لا تزال الإدارة الأميركية تستطلع إمكانية مسار تفاوضي مع الجانب الإيراني في ظل ضغوطات داخلية كبيرة تتعرض لها هذه الإدارة، وهو ما يزيد حجمَ الضغوطات على الرئيس ترامب شخصياً للاتجاه إلى تبني مقاربة عاجلة، مما قد يدفع إلى الاتجاه إما نحو حل تفاوضي أو نحو عمل عسكري جديد أياً كان شكله أو حجمه.
وهذا مع العلم بأن الوسيط الباكستاني لم يعد لديه ما يقدمه بعد تبادل المسودات والعروض من كل طرف، وبعد أن استنفد الوسيطُ كلَّ قدرته على تحريك المشهد التفاوضي. ويضاف إلى هذا أن الرئيس ترامب بات يتملكه يقين بأن إدارته مطالَبةٌ بالوصول إلى اتفاق أفضل من الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما عام 2015، والذي انسحبت منه واشنطن خلال إدارة ترامب الأولى باعتباره اتفاقاً سيئاً سيكلف الولايات المتحدة الكثير من التبعات لاحقاً، وقد يؤدي إلى مزيد من التداعيات على أمن الشرق الأوسط وعلى الشركاء في الإقليم، كما أوضحت الإدارة في حينه. إن أي صفقة قد تتم أو يتم التعامل معها أميركياً وتُقبَل إيرانياً، أو العكس، سترتبط بملفات وقضايا على كل المستويات تقريباً، الأمر الذي تتحسب له جيداً إدارةُ ترامب التي تتعامل بمنطق الحزمة الواحدة، في ظل تخوفات من عدم التزام إيران واحتمالية استئنافها تخصيبَ اليورانيوم بنِسب عالية.
وحين تصل إيران إلى هذه المرحلة فهذا سيعقِّد التفاوضَ معها وسيعوق الاتجاهَ إلى إبرام صفقة مقبولة من كافة المؤسسات الأميركية التي ترى أهميةَ اتفاق متماسك محصن من أية تعاملات مضادة من قبل الجانب الإيراني المعروف عنه المراوغة والتحرك في مساحات متعددة كسباً لعنصر الوقت. يدرك ترامب صعوبة التحول إلى وسطاء آخرين، حيث لم يبقَ سوى الوسيط الروسي، بعد أن استقر في وعي الإدارة أن الجانب الصيني يناور في التعامل مع واشنطن التي شيطنته في وثيقة الأمن القومي للعام 2025، وفي وثيقة البنتاجون عام 2026. أما روسيا فتراقب مواقف الإدارة الأميركية ولا تريد التدخل إلا لإحراز مكاسب في إطار ما يوصف بحرب المقايضات الكبري بين الأطراف الثلاثة دولياً.
وفي سياق البحث عن وسيط سيكون من الصعب تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، خاصة مع استمرار تشكك الدول العربية في سلوك إيران حالَ التوصل إلى اتفاق ثنائي بينها وواشنطن. وتزداد تلك الشكوك بسبب محاولات البعض ربط أي تقارب باستراتيجية مرنة يمكن أن تقبل الاتفاقَ المتوقع بالتوازي مع محاولة استيعاب إيران في إطار إقليمي وبدون تدخلات من أطراف أخرى. وفي كل الأحوال سيكون هناك ترقّبٌ عربي لطبيعة السلوك الإيراني الذي سيظل على الأرجح سلوكاً عدوانياً، مما يتطلب حذراً عربياً تاماً، مع العمل على تأمين المصالح العربية في المقام الأول.
وما يجب أن تتفهمه الولايات المتحدة جيداً أنه لا يمكن توقيع اتفاق ثنائي مع إيران من دون مراعاة المتطلبات العربية، وعلى رأسها ضرورة تقييد إيران عن العودة مستقبلاً إلى نفس السيناريو الراهن، مما يكلّف المنطقةَ بأكملها تبعاتٍ كبيرة. ومن المرجح أن تقويض أركان القوة الإيرانية الغاشمة بالفعل، وبصرف النظر عن أي اتفاق، قد يشجع فرض تغيير من الداخل الإيراني يفضي إلى تتغير تام في الصورة، وهو رهان تعمل عليه الولايات المتحدة في ظلّ تحركات أمنية واستخباراتية كبيرة تجري بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي.
والواقع أن الإدارة الأميركية ستجد نفسها في وقت محدد أمام ضرورة استئناف القوة مجدداً لإجبار الجانب الإيراني على العودة للتفاوض. والكف عن طرح خيارات الحصار والمراقبة والتتبع في الوقت الراهن ليس لأنها مكلّفة، وإنما لأنها ستؤدي إلى تبني مقاربة فرضتها إيران نفسها. ولعل ما كشفته حالةُ الجدال داخل الولايات المتحدة بشأن ما تم عسكرياً بالفعل، يؤكد أن التوافقات داخل الإدارة تتجه نحو حسم الخيار العسكري، بوصفه المخرج الوحيد من المشهد الراهن بكل تبعاته.
(الاتحاد الإماراتية)

