صحافة

لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحكم

جيلبير الأشقر

المشاركة
لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحكم

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

يتعرّض لبنان منذ أكثر من شهرين لعدوان إسرائيلي مركّز على جنوب البلاد بوجه خاص، لن نبالغ إذا قلنا إنه يتعدّى سفكاً وتدميراً كل الاعتداءات والاجتياحات الصهيونية السابقة. وتشير دلائل أكثر من أن تُحصى إلى أن الاجتياح الراهن أخطر بكثير مما سبقه في منظور تاريخي، إذ يندرج بصورة جليّة، بل وصريحة، في مشروع توسّعي طويل الأمد. والحال أن إسرائيل تمارس في جنوب لبنان ما بات يمكن تسميته "استراتيجية غزة"، وقد فاقت بكثير "استراتيجية الضاحية" التي دشّنتها إسرائيل في لبنان في عدوان عام 2006. بكلام آخر، فإن التدمير الممنهج لقرى الجنوب إنما هو دليل قاطع، لا يترك مجالاً للشكّ في مغزاه، إلى نيّتين متلازمتين: منع السكان الأصليين من العودة إلى أرضهم وديارهم، وفسح المجال أمام ضمّ هذه الأرض إلى الدولة الصهيونية إثر عملية استيطانية بدأ التخطيط لها بصورة سافرة.

فإن طبيعة المرامي الصهيونية الراهنة ليست بالمفاجئة، بل هي البنت الشرعية للطاقم الصهيوني الحاكم، وهو ائتلاف بين الليكود النيوفاشي وجماعات تنتمي إلى فئة النازية الجديدة، ائتلاف يدفع بالاستعمار الاستيطاني الصهيوني إلى أقصاه، قاصداً تحقيق "إسرائيل كبرى" تشمل كافة أراضي فلسطين الواقعة بين البحر والنهر، والجولان السوري بعد توسيع رقعة الاحتلال فيه، والآن جنوب لبنان حتى نهر الليطاني. لذا فكان حرياً بكل من أدرك طبيعة الاستعمار الصهيوني بقيادة أحزاب المستوطنين المنتمية إلى أقصى اليمين، أن يدرك أن مبادرة "حزب الله" إلى إشعال النار في الثاني من آذار/ مارس ما كانت سوى ذريعة، أسرع الحكم الصهيوني إلى توظيفها في تحقيق مشروعه الجليّ.

وقد سبق أن أكدنا على أنه "من حق الشعب اللبناني أن يكون غاضباً بأغلبيته العظمى مما رأى فيه توريطاً للبلد في مواجهة تتعدّى طاقاته وبقرار انفرادي من قِبل تنظيم عسكري موازٍ لمؤسسات البلد الرسمية"، لكننا أضفنا إلى ذلك أن الحزب بمبادرته "وفّر ذريعة تحجّج بها الحكم الصهيوني الراهن، أكثر حكم تطرّفاً في تاريخ دولة إسرائيل، كي يسعى لتنفيذ مطامع توسعية قديمة هي في صلب الأيديولوجيا الصهيونية الأصلية".

من هذا المنظور فإن سلوك الحكم اللبناني برئيسه وحكومته ليس مخزياً وحسب، والمخزي فيه بالدرجة الأولى هو قرار الانسحاب الفوري للجيش اللبناني من المناطق التي تعهد بها وفق القرار الدولي 1701 الذي جرى تجديده في خريف عام 2024. إنه سلوك ليس مخزياً وحسب في تخلّيه عن أدنى ممارسة للواجب الدستوري والأخلاقي الذي يفرض على حكم البلد وجيشه أن يذودا عن الوطن، بل تعدّى ذلك إلى استعجال إلقاء اللوم على "حزب الله" تبريراً للقرار الجبان، والتنصّل من مقاومة الاحتلال بإصدار فرمانات عديمة الجدوى (إن دلّت على شيء، فعلى بؤس الحكم اللبناني) ضد الحزب تقضي بحظر نشاطه العسكري، في إيماءات لم تحقق حتى الغاية الرمزية المقصودة منها.

هذا بالرغم من أن إسرائيل لم تلتزم قط بوقف النار بعد خريف 2024، بل واصلت عدوانها على نار خفيفة بحيث إن رفع كثافة هذا العدوان منذ آذار/ مارس في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، إنما كان سوف يحصل لا مُحال، حتى ولو لم يقم "حزب الله" بتوفير الذريعة لهذا الطور الجديد في ممارسة النزعة التوسعية الصهيونية.

فما هي خطة الحكم اللبناني إزاء العدوان الراهن؟ إنها باختصار أسوأ الخطط الممكنة وأكثرها عقماً، إذ إنها تقوم على المراهنة على إدارة ترامب. وكل من يدرك ولو بصورة سطحية تاريخ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، يعلم علم اليقين أن الرهان على واشنطن في وجه الدولة الصهيونية، حليفتها الإقليمية الاستراتيجية، هو رهان خاسر بالضرورة، إلا لو كان هناك دعمٌ عربي قوي يوازن العلاقة الخاصة بين إسرائيل وواشنطن بحيث تضع هذه الأخيرة خطوطاً حمراء لما يجوز لحليفتها فعله. وكم بالأحرى أننا إزاء أكثر إدارة أمريكية انسجاماً مع أقصى اليمين الصهيوني في التاريخ!

بيد أن الحكم اللبناني ارتمى مع ذلك في أحضان واشنطن بدون توفّر الدعم العربي الموصوف، بل وقبِل بالشرط الذي وضعته إدارة ترامب في الدخول في مفاوضات مباشرة مع الدولة الصهيونية. والكل يعلم أن أحد هواجس دونالد ترامب توسيع رقعة "التطبيع"، الذي يسميه "سلاماً"، بحثّ دول عربية جديدة إلى الانضمام إلى "اتفاقيات أبراهام" التي كرّست رسمياً، بالدرجة الأولى، الحلف القائم بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، وقد التحقت به مملكتا البحرين والمغرب.

ومثلما لم يقم ترامب بأي مسعى جدّي من أجل إجبار إسرائيل على التخلّي عن احتلالها لقطاع غزة، لن يقوم بأي مسعى جدّي من أجل إجبارها على الانسحاب من جنوب لبنان. أما رهان الحكم اللبناني على واشنطن، فليس بالفاشل حتماً وحسب، بل يعمّق الشقاق الطائفي الخطير الذي أخذ يتصاعد ويحتدّ من جديد في لبنان، وتغذّيه إسرائيل بصورة مكشوفة تماماً، بدل أن يسلك الحكم نهجاً حكيماً (على غرار ما جسّده فؤاد شهاب في حينه)، يمنح الذود عن أرض الوطن وصون وحدة شعبه الأولوية المطلقة.

إن الحكم اللبناني سائر في طريق مسدود، لكنه طريق لا تقتصر خطورته على أنه لن يؤدّي إلى المحطة المرجوة، بل تتعدّى ذلك إلى الإسهام في وضع مستقبل البلد، أرضاً وشعباً، على كفّ عفريت، في أخطر مرحلة يجتازها لبنان منذ جلاء آخر قوات فرنسية عنه قبل ثمانين عاماً.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن