يُنسب إلى وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس، أنَّه أول من استخدم مصطلح "سياسة حافة الهاوية" المعروف في منتصف خمسينات القرن الماضي، للدلالة على استراتيجية الدفع أو التصعيد بأزمة دولية إلى حافة الحرب من أجل تحقيق مكاسب معيّنة أو انتزاع تنازلات سياسية من الخصم. وقد أصبح هذا المصطلح منذ ذلك الحين من أكثر المصطلحات تداولاً في أدبيات العلاقات الدولية، للتعبير عن إدارة التصعيد بوصفه أداة للضغط وتحسين الشروط التفاوضية.
وقد كانت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، من أوضح الأمثلة على هذه السياسة، أيضاً التصعيد الأخير في مايو (أيار) الماضي بين الهند وباكستان، كان مثالاً آخرَ؛ حيث اقتربتِ المواجهة بين قوتين نوويتين قبل احتوائها دبلوماسياً. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرهوناً بالقدرة على ضبط التصعيد وألا يتحول إلى مواجهة أو حرب مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها. إيران منذ الثورة عام 1979، تبنَّت هذه السياسة بدرجات متفاوتة، حتى أصبحت ركناً أساسياً في توجهها الخارجي؛ إقليمياً ودولياً، سواء من خلال خطابها الثوري أو برنامجها النووي أو من خلال أذرعها العسكرية والأمنية الموالية لها في دول المنطقة. وهي سياسة تقوم على التصعيد المحسوب من دون الوصول إلى المواجهة الشاملة، في محاولة منها لرفع تكلفة استهدافها وإجبار خصومها على التفاوض معها، بوصفها قوةً إقليمية يصعب تجاوزها في ملفات المنطقة. وفي الوقت نفسه، استفادت إيران من تبني هذه الاستراتيجية داخلياً في تعزيز شرعية نظام الملالي.
توماس لينديمان، الذي يعد أبرز منظِّري "سياسات الاعتراف" في العلاقات الدولية، يشير في كتابه "الخطاب الداخلي في إيران والتحديات الأمنية الحقيقية"، إلى أن السياسة الإيرانية لم تستهدف فقط انتزاع تنازلات سياسية، بل سعت أيضاً إلى ترسيخ شرعية داخلية عبر تقديم النظام بوصفه قوة مقاومة مستقلة تتحدَّى العزلة المفروضة عليها. وبالتالي جمعت "سياسة حافة الهاوية" الإيرانية بين البعدين الخارجي والداخلي، فأصبح التصعيد أداةً للتفاوض في الخارج ووسيلةً لإنتاج الشرعية في الداخل. ولذلك، لم تكن هذه السياسة في الحالة الإيرانية مجرد تكتيك مؤقت، بل تحولت تدريجياً إلى جزء من فلسفة إدارة القوة والنفوذ الإقليمي.
لكن يبقى السؤال الأهم بعد هذه السنوات: ماذا جنت إيران فعلياً من هذه السياسة، وهل حققت ما كانت تسعى أو تطمح إليه؟ دولياً قد تكون طهران نجحت في بعض المراحل في تحسين موقعها التفاوضي وفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في بعض الملفات المعقدة، إلا أن هذه السياسة عمَّقت عزلتها، ورسَّخت صورة إيران كدولة مارقة تتحرك خارج النظام الدولي وقوانينه وأعرافه، وأبقتها تحت وطأة عقوبات اقتصادية كبيرة وضغوط ممتدة استنزفت اقتصادها وضيَّقت هامش المناورة.
إقليمياً، منحت هذه السياسة إيران نفوذاً واسعاً عبر شبكات الوكلاء والأذرع المسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا، ومكّنتها لسنوات من التأثير في عدد من الأزمات الإقليمية. لكن هذا النفوذ ارتبط بتكلفة سياسية وأمنية متصاعدة بعدما اقترن بحروب استنزاف، وتعميق الانقسامات وتعطيل فرص الاستقرار في أكثر من ساحة عربية، فضلاً عن توتير علاقاتها مع دول الجوار.
أما داخلياً، فالتكلفة كانت أكثر وضوحاً؛ فالمظاهرات والاحتجاجات التي عمَّت إيران خلال السنوات الماضية لم تكن بعيدة عن نتائج هذه السياسة. فاستنزاف الموارد في ساحات النفوذ الخارجي، إلى جانب العقوبات الممتدة التي استنزفت الاقتصاد، وما رافق ذلك من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد المالي، أدت إلى ضغوط معيشية مباشرة على المجتمع الإيراني، تمثلت في التضخم، واتساع الفقر والبطالة، وتآكل الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. وبالتالي فإنَّ ما راكمته طهران خلال هذه السنوات لم يكن نفوذاً بقدر ما كان تكلفة سياسية واقتصادية متزايدة وعائداً متناقصاً، لتأتي الحرب الأخيرة وتكشف عن حدود هذه السياسة بوضوح.
كانت إرهاصات تآكل هذه السياسة قد بدأت تتَّضح تدريجياً قبيل الحرب الأخيرة، إذ كانت أدوات النفوذ الإقليمي قد بدأت بالتآكل، وتراجعت فاعلية الوكلاء التي كانت تستخدمهم في الردع أو المناورة. ما حصل في لبنان كانَ مؤشراً واضحاً؛ إذ تراجعت قدرة "حزب الله"، الذراع الأبرز لإيران في لبنان والمنطقة، على الإمساك بالمعادلة الداخلية كما في مراحل سابقة، بفعل الضربات التي تعرَّض لها، واستهداف قياداته البارزة؛ من بينهم أمينه العام حسن نصر الله، وما أعقب ذلك من تحولات سياسية داخلية، كان أبرزها انتخاب رئيس للجمهورية يسعى إلى تعزيز سيادة لبنان. وفي سوريا، شكّل انهيار نظام بشار الأسد ضربة قاسية لإحدى أهم ركائز النفوذ الإيراني في المشرق.
أما في العراق، الذي يُعد إحدى أهم الساحات لإيران اقتصادياً واستراتيجياً، ورغم استمرار حضور طهران في بعض البنى السياسية والأمنية، فإن البيئة العراقية لم تعد تمنحها الغطاء ذاته، في ظل تنامي حساسيات داخلية متزايدة ترفض مظاهر الهيمنة الخارجية وتدعو إلى استعادة القرار الوطني. وفي اليمن، فقد أصبح هامش المناورة الإيراني أكثر تكلفة وأقل استقراراً، تحت ضغط الضربات الأميركية والتشدد الدولي المتزايد تجاه تهديد الملاحة الدولية. لتأتي الحرب الأخيرة وتكشف عن التحول الأكثر خطورة، حيث انتقلت المواجهة من الأطراف التي كانت تعدها إيران المسافة الآمنة لها، إلى عمقها الداخلي، عبر ضربات طالت منشآتها ومواقعها الحساسة، إلى جانب استهداف قياداتها السياسية والأمنية، وصولاً إلى اغتيال مرشدها الأعلى، في تطور غير مسبوق يعكس أن هذه السياسة لم تعد قادرة على فرض معادلات الردع أو احتواء التصعيد، بل باتت أقرب إلى الانهيار الفعلي كأداة استراتيجية.
وأخيراً، يبدو واضحاً أن سياسة حافة الهاوية التي تبنّتها إيران طوال السنوات الماضية قد انهارت وفقدت صلاحيتها، ولم تجلب لها إلا مزيداً من العزلة والعقوبات والضغوط الدولية، فضلاً عن استنزاف في الموارد وتآكل في أدوات نفوذها وتصاعد الضغوط الداخلية. والبديل: لا نريد إيران ضعيفة أو مفككة أو منهارة، بل نريد إيران قوية أكثر عقلانية، تنخرط في معادلة الأمن الإقليمي على أسس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وخفض التوترات، وتغليب المصالح المشتركة. فإيران لا تزال دولة مركزية، ويمكن لقياداتها الجديدة أن تلعب دوراً إيجابياً في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصاً في الأمن والطاقة والممرات البحرية. وهو مسار ستجد فيه دعماً وترحيباً من دول المنطقة والعالم إذا قامت العلاقة على احترام السيادة وتغليب المصالح المشتركة.
(الشرق الأوسط)

