اعتبرَ وزيرُ الأمنِ الإسرائيليِّ، يسرائيل كاتس، أنّ الرئيسَ عون، "يقامرُ بمستقبلِ بلادِهِ"، مشدّدًا على أنّ وقفَ إطلاقِ النّارِ لن يستمرَّ في ظلِّ تواصلِ الهجماتِ. كما أوضحَ أنَّ على الحكومةِ اللبنانيةِ ضمانَ نزعِ سلاحِ "حزبِ اللهِ" أوّلًا جنوبَ نهرِ اللّيطاني، ثمَّ في كاملِ لبنانَ. أما وزيرُ الخارجيّةِ الأميركيِّ، ماركو روبيو، فاعتبرَ أن من "حقِّ إسرائيلَ الدّفاعَ عن نفسِهَا"، معلنًا أن "الحلَّ الذي يتّفقُ عليه الطّرفانِ هو وجودُ جيشٍ لبنانيٍّ يمتلكُ القدرةَ على ملاحقةِ الحزبِ داخلَ البلادِ، ونزعِ سلاحِهِ، وتفكيكِهِ".
ويدركُ لبنانُ بجميعِ فئاتِه أهميةَ إيجادِ حلٍ مستدامٍ، لكن تطبيقَهُ لا يزالُ مُعقدًا في ظلِّ النفوذِ الإيرانيِّ والضغوطِ الأميركيّةِ - الإسرائيليّةِ. بينمَا نقلَتْ صحيفةُ "جيروزاليم بوست" عن مصادرَ مطلعةٍ، أن تركيا تعملُ على التوسّطِ للتوصلِ إلى اتفاقٍ بينَ الولاياتِ المتحدةِ ولبنانَ بشأنِ "حزبِ اللهِ"، إلا أن واشنطنَ لم تقدمْ بعدُ موقفًا واضحًا من المبادرةِ، فلم تُعلنْ قبولَها أو رفضَهَا. ومن المُستبعدِ أن تلعبَ أنقرةُ دورًا ما، بسببِ الخلافاتِ العميقةِ بينَهَا وبينَ تلّ أبيبَ، التي ترفضُ ترسيخَ الأخيرةِ انخراطِهَا في الشرقِ الأوسطِ، لا سيّما في المناطقِ المحاذيةِ لإسرائيلَ. ومن السياسةِ إلى الميدانِ، الذي يشهدُ سقوطًا فعليًا لاتفاقِ وقفِ النارِ، إذْ شنَّت قواتُ الاحتلالِ سلسلةً من الغاراتِ على مختلفِ المناطقِ الجنوبيّةِ، ما أسفرَ عن عددٍ من القتلَى والجرحَى. كما أنذرَت سكانَ ستَّ عشرةَ بلدةً بالإخلاءِ، في مشهدٍ يُعيدُ الجنوبَ إلى منطقِ الحربِ المفتوحةِ. كما فجّرَ العدوُ نفقًا كبيرًا في بلدةِ القنطرةِ، بذريعةِ استخدامِهِ كمنطقةِ تجمّعٍ لـ"قوةِ الرضوان". وحذّرَتِ الجبهةُ الداخليّةُ سكانَ البلداتِ الحدوديةِ والشمالِ والجولانِ المحتلِ، باحتمالِ سماعِ دويِّ انفجارٍ ضخمٍ، وتلقّى السكانُ إشعاراتٍ عن هزةٍ أرضيّةٍ مُحتملةٍ. وتعيثُ إسرائيلُ خرابًا واسعًا، وتستمرُ في سياسةِ نسفِ المنازلِ والبنَى التحتيّةِ، فتشهدُ العديدُ من القرَى تدميرًا كاملًا وممنجًا يُعيدُ إلى الأذهانِ ما حصلَ في قطاعِ غزّةَ. فضلًا عن استهدافِ فرقِ الإنقاذِ، إذ قتلَت غارةٌ إسرائيليّةٌ، مساءَ أمسِ، ثلاثةً من مسعفي الدفاعِ المدني إثرَ استهدافِ مبنىً في بلدةِ مجدلِ زونَ جنوبيّ البلادِ.
جرائمُ الحربِ هذه تُرتكبُ في ظلِّ غيابِ دورِ المؤسساتِ الدوليّةِ القادرةِ على لجمِ المخططاتِ الإسرائيليّةِ ومحاسبتِهَا على الانتهاكاتِ المستمرةِ. ويبدو الملفُ اللبنانيُّ مُعلّقًا "على حبالِ" المفاوضاتِ الباكستانيةِ بينَ واشنطنَ وطهرانَ، التي تشهدُ ركودًا يَحُولُ دونَ التوصلِ إلى اتفاقٍ يُنهِي الحربَ ويفتحُ مضيقَ هُرمزَ، الذي باتَ يُشكّلُ "ورقةَ ضغطٍ" يمكنُ أن تُسهمَ في إخمادِ القتالِ أو إعادةِ اشتعالِهِ. وضمنَ هذا المسارِ، أشارَ الرئيسُ دونالد ترامب إلى أن إيرانَ أبلغَتْ واشنطنَ بأنَهَا في "حالةِ انهيارٍ"، وتريدُ منهَا فتحَ المضيقِ سريعًا، في معرضِ الكشفِ عن جزءٍ من المقترحِ الإيرانيِّ الذي قدّمَهُ وزيرُ الخارجيةِ عباس عراقجي عبرَ الوسيطِ الباكستانيّ. ولا يمكنُ لهذا العرضِ أن يبصرَ النورَ، فطهرانُ تسعَى إلى تقسيمِ القضايا والفصلِ بينَهَا، بهدفِ فكِ الحصارِ عنْ موانئِهَا وسفنِهَا أولًا. لكنْ لا يمكنُ للإدارةِ الأميركيةِ الاستغناءُ عن الحصارِ بوصفِهِ أداةَ ضغطٍ فعالةٍ، فهو "يُؤتِي ثمارَهُ بشكلٍ مثاليٍّ" وفقَ توصيفٍ سابقٍ لترامب، ما يجعلُ التراجعَ عنهُ مشروطًا بمكاسبَ كبيرةٍ. وأبرزُ هذه المكاسبُ هو تخلّي إيرانَ عن التخصيبِ وتسليمِ مخزونِ اليورانيومِ المُخصبِ، ما يفسّرُ استمرارَ التردّدِ الأميركيِّ في التعاطِي مع المقترحِ الإيرانيِّ.
بالتزامنِ، نقلَتْ صحيفةُ "وول ستريت جورنال" عن مسؤولينَ أميركيينَ، أن ترامبَ أصدرَ تعليماتٍ لمساعدِيهِ بالاستعدادِ لفرضِ حصارٍ مطولٍ على إيرانَ. وبحسبِ التقريرِ، فضّلَ الرئيسُ الأميركيُ، في اجتماعاتٍ عُقِدَتْ في الآونةِ الأخيرةِ، مواصلةَ الضغطِ على الاقتصادِ الإيرانيِّ وصادراتِ النفطِ عبرَ منعِ الشحنِ مِن وإلى موانئِهَا. كما أشارَ التقريرُ إلى أن ترامبَ يعتقدُ أن الخياراتِ الأخرَى، ومِن ضمنِهَا استئنافُ القصفِ أو الانسحابُ مِن الصراعِ، تنطوِي على مخاطرَ أكبرَ مِن الإبقاءِ على الحصارِ. وفرضَتِ الحكومةُ الأميركيّةُ عقوباتٍ جديدةً طالَتْ هذه المرةَ 35 كيانًا وفردًا، لدورهِم في النظامِ المصرفيِّ الموازِي في إيرانَ. واتَهمَتهُمْ بتسهيلِ تحويلِ عشراتِ الملياراتِ من الدولاراتِ، المرتبطةِ بالتهرّبِ من العقوباتِ، ورعايةِ إيرانَ للإرهابِ. وتُعقّدُ هذه الخطواتُ المتخذةُ المباحثاتِ بين الجانبينِ، على الرغمِ من الجهودِ الحثيثةِ التي بذلتهَا إسلام آباد. لكنَّ جميعَ محاولاتِها فَشلَتْ في تقريبِ وجهاتِ النظرِ، في ظلِّ الحديثِ عن وجودِ مستوياتٍ عدةٍ في إيرانَ، وأجنحةٍ متنازعةٍ في ما بينها، ما يُصعّبُ التفاهماتِ. ووفقًا لتحليلِ وكالةِ "رويترز"، فإن مقتلَ المرشدِ علي خامنئي في اليومِ الأولِ منَ الحربِ، وصعودَ نجلِهِ "الجريحِ" مجتبى، أدخلا البلادَ في نظامٍ مختلفٍ يُهيمنُ عليهِ قادةُ "الحرسِ الثوري"، ويتّسمُ بغيابِ مرجعيةٍ حاسمةٍ وذاتَ سلطةٍ نافذةٍ لاتخاذِ القرارِ. و"الصراعُ الخفيُّ" ووجودُ أجنداتٍ متعدّدةٍ بين من يرفضُ التنازلَ مثلَ "الحرسِ الثوريِّ"، ومَن هُم أكثرُ براغماتيةً، كما هو حالُ الوزيرِ عراقجي، يعني أننَا أمامَ مسارٍ طويلٍ ومُعقدٍ من المباحثاتِ، على الرغمِ منَ الخسائرِ الكبيرةِ على الضفتينِ، وما تسببُهُ من تداعياتٍ لدولِ المنطقةِ.
في غضونِ ذلكَ، طالبَت عشراتُ الدولِ، خلالَ جلسةٍ مفتوحةٍ لمجلسِ الأمنِ في نيويورك عُقدَت بطلبٍ من البحرينِ، بإعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمزَ فورًا. وفي كلمتِهِ، حذّرَ الأمينُ العامُ للأممِ المتحدةِ أنطونيو غوتيريش من أن الطرقَ البحريةَ العالميّةَ، التي شكّلَتْ لقرونٍ شرايينَ التجارةِ العالميّةِ، باتَت تواجهُ ضغوطًا هائلةً تهددُ الأمنَ والاستقرارَ الدوليينِ. وإذ دعَا إلى احترامِ حقوقِ الملاحةِ، قالَ: "افتَحُوا المضيقَ. اسمحوا بمرورِ السفنِ، مِن دونِ فرضِ رسومٍ، ومِن دونِ تمييزٍ. اسمحوا باستئنافِ حركةِ التجارةِ. اسمحوا للاقتصادِ العالميِ بأن يتنفَسَ". وأجمعَت الكلماتُ التي أُلقِيَتْ على ضرورةِ إيجادِ حلٍ سريعٍ، بينمَا أرجَعَ المندوبانِ الروسي والصيني ما يجرِي إلى الحربِ الأميركيّةِ – الإسرائيليّةِ "غيرِ المبرّرةِ" على إيرانَ. وفي هذا السياقِ، تصاعدَتِ الأصواتُ الأوروبيّةُ في الآونةِ الأخيرةِ ضدَ استمرارِ مفاعيلِ الحربِ "من دونِ جدوَى". وفي هذا الصددِ، برزَ موقفُ المستشارُ الألماني فريدريش ميرتس، الذي وجّهَ انتقادًا لاذعًا لواشنطنَ باعتبارها لا تملكُ "استراتيجيةً حقيقيّةً" في النزاعِ القائمِ، ما يجعلُهَا تتعرضُ "للإذلالِ" من قبلِ الإيرانيينَ، فيما ردَّ ترامب بأنه "لا يفقَه ما الذي يتحدث عنه". وتضعُ هذه التصريحاتُ والتصريحاتُ المضادةُ الجميعَ في حالةٍ من التأهبِ لتحديدِ الخطواتِ المقبلةِ، خصوصًا أن تأثيراتِ الحربِ طالَتِ الجميعَ مِن دونِ استثناءٍ. ومِن هُنا، تتحركُ الدولُ بهدفِ "كسرِ" الجمودِ، في حين يُجري وزيرُ الخارجيةِ الفرنسي جولةً خليجيّةً موسعةً، لمناقشةِ المستجداتِ الراهنةِ وتداعياتِهَا. وتأتِي هذه الجولةُ بعد زياراتٍ مماثلةٍ لكلٍّ من رئيسِ الوزراءِ البريطاني كير ستارمر ونظيرتِهِ الإيطالية جيورجينا ميلوني.
وفي إطارٍ متّصلٍ، عُقدَت في جدّةَ قمةٌ تشاوريةٌ خليجيّةٌ، برئاسةِ وليِّ العهدِ السعوديّ الأمير محمد بن سلمان، بهدفِ الاطّلاعِ ومناقشةِ الأوضاعِ الإقليميّةِ الراهنةِ، خصوصًا المتصلةِ بالتصعيدِ في المنطقةِ، وأكّدَ المجتمعونَ ضرورةَ استعادةِ أمنِ الملاحةِ في مضيقِ هُرمزَ. وأعلنوا عن إدانتهِمْ بشدّةٍ الاعتداءاتِ الإيرانيّةِ السافرةِ، التي تعرّضَت لهَا دولُ مجلسُ التعاونِ والأردن. وتزامنَتْ هذه القمةُ "المفاجئةُ" مع محاولاتِ دولِ الخليجِ العربيِ تقييمِ المرحلةِ السابقةِ وتحديدِ الخطواتِ اللاحقةِ، خصوصًا أنَ الحربَ على إيرانَ أربكَتِ اقتصاداتِهَا وجعلتهَا في مرمَى "النيرانِ"، على الرغمِ مِن أن العديدَ من عواصِمِهَا حاولَت منعَ حصولِ ذلك. لكنَ هذه القمةَ، التي خرجَتْ بتكرارِ المواقفِ السابقةِ من دونِ أي جديدٍ، برزَ فيهَا عاملان: الأولُ غيابُ سلطنة عُمانَ، والثاني التمثيلُ الإماراتيُّ الذي اقتصرَ على وزيرِ الخارجيةِ عبد الله بن زايد آل نهيان. بينما حضرَ كلٌّ من ولِي عهدِ الكويتِ الشيخِ صباح خالد الحمد الصبّاح، وملكِ البحرينَ حمد بن عيسى آل خليفة، وأميرِ قطرَ تميم بن حمد آل ثاني. وبالتزامنِ مع القمةِ ومخرجاتِهَا، أعلنَتِ الإماراتُ عن خبرٍ استثنائيٍّ، تمثّلَ في انسحابِهَا من منظمةِ الدولِ المصدّرةِ للنفطِ (أوبك) وتحالفِ "أوبك بلس" ابتداءً من الأولِ من أيار/مايو 2026. ويأتِي هذا التطورُ في سياقِ اضطراباتٍ واسعةٍ في أسواقِ الطاقةِ العالميّةِ، نتيجةَ الحربِ في إيرانَ والتوتراتِ المرتبطةِ بحركةِ الملاحةِ في مضيقِ هُرمزَ.
فالقرارُ المُتخذُ وفي هذا التوقيتِ الحساسِ، له تداعياتٌ ومخاطرُ، على الرغمِ من تأكيدِ الإماراتِ أن الانسحابَ لا يغيّرُ التزامَهَا باستقرارِ الأسواقِ، وأنها ستواصلُ زيادةَ الإنتاجِ "بشكلٍ تدريجيٍّ ومدروسٍ". وفي انتظارِ ما ستحمِلُهُ هذه الخطوةُ سواءَ على صعيدِ النظامِ النفطيِّ أو العلاقاتِ الخليجيّةِ – الخليجيّةِ، خصوصًا أن هذه الدولَ تلعبُ دورًا كبيرًا في تأمينِ الإمداداتِ العالميّةِ واستقرارِ الأسعارِ. فالسعوديةُ هي أكبرُ منتجٍ داخلَ "أوبك"، وتلعبُ دورَ القوةِ القياديةِ في قراراتِ الإنتاجِ والتوازنِ السعريِّ على مستوَى دوليّ. وتحتلُّ الإماراتُ المركزَ الثاني، وتؤثّرُ في سياساتِ الإنتاجِ وتمتلكُ طاقةً إنتاجيةً كبيرةً وقدرةً على زيادةِ أو خفضِ الإمداداتِ بسرعةٍ. وعليه، يتجهُ العالمُ اليوم نحوَ توازناتٍ وتشكيلاتٍ جديدةٍ أفرزَتهَا الحربُ على إيرانَ، التي يبدو أن تأثيراتِها ستكونُ طويلةَ الأمدِ. وجاءَت هذه الأحداثُ المتسارعةُ لتضعَ قطاعَ غزّةَ "خارجَ التغطيةِ"، على الرغمِ من الاعتداءاتِ والخروقاتِ الإسرائيليّةِ اليوميّةِ، التي تستكملُ الإبادةَ بحقِ أهالي القطاعِ. وفي التفاصيلِ، استشهدَ 5 فلسطينيينَ، بينَهُم طفلٌ في التاسعةِ من عمرِهِ، وأصيبَ 6 آخرون في غاراتٍ جويةٍ إسرائيليّةٍ أمسِ الثلاثاءِ. وتختلقُ تلّ أبيبَ الأعذارَ والحججَ من أجلِ عدمِ تطبيقِ خطةِ ترامبَ، وبالتالي، إبقاءِ الأوضاعِ المترديةِ على حالِهَا مع غيابِ أيِّ حديثٍ عن إعاةِ الإعمارِ أو زيادةِ المساعداتِ الإنسانيّةِ.
أما في العراقِ، فبدأَ المُكلَّفُ بتشكيلِ الحكومةِ الجديدةِ علي الزيدي مشاوراتٍ أوليةً لتشكيلِ الحكومةِ خلال 30 يومًا، وسطَ ترحيبٍ من قبلِ لندن وباريس وبرلين، بعدَ مسارٍ سياسيٍّ ومخاضٍ عسيرٍ. فيما الموقفُ الأميركيُّ الرسميُّ لم يصدُرْ بَعدُ، على الرغمِ مِن أنَهُ يُعتبرُ الأهمَ، نظرًا إلى الضغوطِ التي مارسَتهَا واشنطنَ في وقتٍ سابقٍ، والتي أدَتْ إلى تراجعِ حظوظِ رئيسِ الحكومةِ الأسبقِ نوري المالكي "بعد فيتو أميركيّ". وفي السودانِ، قُتل 11 شخصًا جراءَ هجومٍ نفذتهُ "قواتُ الدعمِ السريعِ" بطائراتٍ مسيّرةٍ على مدينةِ ربَك في ولايةِ النيلِ الأبيضِ، بحسَب ما أفادَت بهِ مصادرُ طبيةٌ، بينما أعلنَتْ لجنةُ العقوباتِ الدوليةِ التابعةِ لمجلسِ الأمنِ إدراجَ شقيقِ قائدِ "الدعمِ السريعِ" القوني حمدان دقلو موسى على قائمةِ العقوباتِ.
وفي الآتي، أبرزُ ما جاءَ في الصحفِ العربيةِ الصادرةِ اليوم:
تناولت صحيفة "الخليج" الإماراتية التطورات العراقيّة، مشيرة إلى أن المرشح الحالي علي الزيدي "ليس معروفًا على الصعيد السياسي، سوى أنه رجل مال وأعمال من محافظة ذي قار، وتم اختياره كرجل تسوية لتجاوز الخلافات الداخلية و"الفيتو" الأميركي، ومعه يدخل العراق مرحلة سياسية جديدة وسط توازنات معقدة داخليًا وإقليميًا". وتساءلت: "هل يستطيع الزيدي صاحب الخبرة السياسيّة الضئيلة التعامل مع ملفات أمنية وسياسية واقتصادية صعبة، وتحديات داخلية لها علاقة بالتوفيق بين العلاقات مع إيران والولايات المتحدة، والعلاقة مع الفصائل المسلحة وتأثيرها في صناعة القرار الداخلي، واستمرار التهديدات الأمنية في بعض المناطق".
أما صحيفة "عكاظ" السعودية، فكتبت في معرض دفاعها عن سياسات المملكة الحالية، قائلة: "ليس مقبولًا من البعض اليوم أن يقدم لنا الدروس في كيفية التعامل مع العدوانية الإيرانيّة، في الوقت الذي كان فيه يشق الصفوف ويشذ عن المواقف، ليفيق فجأة على الحقيقة بعد أن تذوق مرارة الغدر الإيراني وتجرع سم الصداقة الزائفة". وأضافت: "كانت المملكة خط الدفاع الأول عن الأمن العربي، عندما انطلق مشروع قاسم سليماني ليلتهم أربع عواصم عربية، وكانت الحكومات العربية تقف موقف المتفرج، وكان لتصدي المملكة لمشروع التوسع والهيمنة الإيراني الدور الأساس في انكفاء هذا المشروع وإفشاله في سوريا واليمن ولبنان، فقد كانت المملكة حائط الصدّ الأخير قبل أن تكتسح إيران العالم العربي".
في إطارٍ متّصلٍ، أشارَت صحيفةُ "الوطن" القطرية إلى أن "دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ساهمت خلال العقود الماضية في ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وتحقيق آمال وتطلعات أبناء دول مجلس التعاون، وترجمة الأهداف الاستراتيجيّة لدولنا، وفي مقدمتها تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والازدهار". وأوضحت أن القمة التي عُقدت أمس في جدة "تكتسب أهمية خاصة في ظلّ ما تعيشه المنطقة من تطورات انعكست سلبًا على دولها خاصة بسبب الاعتداءات التي طالتها، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هُرمز وما سببه ذلك من تداعيات سلبية حيث يتعين فتح الممرات البحرية، وضمان حرية الملاحة، وعدم استخدامها كورقة ضغط أو مساومة، بسبب الآثار السلبية لذلك على دول المنطقة، وإمدادات الطاقة والغذاء في العالم، وانعكاساتها على الأمن والسلم الدوليين".
أما صحيفة "الراي" الكويتية، فشدّدت على أنه "لا يُعد إغلاق مضيق هُرمز أمرًا بسيطًا، إذ تخسر دول الخليج العربي مجتمعة نحو ملياري دولار يوميًا من الإيرادات النقدية. ولتعويض هذه الخسائر، يتعين على هذه الدول الإسراع في زيادة إنتاجها النفطي مستفيدة من طاقتها الإنتاجية الفائضة، خاصة في ظل حاجة الدول المستهلكة إلى إعادة ملء مخزوناتها التجارية والاستراتيجيّة". ودعتها أيضًا للعمل "على إيجاد آلية دولية تضمن عدم إغلاق مضيق هُرمز، باعتباره ممرًا حيويًا وموردًا عالميًا للطاقة، لا يجوز أن يخضع لسيطرة دولة واحدة تتحكم في فتحه أو إغلاقه بشكل منفرد دون مراعاة مصالح بقية الدول المطلة عليه".
(رصد "عروبة 22")

